سوريا - اقتصاد
رهانات اقتصادية وتحديات لوجستية .. مشهد إستراتيجي جديد للطرق الدولية في سوريا
ه
هبة الكل
نشر في: ١٤ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:١٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أثارت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية الجدل بعد إعلانها عن خطة لتنفيذ خمسة من أكبر مشاريع تأهيل الطرق الدولية في سوريا، ضمن برنامج يستهدف إعادة ربط المحافظات وتنشيط حركة النقل والتبادل التجاري، حيث تقوم المشاريع على الربط الطرقي من معبر نصيب على الحدود الأردنية وصولاً إلى دير الزور شرق البلاد، وفق جدول زمني محدد لكل مشروع.
اللافت في تصريحات المدير العام لمؤسسة المواصلات الطرقية أن الكلفة الإجمالية لمشاريع الربط الطرقي لم تُحدد بعد، ولم يُعلن عن الجهات المنفذة، كونها لا تزال في مرحلة استدراج العروض، لتتقدم الشركات بعروضها الفنية والمالية قبل اختيار الجهة المنفذة، ما أثار العديد من التساؤلات حول جدية هذه المشاريع وإمكانية تنفيذها.
مخطط على ورق
ورغم تحديد المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية مدد التنفيذ المتوقعة لكل مشروع، فإن الجهات المنفذة لم تُحدد بعد، ما يجعل الجداول الزمنية المعلنة قابلة للتغيير تبعاً لنتائج التعاقد والتمويل.
وفي حديث مع " العين السورية"، يعتقد الباحث الاقتصادي عبد العظيم مغربل، أن حجم الطرق والمدد الطويلة، وطبيعة التمويل غير المعلنة، تشير إلى أن الحكومة قد تتجه إلى صيغة مختلطة، وهي إشراف حكومي وتمويل أو تنفيذ عبر شركات خاصة أو عقود شراكة، كون الدولة لا تملك وحدها القدرة المالية والفنية لتنفيذ كل هذه المحاور دفعة واحدة، وعليه قد يقتصر دور المؤسسات العامة على الإشراف وإعداد الدراسات وبعض الأعمال التنفيذية المحدودة، بينما سيحتاج التنفيذ الفعلي إلى مقاولين محليين أو أجانب، تبعاً لطبيعة التمويل المتاح.
خطوات لا بدّ منها
من جهته ، يعتبر الباحث الاقتصادي محمد علبي، أنّ الإعلان عن المشاريع قبل استكمال مراحل دراسة الجدوى، والكلفة ونموذج التمويل، يثير العديد من الملاحظات، موضحاً لـ" العين السورية"، أن المشاريع الكبرى تمر عادة بمراحل تبدأ بالدراسات الاقتصادية والفنية وتوزيع المخاطر، قبل طرح المناقصات واختيار الشركات المنفذة، مشيراً إلى أنّ الإعلان المسبق عن مدد الإنجاز، يوحي بأنّ القرار محسوم مسبقاً، وأنّ الهدف من الإعلان قد يكون إعلامياً أكثر منه تنفيذياً.
وفي ظل غياب الحديث عن الجهة المنفذة للمشروع، يعتقد الخبير الاقتصادي عمار يوسف في تصريحه لـ " العين السورية"، أن الحكومة كثيراً ما تعلن عن مثل هذه المشاريع، دون الحديث عن البنية التحتية اللازمة، والتمويل، والآليات اللازمة لإنجازها، خاصة في ظل وضع اقتصادي صعب تعيشه البلاد، وغياب التجهيزات الفنية والتقنية اللازمة، وعليه يخشى أن تتحول هذه المشاريع إلى مشاريع إعلامية و"زوبعة في فنجان"، حسب قوله.
تحديات لوجستية وأمنية
يشير الباحث الاقتصادي مغربل إلى وجود مجموعة من التحديات التي تواجه مشاريع الربط الطرقي، تبدأ بالتحديات الأمنية، خصوصاً في الطرق الشرقية والصحراوية، حيث تواجه مخاطر الألغام، ومخلفات الحرب، والحاجة إلى تأمين الطريق بشكل مستمر، إضافة إلى تحديات لوجستية تتعلق بتأمين الإسفلت، والآليات، والمحروقات، والجسور، والتحويلات المرورية، عدا عن التحديات الاقتصادية المتعلقة بالتمويل وتذبذب الكلف مع سعر الصرف، وآلية منع الهدر والفساد في عقود كبيرة كهذه.
ويضيف الباحث علبي أن مجموعة من التحديات الخاصة لمثل هذه المشاريع قائمة على طبيعة العقد الموقّع مع الحكومة، إذ إن العقد السيئ والمحمي بضمانات سيادية قد يؤدي إلى ثمن باهظ يدفعه السوريون لأجيال، خاصة في حالات الطرق المأجورة التي تكون مستثمرة، وعليه تشكل سوريا بيئة شديدة الخطورة لعقود البنية التحتية طويلة الأجل، وما يندرج عليها من ضعف المؤسسات الرقابية على القطاع الخاص، الذي يهدف إلى تحقيق عائد مالي مرتفع يُحمّل السوريين التزامات تعاقدية طويلة الأمد.
انعكاسات اقتصادية
تشكل مشاريع الربط الطرقي نواة أساسية لتسهيل حركة ونقل البضائع، وعليه يعتقد الباحث الاقتصادي مغربل أن انعكاس الربط الطرقي على المواطن قد يكون مباشراً، لكنه تدريجي، إذ تُخفض الطرق كلفة النقل، وزمن الشحن، ومخاطر تلف البضائع الزراعية، إضافة إلى تسهيل حركة العمال والتجار بين المحافظات، الأمر الذي يساهم في خفض بعض الأسعار، خاصة أسعار السلع التي تتأثر بالنقل.
إلا أن الباحث علبي يرى أن تحسين الطرق يخفض زمن الرحلة، واستهلاك الوقود والأعطال وتلف البضائع، بما في ذلك محور نصيب-دمشق-حمص-حلب المهم للتجارة والترانزيت، إلا أنه في حال أصبح الطريق مأجوراً، فسيأخذ المستثمر جزءاً من هذا الوفر على شكل رسم عبور، وعليه لا يمكن القول مسبقاً إن هذه المشاريع ستخفض الأسعار، دون معرفة قيمة الرسوم، وحجم حركة المرور، والكلفة الحالية، وكفاءة البديل المجاني.
أولويات خدمية
يشير خبراء اقتصاديون إلى وجود أولويات أكثر أهمية من مشاريع الربط الطرقي، وبحسب الباحث مغربل، فإن إطلاق مشاريع الطرق مهم من حيث حركة التجارة الداخلية والخارجية، إلا أن الأولوية الاقتصادية الحقيقية هي حزمة مترابطة تشمل الكهرباء للإنتاج، والمرافئ للتصدير والاستيراد، والسكك الحديدية للشحن الثقيل، والطرق لحركة السوق اليومية.
فيما يرى الاقتصادي علبي أن الأولوية تتعلق بالأهداف، فإذا كانت الأولوية الحكومية نقل الحبوب والفوسفات والمواد الثقيلة، فالسكك الحديدية أكثر كفاءةً من الاعتماد على الشاحنات، أما الهدف المتعلق بزيادة الصادرات، فالمرافئ والربط السككي معها أساسيان، وعليه فالأولوية بالنسبة للطرق هي إعادة تأهيل المحاور الأساسية، ورفع مستوى السلامة، وإصلاح الجسور والعقد، والحفاظ، قدر الإمكان، على مجانية الطرق الرئيسية باعتبارها مرفقاً عاماً.
مشروع طموح
وكان مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، المهندس معاذ نجار أعلن عن مدة زمنية لمشروع نصيب – دمشق تقدر بـ 400 يوم لإنجازه، بينما يتطلب كل من مشروعي دمشق – حمص وحمص – حلب، إضافة إلى وصلة سراقب – إدلب حوالي 500 يوم للتنفيذ، فيما يعد مشروعي دمشق – تدمر وتدمر – دير الزور من أطول المشاريع زمنياً، إذ يستغرق تنفيذ كل منهما نحو 900 يوم، في إطار خطة شاملة لإعادة تأهيل شبكة الطرق الدولية وتحسين الربط بين المحافظات.


