سوريا - اقتصاد
جدوى أكثر وتكلفة أقل وبيئة متوازنة.. فلاحو القامشلي يناورون على تكاليف الإنتاج الزراعي
ا
العين السورية - الحسكة – مجد السالم
نشر في: ١٤ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:١٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في ظل التحديات الزراعية وارتفاع أسعار الأسمدة الكيميائية، برزت في مدينة القامشلي تجربة محلية ناجحة لتحويل روث الحيوانات إلى سماد عضوي (كمبوست)، ما ساهم في تحسين التربة والتخفيف من التلوث البيئي وتوفير مصدر دخل إضافي للمزارعين ومربي الماشية.
دعم وجدوى عالية
يقول المهندس الزراعي رامي الشيخ، الخبير في صناعة السماد العضوي من القامشلي لـ "العين السورية": إن الفكرة جاءت من ملاحظة الكميات الكبيرة من روث الأبقار والأغنام والخراف التي كانت تُرمى بشكل عشوائي وتتراكم في أطراف المدينة الشرقية.
"الروث ليس نفاية كما يعتقد البعض، بل مادة خام غنية يمكن تحويلها إلى سماد عضوي عالي الجودة، نقوم بخلطه مع بقايا نباتية وتقليبه بشكل دوري حتى يتحلل بالكامل خلال عدة أسابيع."
ويضيف أن السماد الناتج يساعد على تحسين بنية التربة وزيادة احتفاظها بالمياه وتنشيط الكائنات الحية الدقيقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي.
فوائد بيئية متعددة
يؤكد المهندس الشيخ، أن هذه التجربة لم تحقق فوائد زراعية فحسب، بل أسهمت في معالجة واحدة من أبرز المشكلات البيئية التي كانت تؤرق سكان الأحياء الشرقية في مدينة القامشلي فمنذ سنوات طويلة كانت عشرات الأطنان من روث الأبقار والأغنام تتراكم في أطراف تلك الأحياء، خصوصاً حي جمعاية الذي يشتهر بتربية الخراف بقصد تسمينها وبيعها، ما تسبب بانبعاث روائح كريهة وانتشار الحشرات وشكاوى متكررة من السكان، لأن مربي الماشية لم يكونوا يملكون وسيلة آمنة للتخلص من هذه المخلفات.
اليوم تغيّر الواقع بالكامل، إذ أصبح روث الحيوانات مادة أولية ذات قيمة اقتصادية، ويتم استهلاك كامل الكميات المنتجة في صناعة السماد العضوي بدلاً من رميها عشوائياً.
مضيفاً أنهم حولوا مشكلة بيئية مزمنة إلى مورد يدعم الزراعة ويحافظ على نظافة المدينة، وهو نموذج يمكن تطبيقه في مناطق أخرى تعاني من المشكلة نفسها.
4 أشهر و80 دولاراً
يوضح الخبير الشيخ لـ" العين السورية" إن إنتاج الكمبوست (السماد العضوي) ليس عملية سريعة، بل يحتاج إلى نحو أربعة أشهر من العمل المتواصل، تتخللها مراحل فنية دقيقة تشمل تقليب كومات الروث بشكل دوري، وضبط نسبة الرطوبة والتهوية لضمان اكتمال عملية التحلل الحيوي، وصولاً إلى سماد عضوي عالي الجودة.
مشيراً إلى أنهم يشترون روث الحيوانات بسعر يقارب 50 دولاراً أمريكياً لكل 10 أمتار مكعبة، وهي كمية تنتج بعد المعالجة نحو طنين من السماد العضوي. ويُعبأ المنتج النهائي في أكياس زنة 50 كيلوغراماً، تُباع بسعر أربعة دولارات للكيس، أي ما يعادل نحو 80 دولاراً أمريكياً للطن، ما يجعل المشروع نموذجاً يجمع بين الإدارة المستدامة للمخلفات وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة للمزارعين.
إنتاج أفضل وتكاليف أقل
يخبرنا المزارع إبراهيم العيد من ريف تل حميس جنوب القامشلي في حديثه لـل "العين السورية" إنه كان يعتمد سابقاً على الأسمدة الكيميائية المكلفة، قبل أن يجرب السماد العضوي المنتج محلياً.
ويقول: "لاحظت فرقًا واضحًا في التربة والمحصول، الأرض أصبحت أكثر خصوبة، والنباتات أكثر قوة، كما انخفضت مصاريف التسميد بشكل كبير."
مبيناً إن السماد لعضوي ساعده أيضًا على تقليل استهلاك المياه بفضل قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة لفترة أطول.
ومن خلال جولة "العين السورية" لمقارنة الأسعار بين السماد العضوي والكيميائي على محال بيع الأسمدة والصيدليات لزراعية في المنطقة، تبين أن سعر طن السماد الكيميائي نحو 600 دولار، في حين سعر طن السماد العضوي 80 دولار.
وإلى جانب مزارعي القمح والشعير وغيرها من المحصول يعتمد أصحاب المشاتل الزراعية والبيوت البلاستيكية لزراعة الخضار بشكل أساسي على الأسمدة العضوية.
نظافة ودخل إضافي
يقول علي الحسين تاجر خراف وصاحب خانات تربية من حي جمعاية وغيره من المربين الذين التقت بهم "العين لسورية": إن تراكم روث الحيوانات كان يشكل لسنوات تحديًا لهم بسبب انبعاث الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات وإن نقله كان مكلفاً.
مضيفاً إن فكرة تحويله إلى سماد عضوي (كمبوست) غيّر هذا الواقع، إذ أصبح الروث يُجمع بصورة منتظمة ويُنقل لإعادة تدويره بدلاً من التخلص منه بطرق عشوائية.
ويرى علي إن هذا ساعد في تحسين الواقع البيئي داخل الحي، وخففت من معاناة مربي الماشية، كما وفرت لهم مصدر دخل إضافي من خلال بيع الروث.
فوائد مثبتة عالمياً
يجمع خبراء الزراعة على أن الكومبوست أو "الفيرمي كمبوست" هو سماد عضوي عالي الجودة يُنتج من خلال عملية تحلل المواد العضوية (مخلفات المطبخ والحديقة) بواسطة أنواع معينة من الديدان، مثل الديدان الحمراء، بالتعاون مع الكائنات الحية الدقيقة . يُعرف أيضًا باسم "الدبال الدودي" أو "مخلفات الديدان" .
تتميز هذه العملية بأنها هوائية ولا تصل إلى درجات حرارة عالية، على عكس التسميد التقليدي . تمر المخلفات عبر جهاز هضم الدودة لتتحول إلى حبيبات غنية بالعناصر الغذائية، والإنزيمات، والهرمونات النباتية، والميكروبات المفيدة التي تساعد النباتات على امتصاصها بسهولة .
يُحسّن الفيرمي كمبوست بنية التربة، ويزيد من قدرتها على الاحتفاظ بالماء، ويعزز نمو النباتات ومقاومتها للإجهاد، كما يساهم في تحقيق الاستدامة الزراعية عن طريق تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية وإعادة تدوير النفايات .


