سوريا - اقتصاد
ديروان يفتح ملف الصناعة السورية: لا حماية بلا منافسة
الصناعة السورية أمام السوق المفتوحة.. ديروان يدعو لخفض كلفة الإنتاج وتعزيز المنافسة
ا
العين السورية
نشر في: ٣ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٧:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
لم تعد حماية الصناعة السورية، وفق رؤية رئيس اتحاد غرف الصناعة مازن ديروان، مرتبطة بإغلاق السوق أمام المنتجات المستوردة، بقدر ما تتطلب خفض كلفة الإنتاج وتمكين المصانع من تطوير منتجاتها ورفع جودتها، بما يسمح لها بالمنافسة محلياً ويفتح أمامها الطريق نحو التصدير.
ويؤكد ديروان، في حديث خاص لـ«العين السورية»، أن المنافسة الخارجية لم تعد تهديداً للصناعة السورية بقدر ما أصبحت اختباراً لقدرتها على البقاء والتطور. فمع اتساع الاستيراد وتراجع القيود على تأمين المواد الأولية، يجد المنتج المحلي نفسه أمام سوق أكثر انفتاحاً، ومستهلك يمتلك خيارات أوسع، وصناعي مطالب بخفض كلفته وتطوير منتجه بدلاً من الاعتماد على الحماية.
ويرى أن المرحلة الجديدة تستدعي تغيير مفهوم «حماية الصناعة» نفسه، معتبراً أن إغلاق السوق أمام المنتجات المستوردة قد يحمي منشآت غير قادرة على المنافسة، لكنه لا يعالج ضعف الإنتاجية أو ارتفاع الكلفة، ولا يخدم المستهلك على المدى الطويل.
من الحماية إلى التمكين
يفرّق ديروان بين حماية الصناعة وتمكينها، مشبهاً الحماية بإعطاء عكاز لشخص غير قادر على المشي، في حين يعني التمكين معالجة أسباب الضعف وتطوير القدرات حتى يصبح المنتج قادراً على المنافسة بنفسه.
ويقول إن الصناعة تحتاج إلى تطوير قدراتها الإنتاجية والإدارية والتسويقية، وليس إلى تحميل المستهلك كلفة ضعفها، مشيراً إلى أن الصناعي الذي يرفض التغيير استناداً إلى خبرة تمتد لعقود قد يجد نفسه خارج السوق إذا لم يواكب تطور المنتجات والتقنيات واحتياجات المستهلك.
ويستشهد ديروان بتجارب شركات عالمية كانت رائدة في مجالاتها، قبل أن تتراجع نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع التحولات، معتبراً أن استمرار الصناعة السورية يرتبط بقدرتها على التعلم والتحديث المستمر.
الاستيراد يرفع سقف المنافسة
وبحسب ديروان، أتاح تراجع القيود على استيراد المواد الأولية والمستلزمات الصناعية للمنتجين الوصول إلى مصادر مختلفة للمواد، بعد سنوات من الإجراءات التي رفعت الكلفة وأبطأت دورة الإنتاج.
ويرى أن الانفتاح لم يوسّع خيارات المستهلك فحسب، بل دفع المصانع السورية أيضاً إلى مراجعة منتجاتها وآلاتها وطرق التغليف والتسويق.
ويشير إلى أن المنافسة أصبحت أكثر وضوحاً في الأسواق، بما في ذلك المنافسة بين المنتجات المحلية نفسها، بالتزامن مع تحسن بعض العلامات السورية وارتفاع الإنفاق على الإعلان والترويج.
ومن وجهة نظره، فإن وجود المنتج المستورد إلى جانب المنتج المحلي يضع الصناعي أمام سؤال مختلف: كيف يمكن تقديم منتج أفضل وبسعر أكثر قدرة على المنافسة، بدلاً من المطالبة بإبعاد المنافس؟
خفض الكلفة قبل الدعم
ولا يرى ديروان أن دعم الصناعة بمفهومه التقليدي يمثل الحل، بل يضع خفض كلفة الإنتاج، بدءاً من المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، في مقدمة الأولويات.
ويدعو إلى إلغاء الرسوم الجمركية على المواد الأولية والمواد نصف المصنعة والمستلزمات التي تدخل مباشرة في العملية الإنتاجية، معتبراً أن تحميل هذه المدخلات رسوماً إضافية يرفع السعر النهائي ويضعف قدرة المنتج السوري على المنافسة، ولا سيما في الأسواق الخارجية.
ويشير إلى أن المنتج المحلي يمتلك في المقابل بعض المزايا مقارنة بالمستورد، من بينها امتلاك الأرض وتجنب تكاليف الشحن والتخليص، لافتاً إلى أن الرسوم والنقل والتخليص يمكن أن تضيف نسبة كبيرة إلى كلفة المنتج المستورد، وهو ما يجعل تحسين كفاءة الإنتاج المحلي وخفض كلفة مدخلاته أكثر أهمية.
«لا تبيع ما تصنع»
ويربط ديروان قدرة الصناعة على الاستمرار بفهم احتياجات السوق، بدلاً من الاكتفاء بإنتاج ما اعتادت المنشأة على تصنيعه.
ويختصر رؤيته بالقول: «أنت لا تبيع ما تصنع، بل تصنع ما تبيع»، في إشارة إلى ضرورة أن يبدأ القرار الصناعي من دراسة احتياجات المستهلك والسوق، ثم تطوير المنتج والتغليف والتسويق بناءً عليها.
ويرى أن بعض المنتجات، ولا سيما الغذائية، تمتلك مقومات قوية للإنتاج المحلي، في حين قد تكون منتجات أخرى أكثر ملاءمة للاستيراد عندما يكون إنتاجها محلياً أعلى كلفة أو أقل جودة.
وبحسب رؤيته، يقوم الاقتصاد المفتوح على إنتاج ما يمكن إنتاجه بكفاءة، واستيراد ما يستطيع الآخرون إنتاجه بصورة أفضل، بدلاً من محاولة إنتاج كل شيء محلياً بمعزل عن اعتبارات الكلفة والجودة.
المنافسة بوابة إلى التصدير
ويضع ديروان التصدير في نهاية سلسلة تبدأ بخفض الكلفة وتحسين الجودة وبناء ثقة المستهلك، وليس بالمطالبة بالحماية.
ويشير إلى أن بناء أسواق خارجية يحتاج إلى سنوات من الالتزام بالمواصفات والجودة، مؤكداً أهمية وجود أنظمة رقابة داخلية صارمة على المنتجات، بحيث تمر جميعها عبر قنوات البيع المخصصة للمستهلكين، بما يعزز الالتزام بمعايير الجودة والسلامة.
وبهذه الرؤية، تدخل الصناعة السورية مرحلة مختلفة، عنوانها سوق أكثر انفتاحاً ومنافسة أشد ومستهلك أكثر قدرة على المقارنة بين المنتجات والأسعار.
وفي المقابل، يرى ديروان أن قدرة المنتج المحلي على خفض تكاليفه وتطوير إنتاجه وجودته وتسويقه ستحدد قدرته على الحفاظ على حصته في السوق المحلية، قبل الانتقال إلى المنافسة في الأسواق الخارجية.
وبذلك، تتحول حماية الصناعة، وفق الطرح الذي يقدمه ديروان، من إبعاد المنافسة عن المنتج المحلي إلى إزالة العوامل التي ترفع كلفته دون ضرورة، وتمكينه من تطوير أدوات الإنتاج والتسويق والجودة، بحيث يستمد قدرته على المنافسة من كفاءته، لا من غياب البدائل أمام المستهلك.


