سوريا - اقتصاد
سوريا تخطط للطرق المأجورة.. كم ستدفع مقابل المرور؟
طرق جديدة موازية للشبكة المجانية.. ورسوم يحددها حجم التوفير في الوقت والوقود
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 5 دقيقة

هل يمكن أن تتحول الطرق السريعة في سوريا من بنية تحتية تستهلك الإنفاق العام إلى مصدر إيرادات، وفي الوقت نفسه تختصر زمن نقل البضائع؟ هذا هو السؤال الذي يفتح الباب أمام مشروع إنشاء طرق سريعة مأجورة، في وقت لا تعرف فيه البلاد حتى الآن نظام الطرق المدفوعة.
وكان وزير النقل يعرب بدر قد أعلن أن السياسة الوطنية تتجه إلى تطوير النقل البري المستدام، مشيراً إلى فرص استثمارية في قطاع النقل، وإلى التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية في دراسة إنشاء نظام للطرق السريعة المأجورة.
لكن المشروع بدأ يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً بعد توضيحات قدمها المهندس علي أسبر، مدير النقل البري في وزارة النقل، لـ«العين السورية»، إذ كشف أن المنحة المقدمة من البنك الإسلامي للتنمية تتضمن إعداد دراسة جديدة لمشروع الطرق المأجورة شمال–جنوب-شرق–غرب، إلى جانب مسح شامل لشبكة الطرق المركزية بطول يقارب 10 آلاف كيلومتر.
وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بفكرة فرض رسوم على طريق قائم، بل بتصميم شبكة جديدة موازية للطرق المحلية، وتمويلها واستثمارها وفق نموذج يربط الرسم بالخدمة التي يحصل عليها المستخدم.
منحة لدراسة شبكة الطرق.. وطريق مأجور جديد
بحسب وزارة النقل، تشمل المنحة المقدمة من البنك الإسلامي للتنمية عدة محاور فنية ومادية، أبرزها إعداد دراسة مسح شامل لشبكة الطرق المركزية، وإعداد دراسة جديدة لمشروع الطرق المأجورة، إضافة إلى دراسة جدوى لتطوير محور الرقة–دير الزور–البوكمال بطول 270 كيلومتراً.
كما تتضمن المنحة توريد معدات متخصصة لمسح شبكة الطرق، على أن تصبح ملكاً للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، إلى جانب دعم إنشاء منصة إلكترونية لتنظيم آلية نقل البضائع على مستوى الجمهورية.
وهذا يعني أن المشروع لا ينفصل عن تصور أوسع لتحديث البنية التحتية للنقل، حيث يجري العمل بالتوازي على الطرق، وتنظيم حركة الشحن، وتوفير البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات الاستثمار.
طريق مأجور إلى جانب طريق مجاني
النقطة الأكثر وضوحاً في تصور وزارة النقل هي أن الطرق المأجورة لن تحل محل الطرق الحالية.
ويقول أسبر إن التوجه المعتمد يقوم على إنشاء الطرق المأجورة موازية للطرق المحلية القائمة، بحيث تبقى الأخيرة مجانية، بينما توفر الطرق الجديدة اختصاراً في الزمن والمسافة والتكلفة للمستخدم الذي يختارها.
وهذا النموذج يغيّر طبيعة الرسوم اقتصادياً؛ فالمستخدم لا يدفع مقابل الوصول إلى الطريق العام بحد ذاته، وإنما يدفع مقابل استخدام مسار يفترض أن يقدم له خدمة أفضل.
ويرى خبير هندسة النقل والمواصلات الدكتور المهندس مهند محمد ألفا أن نجاح المشروع يرتبط قبل كل شيء بموقع سوريا على خريطة التجارة الإقليمية.
فسوريا تقع على مسارات يمكن أن تربط الأردن وتركيا والعراق ودول الخليج بالموانئ السورية والبحر المتوسط، فيما يمكن لتطوير طرق سريعة بمواصفات عالية أن يحول هذا الموقع الجغرافي إلى حركة نقل مدفوعة.
ويعتقد ألفا في حديثه مع "العين السورية" أن حركة الترانزيت، ولا سيما نقل البضائع ومشتقات النفط، يمكن أن تشكل أحد مصادر الطلب الأساسية على هذه الطرق، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من حركة نقل النفط من العراق باتجاه مرفأ بانياس.
لكن نجاح الفكرة لا يتوقف على وجود شاحنات عابرة فقط. فطريق مأجور لا يستطيع استرداد كلفة إنشائه من الرسوم إلا إذا قدم للمستخدم خدمة واضحة مقابل ما يدفعه: زمن أقل، طريق أكثر أماناً، مسار أكثر انسيابية، وخدمات لوجستية أفضل.
وهنا تكمن المعادلة الاقتصادية الأساسية: ليس السؤال فقط كم سيدفع المستخدم، بل كم سيوفر مقابل هذا الدفع؟
كيف ستُحصّل الرسوم؟
تكشف وزارة النقل أن النموذج المقترح لتحصيل الرسوم يعتمد على نقاط عبور محددة، بحيث تتناسب قيمة الرسم مع حجم التوفير الذي يحصل عليه المستخدم في الوقت والوقود وغيرهما.
وسيتم اعتماد نظام مماثل للأنظمة الدولية المعمول بها في الطرق المأجورة، فيما ستحدد الدراسة بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية القيمة الأولية المقترحة للرسوم.
وهذا يعني أن التعرفة لم تُحسم بعد، وأن أي رقم متداول حالياً يجب التعامل معه باعتباره تقديراً وليس سعراً رسمياً.
وكان ألفا قد طرح تصوراً أولياً لطريق يربط الحدود الأردنية بالحدود التركية، مقدراً رسم الرحلة للشاحنات بنحو 11 إلى 12 دولاراً، مع اختصار زمن الرحلة إلى نحو أربع ساعات وفق تقديره.
لكن هذا الرقم يبقى تقديراً فنياً من الخبير، وليس تعرفة معتمدة، في انتظار نتائج دراسة الجدوى التي يفترض أن تربط السعر بكلفة الإنشاء والصيانة وحجم المرور والوفر الذي يحققه الطريق للمستخدم.
من يدفع؟ ومن يستفيد؟
بحسب وزارة النقل، ستشمل الرسوم جميع المركبات الراغبة في استخدام الطرق المأجورة، مع إمكانية اعتماد تعرفة خاصة لشاحنات الترانزيت أسوة بالممارسات الدولية، وهنا يظهر الترانزيت باعتباره عنصراً مهماً في النموذج الاقتصادي للمشروع.
فإذا تمكنت سوريا من جذب حركة الشحن العابرة بين الأردن وتركيا والعراق والموانئ السورية، فإن الطريق المأجور يمكن أن يحصل على قاعدة مستخدمين لا تعتمد فقط على الحركة المحلية.
لكن ذلك يتطلب أن تكون تكلفة المرور منافسة مقارنة بالبدائل الإقليمية، وأن يكون الوفر في الوقت والوقود والصيانة كافياً لإقناع الناقل بدفع الرسم.
أين ستذهب أموال الرسوم؟
هذه من أهم النقاط الجديدة التي أوضحتها وزارة النقل، فالنموذج المقترح يأخذ في الاعتبار فترة استرداد رأس المال للمستثمر، على أن تتزايد حصة الدولة تدريجياً لتصل إلى 100% مع انتهاء فترة الاستثمار.
وبمعنى آخر، فإن الإيرادات في مرحلة الاستثمار لن تذهب كلها إلى الخزينة العامة، بل ستأخذ في الاعتبار حقوق المستثمر وتكلفة رأس المال وفترة استرداد الاستثمار، أما بعد انتهاء فترة الاستثمار، فتنتقل الحصة إلى الدولة وفق النموذج المطروح.
وتوضح الوزارة أن الإيرادات ستخصص جزئياً لصيانة وتطوير شبكة الطرق وتعزيز السلامة المرورية، فيما يحول الجزء الآخر إلى الخزينة العامة بالتنسيق مع وزارة المالية.
وهنا يتحول الطريق من مجرد أصل للنقل إلى مصدر محتمل لإيرادات مستدامة، لكن حجم هذه الإيرادات سيظل مرتبطاً بعدد المستخدمين وقيمة الرسوم وكلفة التشغيل والصيانة.
هل ترفع الطرق المأجورة أسعار السلع؟
الخوف الطبيعي من أي رسم جديد على النقل هو أن ينتقل إلى تكلفة الشحن، ومنها إلى أسعار السلع.
لكن وزارة النقل ترى أن الرسوم لن تفرض على مستخدمي الطرق الحالية، فيما يفترض أن يوفر الطريق المأجور وفراً في الزمن والمسافة والوقود.
ويشير ألفا بدوره إلى أن المقارنة لا يجب أن تقتصر على قيمة الرسم، وإنما ينبغي أن تشمل الوقود والزمن واستهلاك المركبة والمسافة والازدحام.
فإذا كان الطريق المأجور أقصر وأكثر انسيابية، فقد تعوض وفورات الوقود والصيانة والزمن جزءاً من الرسم. وبالنسبة للشاحنات، فإن تقليص ساعات الرحلة قد يحمل قيمة اقتصادية بحد ذاته، خصوصاً في النقل العابر للحدود.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في التكلفة الكاملة للرحلة: هل تصبح الرحلة عبر الطريق المدفوع أرخص أو أكثر كفاءة رغم دفع الرسم؟
أكبر اختبار: عدد المركبات
الطريق المأجور مشروع رأسمالي ضخم، وبالتالي فإن حجم المرور المتوقع سيكون أحد أهم محددات جدواه.
ويرى ألفا أن موقع سوريا يمكن أن يوفر قاعدة مرور مهمة، خصوصاً مع تنامي حركة النقل الإقليمي، لكنه يربط استرداد الاستثمار بزيادة حركة المركبات وتدفقات الترانزيت، وهذه النقطة تحتاج إلى أرقام دقيقة لا إلى التقديرات العامة.
فدراسة الجدوى يجب أن تحدد عدد الشاحنات والسيارات المتوقع مرورها يومياً، ونسب النمو السنوية، ونسبة المستخدمين الذين سيختارون الطريق المدفوع بدلاً من البديل المجاني، ثم تبني على ذلك نموذج الإيرادات والتكاليف.
كما يجب أن تحسب أثر أي تغير في حركة التجارة الإقليمية على إيرادات الطريق، لأن مشروعاً يعتمد على رسوم المرور يكون حساساً لحجم الطلب الفعلي.
من مشروع طرق إلى ممر اقتصادي
إذا نجحت الفكرة، فإن قيمة الطرق السريعة المأجورة لسوريا قد تتجاوز تحصيل رسوم المرور.
فالطريق السريع يمكن أن يصبح جزءاً من ممر اقتصادي متكامل يربط الحدود بالموانئ والمناطق الصناعية والمناطق الحرة والمراكز اللوجستية، ويختصر زمن انتقال البضائع عبر البلاد.
وهذا ينسجم مع رؤية وزارة النقل التي تضع تطوير شبكة الطرق المركزية وإنشاء شبكة سكك حديدية متوازنة ومستدامة ضمن أولويات تطوير قطاع النقل، بما يساعد على ربط سلاسل الإمداد والمنتج بالمستهلك.
لكن ذلك يتطلب ألا يُنظر إلى الطريق باعتباره مجرد مشروع لتحصيل الأموال، فالجدوى الحقيقية ستظهر عندما يكون الرسم ثمناً لخدمة نقل أسرع وأكثر أماناً وكفاءة، وعندما تكون الإيرادات كافية لتمويل الصيانة والتشغيل واسترداد الاستثمار، مع تحول جزء متزايد منها إلى الدولة بعد انتهاء فترة الاستثمار.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي أمام مشروع الطرق السريعة المأجورة في سوريا لن يكون في قدرة الدولة على فرض رسم، بل في قدرتها على بناء طريق يجعل المستخدم يرى في هذا الرسم تكلفةً مقابل وقت أقل، ووقود أقل، ومخاطر أقل، ومسار تجاري أكثر كفاءة.


