سوريا - اقتصاد
رحلة نقدية مريرة... كيف تحول التضخم في سوريا من ظاهرة مؤقتة إلى أزمة بنيوية؟
ا
العين السورية ـ منير الرفاعي
نشر في: ٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

كشفت هيئة التخطيط والإحصاء السورية في تقرير صدر العام الجاري 2026. أن الاقتصاد السوري عاش خلال خمسة عشر عاماً (2010-2025) واحدة من أعنف موجات التضخم في المنطقة.
إذ لم يكن الأمر مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحولاً بنيوياً عميقاً أعاد تشكيل السوق والحياة اليومية للمواطنين.
فقد انتقل الاقتصاد من استقرار نسبي قبل عام 2011 إلى تضخم متسارع متعدد الأبعاد. الدراسة، التي اعتمدت على الرقم القياسي لأسعار المستهلك بأساس 2010، تؤكد أن الغذاء والطاقة والنقل كانت القنوات الرئيسية التي مرت عبرها الصدمات، بينما بقي سعر الصرف «المرساة» الأقوى التي حرّكت الأسعار صعوداً وهبوطاً.
فقد انتقل الاقتصاد من استقرار نسبي قبل عام 2011 إلى تضخم متسارع متعدد الأبعاد. الدراسة، التي اعتمدت على الرقم القياسي لأسعار المستهلك بأساس 2010، تؤكد أن الغذاء والطاقة والنقل كانت القنوات الرئيسية التي مرت عبرها الصدمات، بينما بقي سعر الصرف «المرساة» الأقوى التي حرّكت الأسعار صعوداً وهبوطاً.
جرعة كبرى
في المرحلة الأولى (2010-2011) كان التضخم أقرب إلى الطبيعي. ثم جاءت الجرعة الكبرى في 2012-2013 لترفع الرقم القياسي بأكثر من 150%، مع مساهمة الغذاء بأكثر من نصف الزيادة. وبين 2014 و2016 تحول التضخم إلى «اقتصاد حرب»: انقطاع الطرق، تجزئة الأسواق، ندرة المحروقات، وانهيار متواصل في قيمة الليرة. ارتفع الرقم القياسي بنحو 141% بينما قفز سعر الصرف بأكثر من 246%.
هدوء نسبي
شهدت السنوات 2017-2019 هدوءاً نسبياً هشاً، قبل أن تعود العاصفة بقوة أكبر في 2020-2021. تزامنت صدمة سعر الصرف مع قانون قيصر وجائحة كورونا وأزمة لبنان، فارتفع الرقم القياسي بأكثر من 310%. لم يعد التضخم غذائياً فقط، بل امتد إلى المطاعم والسكن والنقل والخدمات، ليصبح تضخماً معيشياً شاملاً.
أما الفترة 2022-2024 فكانت مرحلة «التضخم المستدام». ارتفع الرقم القياسي بأكثر من 625% من مطلع 2022 إلى نهاية 2024، مع ذروة واضحة في 2023. ساهم الغذاء بنحو 59% والنقل بنحو 24% من الزيادة، وسط زيادات متكررة في الأجور وتعديلات أسعار الطاقة وتداعيات حرب أوكرانيا.
جنوح نحو الاستقرار
وجاء عام 2025 مختلفاً حيث شهد الرقم القياسي انخفاضاً حاداً بنحو 40% بين الربع الأول والرابع، مدفوعاً بتراجع أسعار الغذاء والنقل وتحسن نسبي في سلاسل التوريد. لكن الربع الرابع شهد ارتداداً جزئياً، ما دفع معدي الدراسة إلى وصفه بـ«تصحيح سعري قوي» وليس عودة إلى الاستقرار.
وتخلص الدراسة إلى أن التضخم السوري أصبح بنيوياً: سياسة نقدية أدت إلى خلل في الهيكل الإنتاجي، وارتفاع مستمر في تكاليف التوزيع، واعتماد متزايد على الخارج، وتآكل متواصل في قيمة العملة. الزيادات الاسمية في الرواتب خففت جزئياً من الأثر على الدخول، لكنها لم تستطع حماية القوة الشرائية في غياب استقرار سعر الصرف وتحسن العرض.
أما قراءة سريعة لعام 2026 فتشير إلى ضغوط جديدة ناتجة عن حرب إقليمية رفعت أسعار بعض المواد بنحو 30% بسبب اضطراب الشحن والتأمين، مع استمرار حساسية السوق لتحركات سعر الصرف.
تضخم بنيوي بامتياز
في تصريح خاص لـ«العين السورية»، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي أن وصف التضخم بأنه أصبح «بنيوياً». هو استنتاج دقيق يتجاوز كونه ظاهرة نقدية عابرة.
ويوضح الزعبي أن التضخم لم يعد نتيجة لزيادة السيولة فقط، فقد تآكلت البنية التحتية للإنتاج في الزراعة والصناعة، وتجزأت الأسواق، وانقطعت طرق الإمداد، وارتفعت تكاليف النقل والطاقة بشكل هيكلي، الأمر الذي خلق تضخم تكاليف وتضخم عرض لا يمكن حله بضبط الكتلة النقدية وحدها.
اختلال كفة التجارة
ويضيف الزعبي أن الاقتصاد السوري بات يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد مع ضعف إنتاجي محلي، مما يجعله عرضة لأي صدمة خارجية، سواء أسعار الغذاء العالمية أو تكاليف الشحن أو العقوبات، فتنعكس مباشرة على الأسعار الداخلية. كما أن مجموعات الغذاء والسكن والطاقة والنقل تستحوذ على نحو 72.5% من وزن سلة المستهلك المعتمدة في الدراسة، وهذا التركيز يجعل أي ارتفاع مستمر في هذه القطاعات ينتقل بسرعة إلى مستوى الأسعار العام ويؤثر مباشرة في حياة المواطن اليومية.
أبغض الاحتمالات
ويذهب الخبير إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الأدلة تشير إلى أن الاقتصاد قد يواجه فخ «الركود التضخمي»، وهي حالة يجتمع فيها ضعف النمو مع استمرار الضغوط التضخمية، ما يجعل المعالجة أكثر تعقيداً ويتطلب مزيجاً من السياسات الاقتصادية.
المحرك الأقوى
يؤكد الدكتور عروة الزعبي أن سعر الصرف ما زال المحرك الأساسي والأقوى للتضخم في سوريا، فهو الدافع الذي يحرك الأسعار صعوداً وهبوطاً. ويرى أن السيطرة عليه ممكنة لكنها صعبة ومعقدة، وتتطلب مقاربة متكاملة تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.
أولوية العلاج
ويقول في هذا السياق: «السيطرة النقدية وحدها غير كافية. معالجة التضخم النقدي عبر تقييد السيولة يجب أن تقترن بمعالجة اختلالات الاقتصاد الحقيقي، لأن استمرار انهيار الإنتاج يفاقم الطلب على الدولار ويضغط على الليرة. الحل في زيادة الإنتاج المحلي وتحريك العجلة الاقتصادية، خاصة في القطاع الزراعي والصناعي، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الطلب على القطع الأجنبي».
تصحيح مؤقت لا تحول حقيقي
يميل الزعبي بقوة إلى الرأي القائل إن انخفاض الأسعار خلال 2025 كان تصحيحاً مؤقتاً وليس بداية تحول حقيقي. ويشير إلى أن طبيعة الانخفاض كانت حادة في بعض الفصول ثم تلاها ارتداد جزئي في الربع الأخير، وهو نمط لا يتسق مع استقرار مستدام. ويضيف أن تقارير عام 2026 أكدت عودة الأسعار إلى الارتفاع بقوة نتيجة الحرب على إيران، حيث تراوحت الزيادات في أسعار السلع الأساسية بين 10% و50% في غضون أسابيع من بداية التصعيد. كما أن استمرار تآكل قيمة الرواتب والأجور، حتى مع الزيادات الاسمية، يجعل أي انخفاض في الأسعار سرعان ما يُؤكل بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة الأساسية مثل الطاقة والنقل.
الإجراءات الأكثر إلحاحاً
وبناءً على نتائج الدراسة، يحدد الدكتور عروة الزعبي مجموعة من الإجراءات التي يراها الأكثر إلحاحاً لكسر حلقة التضخم البنيوي. في مقدمتها إعادة تشغيل الإنتاج المحلي ودعمه، من خلال توجيه الجهود للمشروعات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة وتأمين مستلزمات الإنتاج الأساسية، خاصة في الزراعة والصناعات الغذائية والبديلة للمستوردات.
ويرى أن معالجة أزمة الطاقة بشكل جذري أمر لا غنى عنه، إذ لا يمكن حل التضخم دون معالجة اختناقات الطاقة التي تؤثر في تكلفة كل شيء، محذراً من أن رفع الدعم عن المحروقات بشكل متكرر دون توفير بدائل إنتاجية يغذي التضخم بدلاً من معالجته. كما يؤكد ضرورة العمل على استقرار الليرة عبر آليات متعددة، ليس فقط بضخ الدولار، بل من خلال تحسين ميزان المدفوعات وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات، مع تجنب التمويل النقدي لعجز الموازنة واستخدام أدوات مثل سندات الخزينة وسحب السيولة من السوق. ويختم بالتشديد على أهمية مواجهة الاحتكار والسوق السوداء عبر تشديد الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتهريب لضمان وصول السلع بأسعار عادلة.
تكامل الأدوات
تؤكد الدراسة وقراءة الخبير أن مواجهة التضخم تتطلب أكثر من أدوات نقدية. إنها تحتاج مقاربة شاملة تجمع بين استقرار سعر الصرف، ودعم الإنتاج المحلي، وتأمين الطاقة، وخفض تكاليف النقل، وتحسين كفاءة الأسواق. فالتضخم في سوريا لم يعد مجرد رقم في التقارير، بل واقعاً يومياً يعيد رسم خريطة المعيشة، ويستدعي إرادة سياسية واقتصادية متكاملة لكسر دورته البنيوية.


