سوريا - محليات
جريمة حزمت حقائبها والتقطت عنوانها.. كيف وصل صدى الحدث السوري إلى لاهاي؟
حين يلحق القانون بما عرفه الضمير قراءة في السابقة الهولندية ودلالتها السورية
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ١٧ يونيو ٢٠٢٦، ١٠:٥٥
3 دقيقة

القانون لا يسبق الإنسان. يتبعه. وُجد ليحميه، لكنه لا يعرف ما يحميه منه إلا حين يتطور وعي الإنسان ذاته ويُسمّي ما كان يتحمّله صامتاً باعتباره قدراً. عندها فقط يلحق القانون به، يستوعب ما استوعبه الضمير الإنساني قبله، ويُترجمه إلى نص قابل للإلزام.
هذا المنطق، لا غيره، هو ما يفسّر رحلة القانون الجنائي الدولي. قرنان بعد "كانط" احتاجهما العالم ليُترجم مبدأ 'الإنسان غاية لا وسيلة' من فلسفة إلى ميثاق، ومن ميثاق إلى محاكم. وحين وُلدت "الجريمة ضد الإنسانية" في نورمبرغ عام 1945، جاءت بداية واعدة لكنها غير مكتملة: الميثاق التأسيسي لم يذكر الاغتصاب ولا العنف الجنسي بالاسم، وظلت الملاحقة القضائية الفعلية بعيدة عن هذا الباب تماماً. صحيح أن نصوصاً لاحقة أشارت إليه، غير أنها بقيت حبراً لم يتحول إلى إدانات. لم يكن ذلك مصادفةً، كان مرآةً لما بلغه الوعي الجمعي حينها: الجسد المنتهَك في الحرب لم يكن يستأهل بعدُ تسمية قانونية مستقلة.
في حزيران 2026، دفعت قضية سورية ذلك الباب حتى فُتح. حين صنّفت محكمة لاهاي للمرة الأولى في تاريخ القضاء الهولندي أشكالاً من الإذلال الجنسي الممنهج جريمةً ضد الإنسانية، لم تكن تُضيف بنداً إلى قائمة. كانت تُقرّ بأن وعي الإنسان بكرامته قد تقدّم خطوة أخرى، والقانون، كما اعتاد.. لحق بالوعي الإنساني.
ليس في العقوبة... بل في التصنيف
لم يكن الحكم الذي أصدرته محكمة لاهاي استثنائياً في عقوبته. ستة وعشرون عاماً ليست الأطول في سجل محاكمات جرائم الحرب، ولا المتهم الأول من منتسبي الدفاع الوطني السوري يمثل أمام قضاء أجنبي. الاستثنائي كان في شيء آخر، أشد هدوءاً وأبعد أثراً: أن المحكمة وصفت ما جرى للضحايا السوريين داخل مراكز الاحتجاز التي أدارتها ميليشيا الدفاع الوطني الموالية للنظام السابق، من تعرٍّ قسري وإذلال جنسي ممنهج، بوصفه جريمةً ضد الإنسانية، لا انتهاكاً فردياً معزولاً. وهو ما لم تسبق لمحكمة هولندية أن أقرّت به.
الفارق بين التوصيفين لا يُقاس بسنوات العقوبة. يُقاس بالمكان الذي تجد فيه الضحية نفسها في المشهد القانوني: شاهدةً على انتهاك، أم ناجيةً من جريمة في مواجهة البشرية جمعاء.
الجريمة بدأت قبل أن تبدأ...
ثمة سؤال يبدو بسيطاً لكنه جوهري: ما الفرق بين أن يُضرب إنسان وأن يُجرَّد من ملابسه قسراً أمام الآخرين؟
الجواب القانوني التقليدي كان يقول: الأول إيذاء جسدي موثق، والثاني إهانة يصعب قياسها. لكن هذه الإجابة أغفلت ما هو أعمق من القياس، أن الإذلال الجنسي الممنهج لا يستهدف الجسد بالمعنى المادي، بل يستهدف ما هو أعمق: الحق في أن يكون الجسد ملكاً لصاحبه لا أداةً بيد جلاده. وهذا بالضبط ما يجعله جريمةً مستقلة في الفقه الجنائي الدولي، لا ذيلاً في ملف التعذيب.
الإنسان لا يختار انتماءاته حين يولد، لا جنسه، ولا هويته ولا حتى دينه. وحين يُستخدم أيٌّ من هذه في ذريعةً للإهانة أو الانتهاك، فالجريمة ليست في الفعل المادي وحده، بل في القرار السابق له: القرار بأن هذا الإنسان يستحق أن يُهان. وهذا القرار، بحد ذاته، هو ما بدأ القانون الدولي يُسمّيه أخيراً باسمه الصحيح.
ما وثّقته المحكمة في مراكز الاحتجاز التي أدارها النظام السابق بميليشياته قرب سلمية بين 2013 و2014 لم يكن استجواباً خرج عن السيطرة. كان تطبيقاً لمنطق يرى في الضحية ما يستوجب الكسر لا الاستجواب. والفارق بين الاثنين لا يقيسه طول الجلسة ولا شدة الألم، يقيسه السؤال الذي يحمله المحقق حين يدخل الغرفة: هل أمامه إنسان، أم شيء؟
حين قالت محكمة لاهاي إن ما جرى جريمةٌ ضد الإنسانية، لم تُصدر حكماً على أفعال فحسب. أصدرت حكماً على ذلك القرار.
حين لحق القانون بما أدركه الضمير
لم يأتِ حكم لاهاي من فراغ. جاء في نهاية مسار بدأ حين رفضت النساء في يوغوسلافيا ورواندا في التسعينيات أن يُصنَّف ما جرى لهن "ظرفاً من ظروف الحرب." وقفن أمام محاكم دولية وأدلين بشهاداتهن، فأقرّ القضاء الدولي لأول مرة بأن الاغتصاب في سياق النزاع المسلح جريمةٌ ضد الإنسانية لا انتهاكٌ هامشي. ثم جاء نظام روما الأساسي عام 1998 ليُقنّن ذلك في مادته السابعة، تاركاً عبارةً مفتوحة لم تكن مصادفة: "أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي ذي الخطورة المماثلة."
تلك العبارة المفتوحة انتظرت ثمانية وعشرين عاماً لتُطبَّق في قاعة محكمة هولندية، على قضية سورية. استندت المحكمة في اختصاصها إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يُجيز ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية بصرف النظر عن مكان ارتكابها. وحين أدانت المتهم بتسع عشرة جريمة من أصل خمس وعشرين، مُبرِّئةً إياه من تهم الضحية التاسعة لعدم كفاية الأدلة، كانت تقول شيئاً مزدوجاً: إنها تُدين بالدليل لا بالهوى، وإن انتهاك كرامة الجسد بالإكراه والإذلال والتعري القسري، حين يكون ممنهجاً في سياق هجوم على المدنيين، يساوي في خطورته القانونية جرائم الحرب الكبرى.
لم تكن المحكمة تُوسّع تعريف الجريمة. كانت تُضيّق الفجوة بين ما عرفته الضحايا في أجسادهن، وما اعترف به القانون أخيراً.
حين تسبق لاهاي دمشق
لا تحتاج العدالة دائماً أن تنطلق من عاصمة البلد الذي شهد الجريمة. أحياناً تجد طريقها من بعيد، عبر ناجٍ قرر أن يتكلم، ومحامٍ حقوقي حمل ملفه عبر قارات. هذا ما حدث حين وصلت شهادات ضحايا من سلمية إلى قاعة محكمة في لاهاي، لا عبر آلية رسمية، بل عبر إرادة إنسانية رفضت الصمت.
لكن ما وصل إلى لاهاي لم يصل بسرعة ولا بسهولة. استغرق الأمر أكثر من عقد من التوثيق الصبور، وسنتين من إجراءات قضائية دقيقة، قبل أن يصدر حكم واحد في قضية واحدة. وهذا ليس استثناءً، بل قاعدة في مسارات العدالة الانتقالية في كل تجارب المجتمعات التي مرّت بما مرّت به سوريا. في جنوب أفريقيا أخذت لجان الحقيقة والمصالحة أكثر من عقد. في رواندا استمرت محاكم Gacaca غاتشاتشا الشعبية المنظّمة عشر سنوات كاملة. وفي ألمانيا، صدر آخر حكم بحق مجرم حرب نازي عام 2021، أي بعد ستة وسبعين عاماً من نهاية الحرب.
هذه ليست أرقاماً للتثبيط، بل لتحديد الطبيعة الحقيقية لما تعنيه العدالة الانتقالية. إنها مسار قانوني معقد يشتغل بمنطق الدليل والإجراء والمعيار، لا بمنطق المزاج الشعبي والرغبة في الانتقام. وما يُسمّى انتقاماً أو عدالة فورية خارج هذا المسار لا يُكمله، بل يعرقله، لأنه يُشوّه الدليل ويُضعف الثقة في مؤسسات الدولة القانونية التي تحتاجها العدالة الحقيقية أساساً لها.
ما يقوله حكم لاهاي لأي منظومة تشريعية تسعى لبناء عدالة انتقالية حقيقية هو أن التوثيق لا يضيع، بل يتحول إلى دليل. وأن المعيار الذي رسّخه القانون الدولي واضح: العنف الجنسي في سياق النزاع جريمةٌ مستقلة ذات تصنيف خاص، لا تندرج تحت بند التعذيب العام ولا تُحسم بالتعويض المادي وحده.
هذا المعيار لا يملكه طرف دون آخر، ولا يُمنح بالإعلان عنه، يُكتسب بالتشريع والتطبيق والمساءلة الفعلية. والضحية السورية التي أدلت بشهادتها من وراء ستار الحماية في لاهاي لا تسأل عمّن يحكم، تسأل متى يصل هذا المعيار إلى أرضها.
حكم لاهاي لا يحتاج تعليقاً .... يحتاج قراءة
ما أثبتته المحكمة ليس فقط أن رجلاً ارتكب جرائم. أثبتت أن ميليشيا بناها وسلحها النظام السابق، ووظّفها لقمع معارضيه، اعتمدت العنف الجنسي أداةً ممنهجة في الاستجواب، مع علم مسبق بأن الوصمة الاجتماعية ستُكمل ما بدأه الجلاد خارج أسوار المعتقل. هذا ليس انفلاتاً فردياً في زمن الفوضى. هذه سياسة. والفارق القانوني بين الاثنين ليس في شدة الفعل، بل في المسؤولية التي تترتب عليه.
الفقه الجنائي الدولي أخذ عقوداً ليُقرّ بأن انتهاك كرامة الجسد جريمة مستقلة لا ذيل في ملف التعذيب. وأخذ شهادات نساء رفضن الصمت كي يتحرك. الصمت لم يكن ضعفاً، كان ثمن الوصمة التي صنعها المجتمع وسلّحها النظام.
وتؤكد المعطيات الأولية، أن الدولة السورية عازمة على إرساء تشريعات وإجراءات دقيقة من شأنها إتاحة التهيئة التدريجية لإعادة التوازن إلى البيئة القانونية التي تمنع حصول الانتهاكات التي طالما عانت منها البلاد.
وهذا ما أشار إليه أعضاء مجلس الشعب الجدد، الذين أكدوا أن أولى مهام المؤسسة التشريعية بقوامها الجديد، ستكون صياغة قوانين جديدة في سوريا تحمى كل المواطنين من تكرار ماحدث سابقاً من جرائم وانتهاكات، وصل صداها من سوريا إلى كل العالم، وفي لاهاي كان الحدث الذي أحيا روح القانون الإنساني وحول فقهه إلى ممارسة.


