سوريا - اقتصاد
ارتفع سعر الوقود.. فماذا سيدفع السوريون أيضاً؟
القرار عند المضخة، لكن تداعياته تقاس في المصنع والمزرعة والسوق وميزانية الأسرة
ا
العين السورية
نشر في: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
عند محطة الوقود يظهر السعر الجديد فوراً، لكن الرقم الأصعب يحتاج إلى وقت كي يظهر في السوق: كم ستصبح كلفة إنتاج السلعة السورية بعد رفع أسعار الوقود؟ وكم سيفقد المواطن من قدرته على الشراء؟
لا يمكن قراءة رفع أسعار المشتقات النفطية باعتباره تعديلاً في أسعار الطاقة فقط؛ فالوقود يدخل في تشغيل ونقل وإنتاج قطاعات واسعة من الاقتصاد، وأي ارتفاع كبير في كلفته يعيد ترتيب حسابات المنتجين والناقلين والتجار، قبل أن ينتقل أثره تدريجياً إلى المستهلك.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور أيهم أسد، في حديثه لـ«العين السورية»، أن رفع أسعار حوامل الطاقة يُعد من أخطر السياسات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة خلال العام الحالي، بالنظر إلى انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية.
ويشدد أسد على ضرورة أن تسبق مثل هذه القرارات دراسة دقيقة لنتائجها، وأن تترافق مع إجراءات تحد من آثارها على الاقتصاد والمجتمع.
الصدمة تبدأ من النقل.. ولا تتوقف عنده
بحسب أسد، سيكون النقل من أول القطاعات التي تلمس أثر القرار، لكن التداعيات تصبح أوسع عندما تنتقل الزيادة إلى تكاليف تشغيل القطاعات الأخرى.
فالمزارع يعيد حساب كلفة نقل مستلزماته ومحصوله، والمنشأة الصناعية تواجه تكاليف تشغيل أعلى، فيما تتحمل قطاعات الخدمات مصاريف إضافية. ومع انتقال السلعة أو الخدمة من حلقة إلى أخرى، تتراكم الكلفة وصولاً إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
لكن ثمة طرفاً لا يستطيع ببساطة إعادة حساباته أو نقل الكلفة إلى طرف آخر: المواطن.
بالنسبة إلى الأسرة محدودة الدخل، لا يقابل ارتفاع أسعار السلع والخدمات مصدر دخل جديد، ما يعني أن المشكلة لا تقتصر على دفع فاتورة أعلى، بل تمتد إلى تراجع فعلي في القدرة الشرائية واضطرار الأسر إلى تقليص بعض احتياجاتها أو تأجيلها.
ويحذر أسد من أن هذه التطورات قد تدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع وتزيد الضغط على القوة الشرائية، إلى جانب تأثيرها في قرارات الاستثمار ضمن سوق تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقرار في تكاليف الطاقة.
هل تستطيع الرقابة ضبط الأسعار؟
تزداد المسألة تعقيداً عندما تبدأ آثار ارتفاع الوقود بالظهور في الأسواق.
فالرقابة ضرورية لمنع الاستغلال والمبالغة في رفع الأسعار، لكنها تواجه حدوداً واضحة عندما تكون الزيادة مرتبطة بارتفاع فعلي في تكاليف الإنتاج أو النقل. فلا يمكن مطالبة الناقل أو المنتج بامتصاص كامل الزيادة إلى أجل غير محدد، كما لا يمكن التعامل مع كل ارتفاع في سعر سلعة أو خدمة باعتباره مخالفة تلقائياً.
المشكلة، بهذا المعنى، لا تتعلق بالرقابة وحدها، وإنما بالفجوة بين الكلفة الجديدة وقدرة السوق والمستهلك على استيعابها.
ومن هذه الزاوية، يمكن لحملات ضبط الأسعار أن تحد من المبالغة والاستغلال، لكنها لن تكون كافية بمفردها إذا بقيت العوامل التي تدفع تكاليف الإنتاج والنقل إلى الارتفاع قائمة.
كيف يمكن احتواء أثر القرار؟
تبدأ المعالجة الأكثر فاعلية قبل وصول الصدمة إلى رفوف المتاجر، عبر الحد من انتقال ارتفاع كلفة الطاقة إلى القطاعات المنتجة وفرص العمل، ومراجعة الآثار المترتبة على النقل، بالتوازي مع توفير حماية اجتماعية قادرة على الوصول إلى الفئات التي لم يعد دخلها يحتمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
ويحذر أسد من أن استمرار ارتفاع الأسعار في غياب حماية اجتماعية مستمرة قد يوسع دائرة الفقر ويزيد الضغوط الاجتماعية.
ولا تقتصر تداعيات عدم استقرار تكاليف الطاقة على المستهلك؛ فالمستثمر يحتاج بدوره إلى تقدير كلفة إنتاجه قبل اتخاذ قرار بضخ أمواله. وكلما أصبحت هذه الكلفة أكثر تقلباً وأقل قابلية للتوقع، ازدادت المخاطر التي تدخل في حساباته الاستثمارية.
ما بعد إيرادات القرار
قد يستند رفع أسعار الوقود إلى اعتبارات مالية، لكن تقييم أثر القرار لا يتوقف عند مقدار الإيرادات التي ستجنيها الخزينة، وإنما يمتد إلى ما سيحدث للاقتصاد بعد تحصيلها.
فإذا قادت الزيادة إلى تراجع الإنتاج، وارتفاع الأسعار، وضعف الاستهلاك، وزيادة الضغط على الأسر، فإن جزءاً من المكسب المالي قد يعود إلى الاقتصاد على هيئة كلفة اجتماعية واقتصادية.
أما إذا ترافق القرار مع مسار يخفف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الإنتاج، ويحمي الشرائح الأضعف، ويحافظ على قدرة السوق على الحركة، فقد تصبح الصدمة أكثر قابلية للاحتواء. في النهاية، لا تكشف شاشة الأسعار في محطة الوقود وحدها كلفة القرار.
الكلفة الأوسع ستظهر عندما يبدأ المواطن بإعادة ترتيب قائمة مشترياته، والمنتج بإعادة حساب جدوى عمله.
عند محطة الوقود يظهر السعر الجديد فوراً، لكن الرقم الأصعب يحتاج إلى وقت كي يظهر في السوق: كم ستصبح كلفة إنتاج السلعة السورية بعد رفع أسعار الوقود؟ وكم سيفقد المواطن من قدرته على الشراء؟
لا يمكن قراءة رفع أسعار المشتقات النفطية باعتباره تعديلاً في أسعار الطاقة فقط؛ فالوقود يدخل في تشغيل ونقل وإنتاج قطاعات واسعة من الاقتصاد، وأي ارتفاع كبير في كلفته يعيد ترتيب حسابات المنتجين والناقلين والتجار، قبل أن ينتقل أثره تدريجياً إلى المستهلك.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور أيهم أسد، في حديثه لـ«العين السورية»، أن رفع أسعار حوامل الطاقة يُعد من أخطر السياسات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة خلال العام الحالي، بالنظر إلى انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية.
ويشدد أسد على ضرورة أن تسبق مثل هذه القرارات دراسة دقيقة لنتائجها، وأن تترافق مع إجراءات تحد من آثارها على الاقتصاد والمجتمع.
الصدمة تبدأ من النقل.. ولا تتوقف عنده
بحسب أسد، سيكون النقل من أول القطاعات التي تلمس أثر القرار، لكن التداعيات تصبح أوسع عندما تنتقل الزيادة إلى تكاليف تشغيل القطاعات الأخرى.
فالمزارع يعيد حساب كلفة نقل مستلزماته ومحصوله، والمنشأة الصناعية تواجه تكاليف تشغيل أعلى، فيما تتحمل قطاعات الخدمات مصاريف إضافية. ومع انتقال السلعة أو الخدمة من حلقة إلى أخرى، تتراكم الكلفة وصولاً إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
لكن ثمة طرفاً لا يستطيع ببساطة إعادة حساباته أو نقل الكلفة إلى طرف آخر: المواطن.
بالنسبة إلى الأسرة محدودة الدخل، لا يقابل ارتفاع أسعار السلع والخدمات مصدر دخل جديد، ما يعني أن المشكلة لا تقتصر على دفع فاتورة أعلى، بل تمتد إلى تراجع فعلي في القدرة الشرائية واضطرار الأسر إلى تقليص بعض احتياجاتها أو تأجيلها.
ويحذر أسد من أن هذه التطورات قد تدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع وتزيد الضغط على القوة الشرائية، إلى جانب تأثيرها في قرارات الاستثمار ضمن سوق تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقرار في تكاليف الطاقة.
هل تستطيع الرقابة ضبط الأسعار؟
تزداد المسألة تعقيداً عندما تبدأ آثار ارتفاع الوقود بالظهور في الأسواق.
فالرقابة ضرورية لمنع الاستغلال والمبالغة في رفع الأسعار، لكنها تواجه حدوداً واضحة عندما تكون الزيادة مرتبطة بارتفاع فعلي في تكاليف الإنتاج أو النقل. فلا يمكن مطالبة الناقل أو المنتج بامتصاص كامل الزيادة إلى أجل غير محدد، كما لا يمكن التعامل مع كل ارتفاع في سعر سلعة أو خدمة باعتباره مخالفة تلقائياً.
المشكلة، بهذا المعنى، لا تتعلق بالرقابة وحدها، وإنما بالفجوة بين الكلفة الجديدة وقدرة السوق والمستهلك على استيعابها.
ومن هذه الزاوية، يمكن لحملات ضبط الأسعار أن تحد من المبالغة والاستغلال، لكنها لن تكون كافية بمفردها إذا بقيت العوامل التي تدفع تكاليف الإنتاج والنقل إلى الارتفاع قائمة.
كيف يمكن احتواء أثر القرار؟
تبدأ المعالجة الأكثر فاعلية قبل وصول الصدمة إلى رفوف المتاجر، عبر الحد من انتقال ارتفاع كلفة الطاقة إلى القطاعات المنتجة وفرص العمل، ومراجعة الآثار المترتبة على النقل، بالتوازي مع توفير حماية اجتماعية قادرة على الوصول إلى الفئات التي لم يعد دخلها يحتمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
ويحذر أسد من أن استمرار ارتفاع الأسعار في غياب حماية اجتماعية مستمرة قد يوسع دائرة الفقر ويزيد الضغوط الاجتماعية.
ولا تقتصر تداعيات عدم استقرار تكاليف الطاقة على المستهلك؛ فالمستثمر يحتاج بدوره إلى تقدير كلفة إنتاجه قبل اتخاذ قرار بضخ أمواله. وكلما أصبحت هذه الكلفة أكثر تقلباً وأقل قابلية للتوقع، ازدادت المخاطر التي تدخل في حساباته الاستثمارية.
ما بعد إيرادات القرار
قد يستند رفع أسعار الوقود إلى اعتبارات مالية، لكن تقييم أثر القرار لا يتوقف عند مقدار الإيرادات التي ستجنيها الخزينة، وإنما يمتد إلى ما سيحدث للاقتصاد بعد تحصيلها.
فإذا قادت الزيادة إلى تراجع الإنتاج، وارتفاع الأسعار، وضعف الاستهلاك، وزيادة الضغط على الأسر، فإن جزءاً من المكسب المالي قد يعود إلى الاقتصاد على هيئة كلفة اجتماعية واقتصادية.
أما إذا ترافق القرار مع مسار يخفف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الإنتاج، ويحمي الشرائح الأضعف، ويحافظ على قدرة السوق على الحركة، فقد تصبح الصدمة أكثر قابلية للاحتواء. في النهاية، لا تكشف شاشة الأسعار في محطة الوقود وحدها كلفة القرار.
الكلفة الأوسع ستظهر عندما يبدأ المواطن بإعادة ترتيب قائمة مشترياته، والمنتج بإعادة حساب جدوى عمله.


