سوريا - اقتصاد
المركزي ينظم عمولات المصارف ويحظر الرسوم غير المبررة
ضوابط جديدة لاحتساب الرسوم المصرفية، وحظر عمولات توطين الرواتب والحسابات دون خدمة فعلية، وإلزام المصارف بإعلان أسعارها مسبقاً.
ا
العين السورية
نشر في: ٧ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٠:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي واستقطاب مزيد من العملاء، أثارت ممارسات بعض المصارف المتمثلة في فرض عمولات ورسوم مفاجئة، دون إعلان مسبق أو توضيح كافٍ لأسس احتسابها، استياءً لدى المتعاملين، وطرحت تساؤلات حول مستوى الشفافية في العلاقة بين المصارف وعملائها.
وتكتسب هذه الممارسات أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة، إذ لا تقتصر حاجة القطاع المصرفي السوري على استعادة ثقة المودعين والمتعاملين محلياً، بل تمتد إلى تعزيز قدرته على استقطاب الأموال وتوسيع قاعدة العملاء، بالتوازي مع جهود مصرف سوريا المركزي لإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية، بعد سنوات طويلة من العزلة الدولية.
وفي هذا السياق، أصدرت لجنة إدارة مصرف سوريا المركزي القرار رقم (748/د/أ) بتاريخ 5 تشرين الثاني 2026، واضعةً إطاراً تنظيمياً شاملاً لتسعير العمولات والرسوم المصرفية، يهدف إلى ضبط الممارسات غير المبررة، وإلزام المصارف بالإفصاح المسبق عن تكاليف خدماتها، بما يعزز الشفافية ويحمي حقوق العملاء.
مصفوفة موحدة لجميع العمولات
يسري القرار على جميع المصارف المرخص لها بالعمل في سوريا والخاضعة لإشراف مصرف سوريا المركزي، ويعرّف العمولات والرسوم بأنها أي مبالغ يتقاضاها المصرف من العميل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مقابل خدمة أو منتج مصرفي، بما يشمل عمولات إدارة الحسابات ورسوم الاشتراكات الدورية.
ويلزم القرار كل مصرف بإعداد «مصفوفة عمولات» واضحة ومفصلة، تتضمن جميع الرسوم المفروضة على العملاء، وأسس احتسابها وشروط استحقاقها، بحيث تكون مرجعاً معلناً يتيح للمتعاملين معرفة تكلفة الخدمات المصرفية قبل الحصول عليها.
ويستثني القرار العمولات المرتبطة بخدمات الدفع الإلكتروني، سواء المقدمة عبر مزودي خدمات الدفع أو من خلال أنظمة الدفع الإلكتروني، على أن تخضع لتنظيم مستقل لاحقاً. ولا يمتد هذا الاستثناء إلى الخدمات المصرفية التقليدية لمجرد تقديمها عبر قنوات إلكترونية، ما لم تكن العمولة مرتبطة فعلياً بخدمة دفع إلكتروني مشمولة بتنظيم خاص.
التسعير وفق التكلفة الفعلية
لم يكتفِ القرار بإلزام المصارف بالإعلان عن عمولاتها، بل وضع ضوابط تتعلق بكيفية تحديدها واحتسابها، إذ ألزمها بإعداد سياسات وإجراءات مكتوبة ومفصلة توضح الأسس والمعايير المعتمدة في التسعير، ومنهجية احتساب التكاليف المباشرة وغير المباشرة لكل خدمة، والمكونات التي تدخل في تحديد السعر النهائي، سواء كانت مبالغ مقطوعة أو نسباً مئوية أو قيماً متغيرة.
كما يتعين أن توضح هذه السياسات الخدمات والإجراءات التي تقابل كل عمولة، وآلية مراجعتها دورياً وتوثيق التعديلات التي تطرأ عليها، إلى جانب تحديد الصلاحيات والمسؤوليات داخل المصرف.
ويشترط القرار إرفاق ملحق فني يشرح كل عمولة والخدمة المقابلة لها وطريقة احتسابها، على أن تقدم المصارف هذه السياسات وملاحقها إلى مفوضية الحكومة لدى المصارف خلال شهر واحد من نفاذ القرار، وكذلك عند إجراء أي تعديلات لاحقة عليها.
وفيما يتعلق بمستويات الأسعار، يشدد القرار على ضرورة تناسب العمولة مع طبيعة الخدمة وتكاليفها الفعلية، ومراعاة العدالة والشفافية في التعامل مع مختلف فئات العملاء، ومنع تحميل بعضهم أعباء غير مبررة.
كما يشترط أن تكون العمولة المعلنة شاملة لجميع مراحل تقديم الخدمة، ويحظر تجزئتها إلى رسوم فرعية أو إضافية تحت مسميات مختلفة، أو فرض رسوم على إجراءات تشكل جزءاً أساسياً من الخدمة الأصلية، مع مراعاة التكاليف الخارجية المستقلة شريطة الإفصاح عنها مسبقاً.
ويشجع القرار المصارف على تقديم أسعار تفضيلية عند استخدام القنوات الإلكترونية متى أمكن ذلك، مع التأكيد على استقرار العمولات وعدم تعديلها بصورة متكررة دون مبررات موضوعية.
لا عمولات بلا خدمة فعلية
ومن أبرز ما تضمنه القرار وضع قيود صريحة على عدد من الممارسات التي قد تثقل كاهل العملاء، إذ يحظر فرض أي عمولة لا تقابل خدمة فعلية مقدمة للعميل، أو لا تستند إلى أساس تعاقدي أو تنظيمي واضح، كما يشترط الحصول على موافقة مسبقة من العميل عندما تكون الخدمة اختيارية.
ويمنع القرار المصارف من فرض أو تسجيل عمولات على الحسابات الجارية لمجرد عدم توافر رصيد كافٍ، إذا أدى ذلك إلى إنشاء رصيد مدين دون تقديم خدمة فعلية أو وجود أساس تعاقدي معلن.
كذلك يحظر استخدام مسميات مثل «رسوم إدارة الحساب» أو «الاشتراك» للتحايل على الضوابط التنظيمية، أو تحصيل مبالغ مقابل خدمات لم تقدم فعلياً.
وفي خطوة تستهدف حماية العاملين وأصحاب الرواتب، يمنع القرار تقاضي أي عمولات أو رسوم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من العامل أو جهة العمل مقابل فتح حسابات توطين الرواتب، أو استقبال ملفات الرواتب أو تحويلها أو إيداعها أو صرفها.
ولا يشمل هذا الحظر الخدمات المصرفية الأخرى المستقلة التي يطلبها العميل بإرادته، شريطة الإفصاح المسبق عنها والحصول على موافقته، وعدم ربط توطين راتبه بالحصول على تلك الخدمات.
ضوابط للاشتراكات وباقات الخدمات
وفيما يتعلق بباقات الخدمات المصرفية، يسمح القرار للمصارف بتقديم خدمات متكاملة مقابل اشتراك، شرط تحديد الخدمات المشمولة وقيمة الاشتراك ودوريته بوضوح، والإفصاح عن الخدمات غير المشمولة، والحصول على موافقة صريحة ومسبقة من العميل.
كما يتعين تمكين العميل من الاطلاع على شروط إلغاء الباقة أو تعديلها، بما يضمن عدم تحميله تكاليف خدمات لم يوافق عليها.
ويحصر القرار استخدام مسمى «عمولة إدارة الحساب» بالاشتراك في باقة خدمات واضحة ومحددة، مقابل خدمات فعلية، ولا يسمح باستخدامه لفرض رسوم دورية لمجرد الاحتفاظ بالحساب المصرفي.
وعلى صعيد الإفصاح، يلزم القرار المصارف بإبلاغ العملاء بجميع العمولات قبل تنفيذ الخدمة أو إبرام العقد، ونشر مصفوفة العمولات المحدثة في الفروع والمواقع والمنصات الإلكترونية الرسمية.
كما يوجب إشعار العملاء بأي تعديل على العمولات قبل سريانه بمدة لا تقل عن خمسة أيام عمل، ويحظر تطبيق التعديلات بأثر رجعي.
وبذلك، لا يقتصر القرار على تنظيم قائمة الرسوم التي تتقاضاها المصارف، بل يضع قواعد أكثر وضوحاً للعلاقة بينها وبين العملاء، من خلال ربط العمولة بالخدمة الفعلية والتكلفة المبررة، وإلزام المصارف بالإفصاح المسبق.
وتبقى فعالية هذه الضوابط مرتبطة بمدى التزام المصارف بتطبيقها، وقدرة الجهات الرقابية على متابعة التنفيذ ومعالجة المخالفات، بما يسهم في بناء الثقة بالقطاع المصرفي وتعزيز دوره في المرحلة الاقتصادية المقبلة.


