سوريا - اقتصاد
كيف يهدد تعطل معبر المصنع بانهيار عابر للحدود؟
ا
العين السورية
نشر في: ٨ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٢٥عدل في: ٨ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٢٥
3 دقيقة
0

لم يعد إغلاق معبر "جديدة يابوس - المصنع" مجرد إجراء أمني مؤقت، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي وجودي يواجه سوريا ولبنان على حد سواء، فالمعبر الذي يربط بيروت بدمشق على مسافة لا تتجاوز 115 كيلومتراً، تحول منذ يومين إلى ساحة انتظار قسرية لمئات شاحنات البضائع وآلاف المسافرين، إثر التهديدات الإسرائيلية التي وضعت هذا المرفق المدني في مرمى الاستهداف، ويأتي هذا الشلل في وقت حساس أشارت فيه بيانات وزارة النقل للربع الأول من عام 2026 إلى نشاط متصاعد في قطاع نقل البضائع الذي سجل أرقاماً لافتة تجاوزت 4.63 ملايين طن، منها ما يزيد على 3.78 ملايين طن شحن خارجي عبر المعابر الحدودية، ما يعكس حجم الاعتماد الحيوي على هذه المنافذ.
شلل تجاري كامل
تبدو الساحة الجمركية في "جديدة يابوس" اليوم خالية من المسافرين للمرة الأولى منذ بدء التصعيد، بينما تصطف شاحنات الشحن التجاري في طوابير طويلة بانتظار قرار إعادة الفتح، وهو ما يهدد الزخم الذي حققته وزارة النقل في رفع متوسط النقل الخارجي اليومي إلى نحو 42 ألف طن عبر المنافذ الحدودية، إذ أن هذا التوقف لا يعني مجرد تأخير زمني، بل هو خسارة مادية مباشرة تُقدر بملايين الدولارات يومياً، بالنظر إلى أن حجم المبادلات التجارية عبر هذا المحور يتجاوز 500 مليون دولار سنوياً بحسب "الدولية للمعلومات".
"الانفجار اللوجستي" وتحديات الأسطول
وفي تصريح خاص لـِ "لعين السورية"، يؤكد مدير مديرية نقل البضائع في وزارة النقل، خالد كسحة، أن معبر "المصنع - جديدة يابوس" هو الشريان الأكبر بين سوريا ولبنان، وأن إغلاقه أدى لتعطيل حركة الشحن بين البلدين خاصة مع تعطل باقي المعابر لتضررها وعدم الانتهاء من تأهيلها لغاية تاريخه وهي معابر: (جوسية – القاع، الدبوسية تتر – العبودية، ومعبر العريضة)، علماً أن 42 ألف طن يومياً موزعة على جميع المنافذ ومن ضمنها جديدة يابوس بمعدل 700 طن يومياً. وعن كيفية منع "الانفجار اللوجستي"، يوضح كسحة أن ذلك يتم من خلال الإسراع بافتتاح معبري (جوسية-القاع) و(الدبوسية-العبودية) اللذين يتم حالياً تأهيلهما لاستقبال حركة النقل، إضافة إلى فتح ساحات تفريغ مؤقتة لتخفيف الضغط على الحدود، وتحويل جزء من الشحن البري ليصبح عن طريق مرافئ بيروت - طرطوس مؤقتاً.
وبالنسبة لآلية تعامل مكاتب الدور مع مئات الشاحنات العائدة، يشير كسحة إلى أنه "يتم تسجيل الشاحنات التي كانت متجهة للمصنع وإعادة ترتيب دورها حسب وقت الوصول إلى نقطة التحويل، مع إعطاء أولوية قصوى للمواد الحساسة مثل الخضار والفواكه (سريعة التلف)، الأدوية والمستلزمات الطبية، وشحنات التبريد".
كذلك، يقرّ مدير مديرية نقل البضائع في وزارة النقل بوجود مخاوف حقيقية من تعطل الأسطول بسبب المسارات الطويلة؛ ويقول : "المسافة بين دمشق وبيروت عبر المصنع هي 115 كم فقط، بينما تتضاعف تقريباً عبر (حمص–القاع–جوسية) مع طرق أكثر وعورة، مما يؤدي لمخاطر تشمل ارتفاع الأعطال الميكانيكية، زيادة استهلاك الوقود بنسبة قد تصل إلى 40-60%، تراجع قدرة الشاحنات القديمة على تلبية الطلب، وتأخر سلاسل التوريد للمواد الحساسة". وللحد من هذه المخاطر، يؤكد كسحة أنه يجب تخصيص مسارات للشاحنات الحديثة أو المبردة، إنشاء نقاط صيانة متنقلة على طريق حمص–القاع، تقليل عدد الرحلات الفارغة، ورفع ساعات عمل الورش الحدودية.
10 ملايين دولار يومياً رهينة "الشريان الوحيد"
من الجانب اللبناني، حذر رئيس تجمع الشركات اللبنانية، باسم البواب، من أن معبر المصنع يمثل الركيزة الأساسية والشريان الوحيد حالياً الذي يربط لبنان بسوريا وسائر الدول العربية وصولاً إلى الخليج، موضحاً أن توقفه يشل الحركة التجارية بالكامل خاصة بعد تعطل معابر الشمال. وكشف البواب أن إجمالي الحركة التجارية عبر المعبر تصل إلى نحو عشرة ملايين دولار يومياً، موزعة بالتساوي بين تصدير لبناني واستيراد بنحو خمسة ملايين دولار لكل منهما، مشيراً إلى أن المعبر يخدم أيضاً التجارة السورية عبر مرافئ بيروت وطرابلس.
وأكد البواب أن المصنع معبر شرعي خاضع للرقابة ولا يُستخدم للتهريب، معتبراً أن استهدافه يمثل ضغطاً سياسياً لقطع أوصال الدولة اللبنانية، ومشيراً إلى وجود معلومات حول تفاهمات دولية لتأجيل استهدافه نظراً لتداعياته الكارثية على جميع الأطراف المعنية، إذ أن خروجه عن الخدمة سيكبد الاقتصاد اللبناني خسائر يومية مباشرة تقدر بـ 10 ملايين دولار.
غياب البدائل وخسائر الشاحنات
من جهته، يرى أمين سر اتحاد شركات شحن البضائع الدولي، حسن عجم لـ "العين السورية"، أنه في الوقت الحالي وبعد إغلاق معبر المصنع لا يوجد أيّ معبر بديل لهذا الشريان الحيوي، لأن معبر الدبوسية مغلق أصلاً، ومعبر جوسية مُخصص فقط للمسافرين على الأقدام حتى أن سيارات التكسي لا تعبر من خلاله، موضحاً أنه في حال تم تفعيل معابر بديلة فإن هذا الشيء غير مجهز لا لوجستياً ولا خدمياً، وستزيد التكلفة على كل سيارة بمبلغ يتجاوز 500 دولار فقط كقيمة محروقات. ويشير عجم إلى أنه لا يوجد حالياً أي حركة استيراد وتصدير أو عبور ترانزيت بين سوريا ولبنان لجميع المواد، ولا تزال السيارات عالقة بين الحدود السورية واللبنانية "لا تستطيع العودة لسوريا ولا المتابعة إلى لبنان بسبب إغلاق المنافذ الحدودية"، مبيناً أن تأمين عبور السيارات في معابر بديلة من قبل اتحاد شركات شحن البضائع الدولي بالتنسيق مع نقابة أصحاب الشاحنات في لبنان مرهون بالقرارات الصادرة عن الحكومة اللبنانية. ويشدد عجم على أن الخسائر كبيرة كون هناك يومياً أكثر من 150 شاحنة من سوريا للبنان بين تصدير بضائع سورية أو عبور ترانزيت قادمة من دول الخليج عبر معبر نصيب أو عبر معبر باب الهوى التركي وعبر معبر البوكمال على الحدود السورية العراقية، مؤكداً أن كل هذه المعابر متوقفة بشكل عام نتيجة هذا الوضع.
البدائل: مسافات أطول وتكاليف مضاعفة
وقد أدى الإغلاق الحالي إلى إجبار المسافرين والتجار على سلوك "معبر جوسية" في ريف حمص كبديل اضطراري، مما يفرض أعباءً إضافية قاسية خاصة على المواطنين السوريين المرتبطين بمواعيد سفر وحجوزات طيران عبر مطار بيروت الدولي، واقتصادياً يشير المحللون إلى أن الانتقال من معبر المصنع الذي يبعد 40 كم عن دمشق إلى معابر حمص أو اللاذقية يعني زيادة المسافة من 115 كم إلى قرابة 700 كم، وهذه الزيادة تعني ارتفاعاً فورياً في تكاليف الوقود والصيانة، وتلف الشحنات الحساسة كالخضروات والفاكهة، وانخفاض القدرة التنافسية للصادرات السورية المتجهة إلى الأردن والخليج عبر الترانزيت اللبناني، وذلك رغم جهود وزارة النقل في تنظيم حركة الشاحنات وتعديل نشرات أسعار النقل دورياً لتواكب المتغيرات الاقتصادية وتحافظ على السلامة المرورية وسلامة الطرق الإسفلتية.
مرفق مدني تحت التهديد
وفي مواجهة المزاعم الإسرائيلية حول استخدام المعبر لأغراض عسكرية، أكدت الجهات الرسمية السورية أن المنفذ مُخصص حصراً لعبور المدنيين ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية مع خلو المنطقة من أيّ مظاهر مسلحة، إذ يعد المعبر مدنياً بامتياز يسهل حركة الشحن التجاري التي تسعى وزارة النقل لرقمنتها عبر إطلاق منصة إلكترونية متخصصة وتطبيق نظام التتبع الإلكتروني GPS وتحديث أسطول الشاحنات، وكان المعبر يستقبل في ظروف الحرب الجارية أكثر من 10 آلاف شخص يومياً ونحو 2000 سيارة، فيما يعد الرئة الأساسية لتأمين القمح والطحين والأدوية للبنان، ومنفذاً حيوياً للبضائع السورية نحو الموانئ اللبنانية.
وبناء على ما سبق، يبقى معبر المصنع اليوم رهينة "الأمن القلق"، فبينما ينتظر الجانبان السوري واللبناني زوال المخاطر المحتملة لاستئناف العمل، تستمر الخسائر الاقتصادية في التراكم، ورغم خطط وزارة النقل السورية الطموحة للتحول الرقمي الكامل وتطوير البنية التشريعية وتحديث قاعدة البيانات المركزية لربط مكاتب المحافظات، إلا أن التحديات المتمثلة في قدم الأسطول وضعف البنية التحتية وتأثر المسارات الحيوية بالتهديدات العسكرية تنذر بموجة غلاء جديدة قد تضرب الأسواق في البلدين إذا طال أمد هذا الحصار غير المعلن على الشريان الأهم لسلاسل الإمداد.


