سوريا - محليات
أزمة تمويل أم تحفيز للعودة.. ما وراء تقليص المساعدات الأممية على اللاجئين السوريين؟
ه
هبة الكل
نشر في: ١٠ يونيو ٢٠٢٦، ١٠:٥٢
3 دقيقة
1

تواجه العمليات الإنسانية الموجهة للسوريين في الداخل والدول المضيفة تراجعاً ملحوظاً، إذ يمضي برنامج الأغذية العالمي في تطبيق تقليصات شديدة على عملياته الإغاثية، فبعد إلغاء برنامج دعم الخبز، وتخفيض المساعدات الطارئة بنسبة 50% داخل سوريا، بسبب عجز التمويل، امتدت هذه الإجراءات لتطال قرابة 135 ألف لاجئ سوري يعيشون خارج المخيمات في الأردن، حيث تقرر قطع المساعدات الغذائية عنهم تماماً، مع الإبقاء على دعم مخفض داخل المخيمات لا يتجاوز 15 ديناراً أردنياً للفرد شهرياً.
تزامن القرار مع بيانات رسمية تكشف عن عودة نحو 192 ألف لاجئ سوري من الأردن إلى بلادهم، خلال الفترة الممتدة منذ سقوط نظام الأسد حتى نهاية نيسان الجاري، مما يطرح عدة تساؤلات حقوقية حول دوافع القرار. هل أزمة التمويل تقف وراءه، أم أنه يمثل تحولاً استراتيجياً دولياً يهدف إلى تغيير قواعد التعامل مع أحد أهم الملفات الإنسانية السورية اليوم، ملف اللجوء، والانتقال به من مرحلة إدارة اللجوء والمساعدات، إلى مرحلة تحفيز العودة وإعادة الإعمار؟
تحولات استراتيجية
يوضح أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية الدكتور حسن الدعجة، لـ "العين السورية"، أنّ القرار لا ينفصل عن سياق التحولات السياسية الأخيرة التي تشهدها القضية السورية، لاسيما مع تنامي الحديث الدولي عن تهيئة الظروف لإعادة اللاجئين، إذ يكشف إعلان الأردن عن عودة أكثر من 190 ألف لاجئ سوري، عن حقيقة وجود مسار دولي وإقليمي للانتقال من مرحلة إدارة اللجوء إلى مرحلة تشجيع العودة الطوعية.
ويشرح الدعجة طبيعة القرار، في كونه أكثر من مجرد إجراء مالي أو إنساني، إذ أنّ تقليص المساعدات الغذائية خارج المخيمات، قد يُفهم كجزء من إعادة توجيه الموارد الدولية نحو الداخل السوري، بشكل يساهم في تحفيز اللاجئين على التفكير بالعودة، خصوصاً إذا ترافقت هذه الخطوة مع برامج إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتأمين فرص عمل في سوريا.
تبدّل الأولويات
بالمقابل، يؤطر الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، القرار في سياق الأزمة التمويلية المباشرة، نظراً لتراجع المساعدات الخارجية من الدول المانحة الكبرى، وانتقال الأولويات الدولية إلى أزمات أخرى حول العالم، إلى جانب إرهاق المانحين بعد أكثر من 15 عاماً من الاستجابة للأزمة السورية، واتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة.
ومع ذلك، ينبّه الكيلاني إلى أنّ تراجع المساعدات أو وقفها سيجعل من البقاء في دول اللجوء غير مستدام اقتصادياً، ما يشكل ضغطاً اقتصادياً غير مباشر، قد يؤثر في حرية الفرد لاتخاذ قرار العودة، ويدفع اللاجئين إليها، الأمر الذي يتنافى مع تشديد الأمم المتحدة على أن تكون العودة طوعية، آمنة وكريمة ومستندة إلى خيار حقيقي، لا إلى انعدام البدائل المعيشية.
تداعيات اقتصادية
يشير الخبيران إلى الأثر المباشر لرفع الدعم الغذائي، والمتمثل في ارتفاع الضغوط المعيشية على الأسر المقيمة خارج المخيمات، إذ يحذر الخبير الكيلاني من تراجع الأمن الغذائي للأسر الأكثر هشاشة، ومن مخاطر تفشي عمالة الأطفال، والتسرب المدرسي والزواج المبكر، باعتبارها آثار خطيرة سبق أن وثقتها الأمم المتحدة عند تخفيض المساعدات في الأردن.
في السياق ذاته، يتوقع الدكتور الدعجة ارتفاع مستويات الفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة الاعتماد على سوق العمل غير المنظم لدى الأسر ذوات الدخل المحدود، مما قد يدفع بعض اللاجئين إلى إعادة تقييم خياراتهم المستقبلية، بما في ذلك العودة إلى سوريا كخيار أكثر جاذبية واستدامة من البقاء في دول اللجوء في حال توفرت ظروف معيشية وأمنية مناسبة.
ارتدادات عكسية
تبرز مخاوف من حدوث موجة نزوح عكسي للاجئين من المدن والبلدات باتجاه المخيمات للاستفادة من الخدمات المتاحة هناك، إلا أن الدكتور الدعجة يؤكد أن هذا الاحتمال يبقى محدوداً نسبياً، وذلك بسبب تمكن العديد من اللاجئين من بناء شبكات عمل واستقرار اجتماعي خارج المخيمات خلال السنوات الماضية، فضلاً عن تحول القرار إلى حافز للتفكير بالعودة إلى سوريا، بدلاً من العودة إلى حياة المخيمات.
بالمقابل، يفند الخبير الكيلاني حقيقة المقاربة الأممية، التي تحصر الدعم داخل المخيمات بذريعة هشاشة سكانها، على أنها مقاربة قد تواجه انتقادات حقوقية، وذلك لأنّ الفقر والجوع يتفشيان بين أعداد كبيرة من اللاجئين في المدن والبلدات خارج المخيمات أيضاً، وينبه إلى عدم صوابية اتخاذ انقطاع الإغاثة كذريعة لإسقاط الحماية الدولية عنهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يشير إلى أن تركيز المساعدات داخل المخيمات، قد يولّد موجة نزوح عكسي نحوها، إلا أنه يعتمد على سياسات الدول المضيفة، فليس كل من يفقد الدعم الأممي خارج المخيم سيتمكن من الانتقال إليه.
خلل بنيوي
يوضح الكيلاني أن أي حركة نزوح عكسية، ستكون مؤشراً على خلل بنيوي في استهداف المساعدات، انطلاقاً من أن الأصل في السياسات الدولية، هو دعم الاندماج المجتمعي لا إعادة تكديس الأهالي في المخيمات، مؤكداً على أنه في حال استمرار الفجوة التمويلية، ستتمدد عمليات التقليص الإغاثية لتطال اللاجئين لدى دول مضيفة أخرى، مثل لبنان ومصر، مما سيفاقم سيناريوهات اتساع رقعة الفقر، والاحتقان الاجتماعي نتيجة التنافس على الخدمات وفرص العمل، فضلاً عن توقعات لحدوث هجرات غير نظامية أو عودة اضطرارية إلى سوريا التي تشهد إنهاكاً معيشياً، وبالتالي سيتحول ملف اللجوء من قضية إغاثية إلى أزمة إنسانية تنموية عابرة للحدود.
خارطة تنسيق مشتركة
لحماية ملف العودة من أي اتهامات بفرض العودة القسرية أو انتهاك المعايير الدولية الخاصة باللاجئين، يرجح الخبيران أن يشهد الملف تنسيقاً متزايداً بين دمشق وعمان، لضمان عودة طوعية آمنة، تحظى بقبول المجتمع الدولي.
ويقترح الخبيران أن تركز آليات التنسيق المشتركة على رصد أوضاع اللاجئين السوريين، وتبادل المعلومات والبيانات حول احتياجاتهم الاقتصادية والخدمية، فضلاً عن تسهيل الإجراءات الحدودية، والتأكد من استدامة العودة.
ويؤكدان على أهمية وجود آليات تنسيقية مع منظمات أممية ودولية لضمان استمرار الدعم الإنساني داخل سوريا، إلى جانب مخاطبة المانحين بخطاب موحد يربط بين دعم اللاجئين في دول الجوار، ودعم التعافي المبكر داخل سوريا، وكل ذلك بهدف تحويل ملف العودة من عبء إنساني إلى فرصة لإعادة الاستقرار والتنمية.


