سوريا - ثقافة
درعا تحتفي بأبي تمام بمهرجان… حين تعود الكلمة إلى جذورها الأولى
د
درعا ـ ليلى حسين
نشر في: ٢٩ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٢٨
3 دقيقة

في مدينةٍ ما زالت تحفظ للشعر هيبته الأولى وتمنح للكلمة معناها الأعمق ، انطلقت في المركز الثقافي بدرعا فعاليات اليوم الأول من مهرجان أبي تمام في نسخته الأولى لتتحول القاعة إلى مساحة يلتقي فيها الأدب بالتاريخ والهوية بالذاكرة والقصيدة بالانتماء.
ومنذ اللحظة الأولى بدا المشهد وكأنه احتفاء جماعي بالكلمة لا باعتبارها نصاً يُلقى بل باعتبارها فعلاً ثقافياً يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومكانه. وقد سبق الافتتاح معرض تشكيلي قدم لوحات تنوّعت بين المدارس والأساليب وكأنها تمهيد بصري لرحلة أدبية ستتسع لاحقاً لتشمل الشعر والفكر والإنشاد.
ثم بدأ الحفل الرسمي بعرض فيديو تعريفي عن سيرة الشاعر أبي تمام الذي خرج من حوران ليعيد تعريف القصيدة العربية عبر عرضٍ تعريفي أعاد تقديمه بوصفه رمزاً للتجديد وواحداً من أبرز أعمدة الشعر العربي في تحولاته الكبرى.
في الكلمات الرسمية حضرت درعا بعمق ثقافي، فقد شدد نائب محافظ درعا مهند الجهماني على أن أبا تمام لم يكن مجرد شاعر بل علامة فارقة تجاوزت حدود الزمان والمكان وأن اجتماع هذه القامات الأدبية اليوم من سوريا والعالم العربي يشكل جسراً ثقافياً يمتد من حوران إلى فضاءات عربية أوسع.
وأكد أن الكلمة في زمن التحولات تبقى القوة الناعمة الأصدق في مواجهة التشويه وأن الهوية لا تُصان إلا بالوعي والمعرفة والتمسك بالجذور.
ومن هذا السياق جاءت كلمة نائب وزير الثقافة سعد نعسان لتمنح المكان بعداً وجدانياً آخر حين استحضر درعا بصوتٍ شعري يزاوج بين الذاكرة والانتماء، مؤكداً أن الثقافة ليست فعلاً احتفالياً عابراً بل مشروعاً لبناء الإنسان وصون المعنى.
وقد اختتم كلمته بأبيات حملت درعا وحوران في صورةٍ شعرية تستعيد العلاقة بين الأرض واللغة والهوية.
أما في عمق الفعل الفكري فقد قدم الدكتور أدهم شرقاوي محاضرة امتدت بين الفكرة والرمز بدأها من الإنسان باعتباره نقطة البداية لأي نهضة حيث لا تقاس الأمم بما تبنيه من حجارة بل بما تبنيه من وعي. واستعرض الشرقاوي عبر قصة رمزية عن الأم ودورها في صناعة الإنسان ثم انتقل إلى مثال تاريخي من الصين ، حيث حاولت الإمبراطورية مواجهة الغزو ببناء سور عظيم ليخلص في النهاية إلى أن الجدران مهما علت لا تحمي ما لم يكن الإنسان ذاته هو الحصن الأول.
وقال في تصريح خاص لـ"العين السورية" إن المجتمعات لا تتقدم إلا حين يبنى الإنسان فكرياً وثقافياً وأن الأدب ليس ترفاً لغوياً بل جزء أصيل من منظومة الوعي التي تشكل هوية الشعوب ومسارها.
وفي الجانب الفني أضفى المنشد ضياء الشريف بعداً روحياً على الأمسية من خلال أناشيد في مدح النبي محمد ﷺ، أعادت للقاعة هدوءها الوجداني وفتحت مساحة من الصفاء بين الشعر والإنشاد.
ثم جاءت مشاركة الشاب إبراهيم فارس الحلقي من جاسم مسقط رأس أبي تمام لتعيد ربط الحاضر بالجذر التاريخي للشاعر الكبير حيث قدم نصوصاً شعرية استلهم فيها روح التجديد الأبيامي وسط تفاعل من الحضور مع محاولته إحياء ملامح القصيدة الكلاسيكية بروح معاصرة.
والذي قال إن مهرجان أبي تمام يمثل وفاءً لقامة شعرية عربية كبيرة ارتبط اسمها بحوران ومدينة جاسم في محافظة درعا، مؤكداً أهمية إحياء هذا الإرث الأدبي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بما يعزز الهوية الثقافية والانتماء الأدبي.
كما أشار الشاعر أنس دغيم إلى أن إقامة المهرجان في درعا وحوران تمثل تكريماً للشاعر أبي تمام وإحياءً لدوره في تطوير الشعر العربي وإبراز مكانته كأحد أبرز رموز التجديد في التاريخ العربي، مؤكداً أن استعادة هذا الإرث في موطنه يمنح الفعل الثقافي بعده الحقيقي ويعيد ربط الحاضر بجذوره الأولى.
واختُتمت الأمسية بمشاركات شعرية متعددة لشعراء من سوريا والعالم العربي من بينهم الشاعر أوس عدنان من الأردن في نصوص تنوعت بين الوطني والوجداني والإنساني، لتؤكد أن المشهد الشعري ما يزال قادراً على إنتاج صوته رغم كل التحولات. كما قدم الشاعر محمد سعيد المجاريش قصيدة نبطية استحضرت درعا بوصفها أرض الكرامة والأصالة، مؤكداً أن قيمة المكان لا تُقاس بموارده بل بما يصنعه أهله من صبرٍ وثباتٍ وانتماء وأن المدن تُبنى بالإنسان قبل الحجر، وبالذاكرة قبل الجغرافيا.
هكذا لم يكن مهرجان أبي تمام في يومه الأول مجرد فعالية ثقافية بل مشهداً يعيد ترتيب العلاقة بين المكان والكلمة وبين التراث والحاضر وبين الذاكرة والإبداع في محاولة لاستعادة الشعر بوصفه فعلاً حياً قادراً على إعادة تشكيل الوعي وصناعة المعنى.


