سوريا - ثقافة
عروس الصحراء السورية.. بين بطش النظام البائد وفُرص الإعمار
س
سمر شمه
نشر في: ٢١ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٣٦
3 دقيقة

تعرضت مدينة تدمر المُدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي خلال الحرب التي شنّها النظام البائد وحلفاؤه على الشعب السوري والمدن والبلدات الثائرة لتدمير ممنهج ونهب واسع النطاق، ازداد كماً ونوعاً أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عليها في عامي 2015 و 2017.
دمار بغيض
تم تدمير معبد "بِل"، وهو من أهم معالم المدينة الأثرية وأبرز الصروح الدينية في الشرق الأوسط قديماً، دمره مايسمى " تنظيم الدولة الإسلامية" بالمتفجرات، و"معبد بِل شمين" الذي يعود تاريخه إلى ألفي عام وسُوي بالأرض إثر تفجيره في أغسطس 2015، و"قوس النصر" المعلم الروماني الشهير الذي يتوسط المدينة الأثرية وتمّ تفجيره في أكتوبر من العام نفسه، إضافة إلى أبراج المقابر وهي من أجمل المعالم الأثرية، ومداخل تدمر وواجهة المسرح الروماني و "التترابيلون" البناء الروماني القديم المؤلف من أربعة أعمدة، ومتحف تدمر العريق الذي حُطمت جدارياته المنحوتة وتماثيله وشُوهت التوابيت الجنائزية ذات النقوش الرائعة فيه. كما تعرضت المنطقة الأثرية عموماً للنهب والسرقة للمقتنيات على يد قوات الأسد ولصوص الآثار، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بها نتيجة المعارك العسكرية والقصف الجوي والصاروخي من قِبل النظام وروسيا، وتحويل بعض المنشآت إلى ثكنات عسكرية. وقد اعتبرت المنظمات الدولية عمليات التخريب هذه بمثابة جريمة حرب وخسارة فادحة للإنسانية.
الإجراءات الحكومية والمشاريع بعد التحرير
أجرت الحكومة السورية بعد سقوط النظام تقييماً شاملاً للأضرار، وأطلقت خططاً إسعافية بالتنسيق مع جهات دولية لحماية هذه الكنوز التاريخية، والبدء بمشاريع توثيق وتأهيل للمعالم المتضررة، وشكلّت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية فِرقاً متخصصة لإجراء جرد شامل للمواقع الأثرية والمتحف الوطني، وتوثيق القطع المسروقة والمتضررة للبدء بأعمال المعالجة والتعافي. ولأن إعادة بناء المدينة يحتاج لوقت طويل وإمكانيات مالية هائلة وخبرات ماهرة وعالية المستوى محلية ودولية، نظراً لحجم الأضرار والدمار الهائل، تمّ وضع خطة إنقاذ عاجلة للحفاظ على هوية المدينة، وترميم القطع الأثرية البارزة، وإعادة تركيب تمثال "أسد اللات" التحفة الفريدة من نوعها التي يعود تاريخها إلى القرن الأول الميلادي، وأُطلق مشروع ضخم لترميم "قوس النصر" أبرز المعالم الأثرية في المدينة، وهو عبارة عن بوابة بثلاثة مداخل تزينه نقوش هندسية ونباتية. وجرى التوقيع على اتفاقيات لترميم المئات من القطع والمنحوتات التدمرية، وتأمين أمني للمدينة، وتسييج للمواقع التاريخية، وعمليات تمشيط لنزع الألغام ومخلفات الحرب، وتمّ ضبط عصابات التهريب وإعادة أكثر من 7000 قطعة أثرية كانت ستهرب خارج البلاد، كما رُحّلت آلاف الأمتار المكعبة من الأنقاض لفتح الشوارع وعودة السكان، وباشرت الجهات الخدمية بتنفيذ أعمال الترميم والإكساء لعدد من منازل التدمريين العائدين وإصلاح الأجزاء المتضررة من البنية التحتية. ولكن هناك بعض المعالم الشهيرة لا تزال على وضعها السابق من الدمار والخراب، والأعمال المُنفذة محدودة مقارنة مع ما تم الإعلان عنه جرّاء العديد من المعوقات. ويتم التواصل مع منظمة الأمم المتحدة "اليونسكو" وغيرها للحفاظ على أصالة المدينة وعدم تراجع ترتيبها على مستوى العالم، كونها من أعظم وأهم المدن الأثرية في العالم أجمع، تمزج بين الحضارات وعمارتها الاستثنائية، وطرازها المعماري الفريد.
بين إرهابين: الأسد و"داعش"
سعى النظام البائد وحلفاؤه للسيطرة على تدمر، وفرض الجيش الروسي وصايته عليها، وأحدث قاعدة عسكرية هناك، بينما حاولت إيران استغلال موقعها الاستراتيجي لتكون صلة وصل بين سوريا والعراق بعد سيطرة الميليشيات الطائفية على عدة أحياء فيها وتهجير أهلها والقيام بعمليات عسكرية وسرقات ونهب واعتقالات. وجاء مايسمى "تنظيم الدولة الإسلامية" عام 2015 وسيطر عليها، ثم استعادها النظام بدعم من حلفائه في آذار 2016، ليعود التنظيم من جديد للسيطرة عليها في كانون الأول من العام نفسه، ولكنه طُرد نهائياً منها في آذار عام 2017، بعد أن حطم ودمّر أهم رموز المدينة الأثرية، واستخدم مسرحها التاريخي لتصوير عمليات الإعدام والانتهاكات التي قام بها، وأبشعها وأكثرها إجراماً ووحشية إعدام عالم الآثار السوري خالد الأسعد بسبب رفضه القاطع للكشف عن المواقع السرية للكنوز والقطع الأثرية الثمينة، وهو الذي ساهم مساهمة كبيرة في إخلاء وتأمين محتويات متحف تدمر لحمايته من النهب والسرقة، وقد خضع بعد اختطافه من قِبل "داعش" للتحقيق والتعذيب الشديد لمدة شهر كامل لإجباره على إفشاء أسرار وأماكن كنوز تدمر العريقة، لكنه تمسك بموقفه ودفع حياته ثمناً لحماية الإرث التاريخي للمدينة، بعد أن وُجهت له تهم: إدارة أصنام تدمر والتواصل مع جهات أجنبية، وموالاة النظام السوري الذي لم يتدخل لحمايته وإنقاذه بل كان متواطئاً مع المجرمين في هذه الجريمة المروعة، واستغل كعادته هذا الملف محولاً الكارثة الثقافية والإنسانية إلى أداة عسكرية سياسية ودعائية لتعزيز شرعيته الدولية وكسب الرأي العام وحلفاء جدد بعد أن قدم نفسه كحامٍ للتراث والحارس الوحيد له في وجه "إرهاب داعش الظلامي" كما ادعى، و بعد ارتكابه لجرائم حرب بحق تدمر وأهلها، وانسحابه منها وتسليمها لتنظيم الدولة الإسلامية في لعبة سياسية مكشوفة.
مستعمرة روسية
الجدير ذكره أن النظام البائد فتح الباب للخبراء الروس لتثبيت وجودهم الثقافي والعسكري هناك، بذريعة الترميم والمسح الضوئي، ولضباطه وشبيحته لسرقة الآثار الثمينة، وبيعها في الأسواق السوداء الدولية. وحوّل البادية التدمرية ومطارها العسكري "التيفور" إلى نقطة ارتكاز لإدارة العمليات العسكرية وسط سوريا بإشراف ومشاركة من حلفائه تحت أكاذيب "حماية ما تبقى من آثار".
تـدمر مدينة التراث والفخامة
تُعتبر "مدينة النخيل" تدمر من أهم المواقع الأثرية السورية. كانت مصدراً للاقتصاد السوري. والموقع الأكثر جذباً للسياح. هي نموذج هام للمدن الرومانية ذات الطابع الشرقي المميز وسط الصحراء. أُدرجت على لائحة التراث العالمي منذ عام 1980، وكانت المركز التجاري الأكبر في الشرق، يعكس تراثها الهائل الفخامة وروح الحضارات والترف، وتحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لاهتمام أكبر وتأمين البنية التحتية لعودة البعثات الأثرية ومعالجة التحديات التي تعيق عمليات إعادة التأهيل والتعافي لاسيما وأن المدينة تشهد عودة تدريجية للحركة السياحية فيها، وإصراراً كبيراً من أهلها لإعادة إعمار أقدم وأكبر الواحات الطبيعية في البادية السورية التي ستبقى رمزاً للحضارة العريقة أمام العالم.


