سوريا - محليات
حين يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة وتصفية حسابات .. من يحمي السوري من السوري على الانترنت؟
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٨ يونيو ٢٠٢٦، ١٤:١٤
3 دقيقة
15

يكفي أن تفتح أي نقاش عام على وسائل التواصل الاجتماعي لتلاحظ مشهداً يتكرر يومياً: اختلاف في الرأي يتحول بسرعة إلى اتهامات وتخوين، وتتصاعد حدّة التعليقات إلى درجة تُخرج الحوار عن مساره الطبيعي. خلال وقت قصير، يجد الأفراد أنفسهم في مواجهة مفتوحة لا تشبه فكرة النقاش التي يفترض أن تقوم عليها هذه المنصات.
هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من الواقع الرقمي اليومي، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام ممارسة طبيعية لحرية التعبير، أم أمام حالة تجاوزت حدودها وأثّرت على طبيعة العلاقة بين الناس؟
الإجابة لا تتعلق بسلوك الأفراد فقط، بل ترتبط بغياب حدود واضحة تنظم هذا الفضاء، وتحدد التوازن المطلوب بين حرية التعبير ومسؤولية استخدامها، وهو الدور الذي يفترض أن يؤديه القانون في حماية الناس والحوار معاً.
في الحالة السورية… التوتر ليس تفصيلاً رقمياً
في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى هذا النمط من التفاعل بوصفه مجرد سلوك رقمي عابر، بل هو امتداد لواقع اجتماعي معقّد تشكّل على مدى سنوات من الضغط وفقدان الثقة، في سياق لعب فيه النظام الساقط دوراً أساسياً في ترسيخ خطاب الكراهية ضمن نهج اعتمد على تعميق الانقسامات ذات الأبعاد الطائفية والمجتمعية والمناطقية والطبقية. وقد أفضى ذلك إلى إنتاج بيئة مشحونة يسهل فيها تصعيد أي خلاف، مهما بدا صغيراً، وتترافق معه سريعاً مظاهر التخوين والشتيمة، التي باتت تُمارس وكأنها جزء طبيعي من التفاعل.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على طريقة تواصل الأفراد، حيث بات الفضاء الرقمي مساحة تُستعاد فيها هذه التوترات وتُعاد صياغتها في شكل تفاعلات يومية. لذلك، لا يبقى الاختلاف ضمن حدوده الطبيعية في كثير من الأحيان، بل يتحول بسرعة إلى مواجهة، حيث يُفسَّر الرأي على أنه موقف عدائي، ويخرج النقاش من إطار الفكرة إلى الشخص نفسه.
هذه الحالة لا تعني غياب الرغبة في الحوار، بقدر ما تعكس بيئة حساسة يسهل فيها تضخيم أي خلاف. وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح الفضاء الرقمي مساحة لإعادة إنتاج التوتر بدلاً من تخفيفه، في مجتمع يحتاج إلى إعادة بناء الثقة أكثر من أي وقت مضى.
عندما تتحول الحرية إلى اعتداء
في أي نقاش طبيعي، تُفهم حرية التعبير على أنها حق في طرح الرأي، لا في التعرض للآخرين. لكن الإشكالية تظهر عندما تختلط هذه المساحة بحدود المسؤولية، فتُستخدم كغطاء لتوجيه إساءات أو إطلاق اتهامات تمس بسمعة الأفراد دون أساس.
الفارق هنا ليس نظرياً، بل عملي وواضح: بين قول “أنت مخطئ” وقول “أنت خائن” مسافة قانونية، لأن الأولى تبقى ضمن إطار الرأي، فيما تتحول الثانية إلى اعتداء شخصي يستوجب المساءلة.
ضبط هذا الحدّ لا يقيّد النقاش، بل يحميه، لأنه يضمن بقاء الاختلاف ضمن حدوده الطبيعية، ويمنع تحوّله إلى وسيلة للإساءة أو التشهير، خاصة في بيئة اعتادت على التداخل بين الرأي الشخصي والاتهام، نتيجة سنوات من غياب الضوابط الواضحة.
القانون بعيد عن غايته..
في عام 2022، أصدر النظام السابق قانون الجريمة المعلوماتية رقم 20، في سياق قُدّم بوصفه يهدف إلى تنظيم الفضاء الرقمي وحماية المواطنين من جرائم مثل التشهير وانتهاك الخصوصية، إلا أن بنيته وتطبيقه أظهرا توجهاً نحو توسيع نطاق التجريم، ليشمل ملاحقة التعبير المعارض ضمن حدوده.
وقد جاءت صياغته متعارضةً مع مبدأ الشرعية المنصوص عليه في المادة الأولى من قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949، والذي يُفضي إلى أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صريح وواضح. وهو تناقض يكشف نهجاً تشريعياً ممنهجاً، إذ لم يكن النظام السابق يسعى إلى بناء منظومة قانونية متسقة تقوم على مبادئ راسخة، بل إلى إنتاج نصوص ذات واجهة تنظيمية تتماشى مع التطورات المفروضة عليه، تُوظَّف في العمق كأداة لتوسيع القبضة الأمنية، وقدرتها على الاعتقالات العشوائية بتهم متعددة تفيد اعتقال كل المعارضين لنظام الأسد الفار، بصرف النظر عن انسجامها مع التشريعات القائمة أو تعارضها معها. ولذلك أتاحت صياغاته العامة هامشاً واسعاً للتفسير، ما يفتح المجال لتطبيقات تتجاوز الهدف التنظيمي المعلن.
فعلياً، استُخدمت هذه الصياغات المطاطة بوصفها أداةً قانونية لملاحقة كل صوت معارض، وإحكام القبضة الأمنية على حياة السوريين، في مؤشر على أن القانون ابتعد في تطبيقه عن دوره كتشريع يهدف إلى حماية الحقوق، واتجه نحو تكريس قيود على حرية التعبير تحت غطاء قانوني. وتبقى آثاره حاضرةً حتى اليوم في الأحكام الغيابية التي لم تُراجَع بعد.
وهذا ما يدفعنا للتساؤل: كيف تعاملت التشريعات الأخرى مع تنظيم الفضاء الرقمي بما يحمي الأفراد فعلياً، دون أن يتحوّل التشريع إلى أداة قمع بيد السلطة؟
ماذا تُظهر بعض التجارب المقارنة؟
تشير تجارب في تنظيم الفضاء الرقمي إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب القوانين، بل في كيفية صياغتها وتطبيقها. فكلما كانت التعريفات أوضح، كانت القدرة على ضبط التجاوزات أعلى، دون التأثير على النقاش المشروع.
وفي المقابل، تظهر التجارب أن الصياغات العامة أو غير الدقيقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يفقد القانون قدرته على ضبط الفوضى بشكل فعّال، أو يتحول إلى مصدر غموض لدى المستخدمين بدلاً من أن يكون مرجعاً واضحاً لهم.
وفي السنوات الأخيرة، برز اتجاه أكثر فعالية يقوم على توسيع نطاق المسؤولية ليشمل المنصات الرقمية نفسها، وليس المستخدمين فقط. فقد تم اعتماد مقاربات تُلزم هذه المنصات باتخاذ إجراءات واضحة تجاه المحتوى المخالف، ما ساهم في الحد من انتشاره دون التدخل المباشر في طبيعة الآراء.
يعكس هذا التوجه فهماً متقدماً لطبيعة الفضاء الرقمي بوصفه منظومة مشتركة، تتوزع فيها المسؤولية بين القانون والمنصات والمستخدمين، وهو ما يتيح ضبطاً أكثر توازناً وفعالية.
ما الذي يحتاجه تنظيم الفضاء الرقمي السوري اليوم؟
إن التعامل مع هذه الظواهر بوصفها مجرد خلل في التفاعل الرقمي يتجاهل جذورها الأعمق، المرتبطة بسياق الحرب، وما رافقها من استبداد مارسه النظام الساقط، والذي قام على إدارة المجال العام عبر القمع والضبط الأمني بدلاً من الحماية والتنظيم. ومن دون الاعتراف بهذه الخلفية، سيبقى أي تحديث قانوني أو تنظيمي قاصراً عن معالجة المشكلة بشكل فعلي.
في ظل هذا الواقع، لا تبدو الحاجة إلى مزيد من النصوص بقدر ما هي حاجة إلى وضوح أكبر في المقاربة. فتنظيم الفضاء الرقمي لا يقوم على التوسّع في التشريع، بقدر ما يعتمد على عناصر محددة وقابلة للتطبيق:
أولاً، تعريفات دقيقة تضع حداً واضحاً بين النقد والإساءة، وتمنع الالتباس في تفسير النصوص.
ثانياً، تطبيق متوازن يضمن محاسبة التجاوزات دون توسيع نطاق المساءلة على حساب التعبير المشروع.
ثالثاً، توزيع المسؤولية بحيث لا تُلقى بالكامل على الأفراد، بل تمتد لتشمل المنصات الرقمية باعتبارها طرفاً مؤثراً في انتشار المحتوى.
هذه العناصر لا تهدف إلى تقييد النقاش، بل إلى ضبطه ضمن إطار واضح، يحدّ من التجاوز ويمنح المستخدمين مرجعية مفهومة، بعيداً عن الصيغ التي تفتح الباب للتأويل أو الاستخدام كأداة للضغط.
في النهاية، لم يعد تنظيم الفضاء الرقمي خياراً يمكن تأجيله، بل ضرورة يفرضها الواقع نفسه. فغياب الحدود الواضحة يترك المجال مفتوحاً للتجاوز، وغياب الوعي يمنع أي قانون من تحقيق أثره الحقيقي. لذلك، فإن بناء هذا التوازن، بين نص واضح ووعي مجتمعي يواكبه، لم يعد ترفاً أو فكرة للنقاش، بل شرطاً أساسياً لعبور هذه المرحلة الحساسة من عمر بناء الدولة التي تسعى لإقامة السلم الأهلي، وإعادة ضبط علاقة الناس ببعضهم في هذا الفضاء.


