سوريا - اقتصاد
فجوة التمويل تُربك الاقتصاد السوري.. أدوات تنموية معطلة تنتظر معاودة الإقلاع
ن
نورا حربا
نشر في: ٣٠ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أعرب عدد من الخبراء والاقتصاديين ورجال الأعمال، عن حاجة سورية الملحّة إلى إعداد بنية تحتية مصرفية قادرة على تلبية متطلبات المرحلة الراهنة. فسوريا تشهد عودة سريعة إلى المحافل الدولية والإقليمية بعد انقطاع دام سنوات طويلة.
بعضهم يرى ضرورة دخول مصارف جديدة إلى السوق السورية، في حين ذهب آخرون إلى أننا نمتلك منظومة مصرفية متكاملة، لكنها بحاجة إلى نفض الغبار عنها وتفعيلها للارتقاء إلى المستوى المطلوب.
وبقي السؤال الأهمّ متمثّلاً في أسباب عدم قدرة المنظومة المصرفية السورية على ممارسة دورها المفترض في تقديم الخدمات ودعم الاقتصاد الوطني بشكل تنموي حقيقي.
ضرورة استراتيجية
بخبرة أهل الكار، ومن " أيديهم في الطبخة" يارا عبود، الموظفة في المصرف التجاري السوري، أن إصلاح البنية التحتية للقطاع المصرفي يُشكّل ضرورة استراتيجية لتعزيز كفاءة النظام المالي وزيادة قدرته على تمويل المشاريع الإنتاجية، بما يسهم في تعزيز الثقة بالمصارف المحلية، وضمان استقرار السيولة المالية، وتسهيل العمليات المصرفية للمواطنين والمؤسسات على حدّ سواء.
فيما حدّد إبراهيم الخالد، العامل في القطاع نفسه، الإصلاحات الواجب تنفيذها، والتي تبدأ بتطوير القوانين واللوائح المالية، وتحسين الرقابة الفاعلة على البنوك، وقبل كل ذلك، تحديث البنية التكنولوجية لتسهيل الخدمات المصرفية الرقمية، وبالتالي تحقيق أهداف هذا الإصلاح في تعزيز الشفافية والكفاءة، وتقليل مخاطر العمل المصرفي، بما يدعم الاستثمارات المحلية، ويجذب رؤوس الأموال السورية المهاجرة، فضلاً عن تشجيع رأس المال الأجنبي.
تجارب ناجحة
لكن ماذا عن الدور التنموي للمصارف السورية، وهو السؤال الإستراتيجي المرتبط دوماً بالبحث عن دور مفقود للمنظومة المصرفية السورية؟
ماذا عن دور المصارف في دعم المشاريع الإنتاجية، وخاصة الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة ؟... في تجربتها الشخصية، تؤكد المهندسة ربا المصري، مديرة مشروع إنتاجي، نجاحها المطلق بدعم مباشر من القطاع المصرفي عبر قروض ميسّرة ومساعدات فنية، مكّنتها من الوصول إلى مواقع متقدّمة في العملية الإنتاجية. ونوّهت في حديثها لـ " العين السورية"، بالدور الفاعل للمؤسسات المصرفية في توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية المختلفة، بما فيها الصناعة والزراعة والخدمات.
المصري تحدثت إلينا بعد أن بحثنا كثيراً لنجد من يتحدث عن قرض تشغيلي مثمر حصل عليه من المصارف السورية، فهي تشير إلى أن برامج دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تشكّل رافداً أساسياً لتعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل جديدة، بما يتوافق مع الأهداف التنموية للحكومة.
تعزيز دور المصارف
من جهته، يوافق رجل الأعمال محمد البقاعي، على ماسبق، بأن إصلاح القطاع المصرفي يمثّل خطوة إيجابية نحو تعزيز دور البنوك في دعم الإنتاج المحلي وتمويل المشاريع الصناعية والتجارية. وأوضح أن توفير التمويل الميسّر والخدمات المصرفية الفعالة يتيح للمؤسسات توسيع عملياتها، وتحسين قدرتها التنافسية، وإيجاد فرص عمل متنوعة، بما يؤمّن مقومات دفع عجلة الاقتصاد الوطني نحو الاستقرار المحلي والخارجي، وتعزيز قوته بين الاقتصادات العالمية.
تحديات كبيرة
وبالعودة إلى آلية العمل المصرفي في سورية، وضرورة امتلاكها مقومات المساهمة في أعمال التنمية وتحقيق قفزات نوعية، يرى الدكتور عمر الأسعد، الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، في حديثه لـ"العين السورية"، أن القطاع المصرفي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، تشمل تحسين إدارة المخاطر وضمان استقرار أسعار الصرف، إضافة إلى ضرورة تعزيز الثقة في النظام المصرفي. وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن الإصلاحات المطلوبة تشكّل فرصاً كبيرة لتوسيع قاعدة التمويل، وتشجيع الاستثمارات المحلية والخارجية، ودعم النمو الاقتصادي المستدام الذي يطال كافة القطاعات الخدمية والإنتاجية وغيرها.
وأضاف، أن تحديث النظام المصرفي في سوريا من شأنه تعزيز الرقابة على البنوك، ما ينعكس إيجاباً على استقرار القطاع المالي، ويزيد من قدرة المصارف على المساهمة في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تُعدّ ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.
وأكّد أن الإصلاحات المصرفية تشكّل فرصة لتعزيز الثقة في النظام المالي السوري على المستويين المحلي والخارجي، دون تجاهل ما تحقّقه من مساهمة كبيرة في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحقيق استدامة التمويل المالي للمشروعات والإنفاق المطلوبة لتنفيذ المشاريع الإنتاجية والخدمية، والأهمّ تعزيز قوة الاقتصاد الوطني محلياً وخارجياً.
إدارة السيولة
الواقع أن ثمة تحديات أمام الاستحقاقات الكبيرة للمصارف السورية، فالخبير والمحلل الاقتصادي، أيهم أسد، يرى في حديثه لـ"العين السورية"، أن التحديات التي تواجه القطاع المصرفي السوري في السنوات المقبلة "ليست سهلة" بسبب تعقيدات المشهد الاقتصادي والسياسي الداخلي والدولي، معتبراً أن "مصرف سوريا المركزي" سيعمل في "بيئة غير مستقرة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً"، ما يتطلّب منحه قدراً كبيراً من الاستقلالية في ممارسة عمله.
وأوضح أن أهم التحديات المقبلة للقطاع المصرفي السوري، تتعلّق بمدى قدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة في الاقتصاد، من خلال ما يتوفر لديه من أدوات نقدية، إذ لا بد من ربط تلك السيولة بمتغيرات الاقتصاد الكلي الأخرى، كالتضخم وسعر الصرف والبطالة والنمو الاقتصادي.
كما أشار إلى وجود تحدٍّ كبير أمام الاقتصاد السوري يتمثّل بالتحكّم في سعر الصرف، إذ لا بد من الحفاظ على استقراره لما له من تأثير مباشر على الميزان التجاري ومعدلات التضخم، وبالتالي على مستويات المعيشة والفقر.
إرث ثقيل
أما الخبير الاقتصادي، د.علي محمد، فيتطرق خلال حديثه لـ"العين" إلى أبرز التحديات المتراكمة التي تواجه القطاع المصرفي منذ سنوات طويلة، موضحاً أن هذه التحديات تعود إلى أكثر من 14 عاماً، وربما 24 عاماً منذ تأسيس المصارف الخاصة، إضافة إلى الإرث التاريخي للمصارف العامة. ونوّه إلى أن ضعف الثقافة المصرفية لدى شريحة واسعة من المجتمع السوري يمثّل أحد أبرز هذه التحديات، وهو ما يعود إلى طبيعة المجتمع وإلى الدور التقليدي الذي لعبته المصارف العامة سابقاً، فضلاً عن البنية التقنية والتكنولوجية للمصارف السورية التي ما زالت متأخّرة مقارنة بالدول المجاورة والعربية، إضافة إلى تحديات السيولة وضعف القدرة على التوسع في العمل المصرفي المنتج نتيجة الظروف الاقتصادية وتأثيرات الحرب.
مقبولة ومتوافقة
ويؤكّد د. محمد أن نتائج اختبارات الضغط التي أُجريت على المصارف الخاصة وفق متطلبات مصرف سورية المركزي، في ما يتعلق بالسيولة وكفاية رأس المال، أظهرت أن معظم هذه المصارف مقبولة ومتوافقة مع المعايير الرقابية، سواء معايير "بازل" أو تلك التي يفرضها المركزي السوري.
ويرى أن استعادة الثقة تتطلّب مكاشفة أوسع، علماً أن قرارات المركزي منذ عام 2025 التي تسمح بالسحب الكامل للودائع الجديدة تُعدّ خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال.
واعتبر الخبير محمد، أن نجاح عمل المصرف المركزي السوري يتطلّب التعاون معه من بعض الوزارات الأساسية، مثل المالية والاقتصاد والصناعة، من أجل تنسيق السياسات المالية والتجارية مع السياسات النقدية.
استعداد مفترض
نستطيع ربما أن نجزم باستعداد المنظومة المصرفية السورية، من حيث الانتشار والتواجد والكوادر والسيولة، لأداء الدور المطلوب منها في خدمة مختلف القطاعات، بدءاً من رجال الأعمال والصناعيين، ومروراً بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وليس انتهاءً بتقديم الخدمات التقليدية للمتعاملين العاديين، ولكن بعيداً عن الإقراض الاستهلاكي، حيث يتوجّب عليها أن تكون فاعلة ومؤثّرة تنموياً عبر ممارسة العمل المصرفي الحقيقي والفعّال، بعيداً عن مخاوف المخاطرة الوهمية.. لكن حتى الآن يبقى الجميع بانتظار إعلان الدور الجديد للمصارف وفتح أبوابها للقروض التشغيلية وتحقيق مساهمة تنموية، في بلد يبدو بأمس الحاجة إلى قفزات حقيقية لاستدراك " فوات تنموي" وفجوة عميقة تسببت بها سنوات الحرب والانهيار.


