سوريا - ثقافة
مراسل حربي.. عين الثورة وضميرها الحي
ا
العين السورية - سمر شما
نشر في: ٦ مايو ٢٠٢٦، ١١:٥٨
3 دقيقة
5

من المعروف أن المراسلين الحربيين والإعلاميين السوريين وغيرهم الذين نقلوا صورة الواقع من قلب الأحداث الدامية أيام الثورة السورية، ساهموا مساهمة كبيرة في صون الذاكرة وبناء الجسور بين السوريين، بعد أن وثقوا صورة الواقع في المدن والبلدات الثائرة وخاطروا بحياتهم لنقل معاناة الناس من خلال مشاهد ميدانية قاسية جسّدت تفاصيل الدمار والخراب والقتل والمخاطر الكبيرة التي واجهوها، وكفاحهم من أجل نقل الحقيقة للعالم أجمع، وبعضهم استّشهد أثناء التصوير والتغطية الإعلامية، وهذا ما عبّر عنه الفيلم الوثائقي الطويل "مراسل حربي" الذي عُرض بدار الأوبرا بدمشق في تظاهرة أفلام الثورة السورية بنسختها الثانية الشهر الماضي.
قدم العمل توثيقاً حيّاً لتجارب بعض الإعلاميين والنشطاء أثناء القصف بالصواريخ والقنابل الفراغية والقذائف والمدفعية والبراميل المتفجرة، ورصد قصص عدد ممن فقدوا حياتهم أثناء تغطية المعارك واستهداف المدنيين من قِبل نظام الأسد البائد وحلفائه الروس، واستعرض إصرار زملائهم على متابعة الطريق الوعرة رغم الموت والاعتقال والحصار والتجويع. ومن أبرز المحطات التي تناولها الفيلم وأكثرها قسوة وألماً استشهاد المراسل محمد المسالمة "محمد الحوراني" مراسل الجزيرة في ريف درعا عام 2013 إثر إصابته برصاص قناص وهو ينقل للعالم التطورات الخطيرة في هذه المحافظة وما تعرضت له من انتهاكات وتدمير، وكان يردد دائماً أن المراسل "مشروع شهيد" في هذه الحرب الوحشية. إضافة إلى توثيقه لحظة قصف واستشهاد زكريا إبراهيم متأثراً بجراحه في ريف حمص الشمالي، وكان الشهيد السادس لقناة الجزيرة في سوريا، سبقه محمد الأصفر عام 2015 أثناء تغطيته المعارك بدرعا، ومهران الديري في الشيخ مسكين، ومحمد عبد الجليل القاسم بريف إدلب، وحسين عباس في القلمون وذلك عام 2014.
منذ بداية الفيلم كانت الكاميرا عين الناشط الإعلامي تجوب البساتين والحارات والشوارع، لنكتشف أنها لحظة استشهاد الإعلامي وسيم العدل خلال تغطيته للغارات التي شنّها النظام وحلفائه على جبل الزاوية عام 2015، ولنسمع صوت الأنين والوجع والدعوة للجميع أن "ينبطحوا" على الأرض للحفاظ على سلامتهم، وهذا المشهد لخّص بوضوح الأوضاع الخطيرة والمخيفة التي عاشها المراسلون الحربيون أثناء الثورة، ولكنهم ورغم ذلك كله أصروا على اقتحام المخاطر ونقل حياة المقاتلين ومعاناتهم واستبسالهم في ساحات المعركة.
كان الإعلاميون كما يبدو واضحاً في "مراسل حربي" منتشرين في كل مكان، صوروا ونقلوا مشاهد تحبس الأنفاس ويوميات عاشها السوريون في جحيم القصف بكل أنواع الأسلحة بلا خطوط حمر ولا قوانين، الجثث والدم في كل مكان ودبابات الأسد تقتحم القرى والمدن، وفرق الدفاع المدني والمدنيون والناشطون يحاولون انقاذ العالقين تحت الأنقاض وانتشال الجثث والطيران الحربي فوقهم يلقي عليهم أشدّ أنواع الأسلحة فتكاً وكأن القيامة قد قامت من هول الدمار والحرائق والخسائر البشرية والمادية المفجعة.
وثّق الفيلم لحظات إنسانية عميقة ومؤثرة وصعبة، وآباء يبكون على أبنائهم وعائلاتهم، وأمهات وأطفال فقدوا كل شيء ولقطات لأماكن تحولت إلى أشباح وأطلال بعد أن كانت عامرة بالحياة والاستقرار. ورصد أيضاً التحولات التي طرأت على التغطية الإعلامية ليوميات الثورة، واستهداف الصحفيين الأجانب، ومن بينهم صحفيون فرنسيون استشهدوا خلال تغطيتهم للجرائم المروعة التي ارتكبها النظام في حي بابا عمرو بحمص عام 2012، وهم: ريمي أوشليك: المصور الصحفي الفرنسي الذي استُشهد إثر قصف استهدف المركز الإعلامي المؤقت هناك، وكان متواجداً برفقة الصحفية الأمريكية ماري كولفين التي لقيت المصير نفسه. وجيل جاكييه: مراسل تلفزيون فرانس 2 وكان ضمن رحلة رسمية سمح بها النظام في حمص. وإديث بوفييه: الصحفية الفرنسية المستقلة التي أُصيبت بجروح بالغة في القصف نفسه آنف الذكر في بابا عمرو وتم تهريبها إلى لبنان لمعالجتها وإنقاذها، وقد تحدثت عن تجربتها ضمن الفيلم وتغطيتها للأحداث وكيف حرص الناشطون على إنقاذها وإسعافها، قائلة: "كانوا متمرسين ومهتمين جداً. كانوا ملائكتنا الحارسة في هذه المأساة".
تحدث أيضاً المصور الصحفي البريطاني بول كونروي لـ "مراسل حربي" عن واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي وثّقت مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة السورية، وقدم شهادة حيّة عن الجرائم التي ارتكبها النظام الأسدي بحق المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء، وعن الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة، وقال: "هناك قوة عسكرية تحاصر المدنيين. عليك الذهاب لترى المآسي. يجب أن تكون في سوريا".
رصد هذا الوثائقي أيضاً التحولات التي طرأت على التغطية الإعلامية واستهداف الصحفيين الأجانب مما أدى إلى تراجع وجود الإعلام الدولي، وتصاعُد دور الكوادر المحلية في نقل الصورة على الأرض، ووثّق عمل وآراء عدد من الإعلاميين السوريين ومنهم: هادي العبد الله الذي التحق بالثورة منذ بداياتها وبدأ بتغطية الأحداث على جبهات القتال كناشط إعلامي وهو من مواليد حمص، تحدث عن المخاطر الجسيمة التي يتعرضون لها جميعاً أثناء القصف، وعن وجود القناصين في كل مكان، وأشار إلى سياسة النظام الإجرامية تجاه الإعلام، وتمسكه بالبقاء في سوريا ورفضه لكل الفرص والإغراءات التي عُرضت عليه للعمل خارج البلاد.
وفي شهادته أوضح الناشط الإعلامي وائل عادل وهو يغطي قصف النظام لحلب أن القصف الذي يطال الصحفيين بشكل ممنهج يدفعهم لترك أماكنهم، مندداً بالسياسات الإجرامية والانتهاكات الجسيمة وعدم مراعاة القوانين والحرمات من قبل النظام المجرم.
أما مصور وكالة رويترز خريج كلية الصحافة بدمشق خليل العشّاوي فقد تحدث في شهادته عن تركه لعمله بدبي وعودته السريعة إلى بلاده، ليعمل مراسلاً ومصوراً حربياً لعدد من الوكالات العالمية، مشيراً إلى مخاطر الجبهات وأهمية العزيمة والإرادة القوية.
توقف الفيلم أيضاً عند العمل الذي قام به الناشط معاذ الشامي بعد قضائه ثلاث سنوات تحت الحصار في ريف دمشق، وتسلله بعدها عبر جبال القلمون إلى المناطق المحررة لمتابعة عمله في نقل أخبار الثورة وتغطيته لمجازر حلب قائلاً في شهادته: "بداية الثورة كنت أهتف بالمظاهرات. اعتقلوا أهلي وأمي وأحرقوا بيتي. بدأوا بقصف الغوطة فقمنا بتغطية الأحداث رغم الجوع والخطر. لقد خرج الصحفي من رحم الثورة. ولولاها لما دخلت الإعلام".
ركّز العمل أيضاً على أنه بتاريخ 13 أيار 2016 في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تمّ توثيق استشهاد /486/ إعلامياً بينهم /34/ قضوا تحت التعذيب، إضافة إلى تسجيل /876/ حالة خطف واعتقال للإعلاميين.
اعتمد فيلم "مراسل حربي" الذي أخرجه: هشام زعوقي، وأعده مع مدير التصوير إبراهيم الشمالي، على أسلوب بصري مباشر جمع بين اللقطات الميدانية كما كانت على أرض الواقع والشهادات الحيّة، وركّز على الواقعية في السرد، وكانت الموسيقا فيه أحد أبطال العمل عبّرت بدقة عن الوجع والفقد والعزيمة والإصرار.
حاول النظام البائد اسكات الكلمة والصوت والصورة منذ بداية الثورة، لكن الحقيقة لا تموت حين يتحدى رواتها الحروب الدموية وأدواتها المجرمة ويواجهون بشجاعة آلة القتل الهمجية ساعين للحرية والعدالة والخلاص من الاستبداد وحالمين بوطن يتسع لجميع أبنائه ويحفظ كرامتهم وحقوقهم.


