سوريا - اقتصاد
هل ستخرج سوريا من عباءة الاقتصاد الهجين..جدل حول حدود دور الدولة وحضور " الخاص"
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في ظل التحديات الاقتصادية الكبرى التي تواجه سوريا في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، يتجدد النقاش حول النموذج الأمثل لتدخل الدولة في الاقتصاد. هل تبقى الدولة منافساً أم منظماً؟ وهل ينجح الانتقال إلى اقتصاد السوق دون حماية اجتماعية فعالة وشراكات حقيقية مع القطاع الخاص؟
ويأتي هذا النقاش في إطار جلسات حوارية مثل فعالية الصالون الاقتصادي التي ناقشت تحت عنوان "النموذج الأفضل لتدخل الدولة في الاقتصاد.. من يبني الاقتصاد، الدولة أم السوق؟" حدود دور الدولة والقطاع الخاص. ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل القطاع العام، وحدود التدخل الحكومي، ودور القطاع الخاص، وأولويات المرحلة الانتقالية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوري إلى رؤية واضحة تجمع بين الكفاءة والعدالة.
اقتصاد سوق تنافسي بدور تنظيمي للدولة
يرى الدكتور رازي محي الدين في حديثه لـ"العين السورية" أن النموذج الأنسب حالياً هو «اقتصاد سوق تنافسي ومنفتح، مع دولة قوية في دورها التنظيمي والاجتماعي، وليس دولة منافسة للقطاع الخاص». يؤكد أن المطلوب دولة تضع القواعد وتحمي المنافسة وتمنع الاحتكار والإغراق، مع حماية اجتماعية موجهة للفئات المتضررة، بعيداً عن الدعم الشامل المشوّه.
ويشدد على أن الانتقال يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً، عبر بناء المؤسسات والتشريعات التي تسمح للسوق بالعمل بكفاءة.
يتوافق الدكتور عروة الزعبي مع جوهر هذا التوجه، مفضلاً «الاقتصاد المختلط القائم على الشراكة مع تدخل حكومي مدروس». ويحذر في حديثه مع " العين السورية" من أن اقتصاد السوق الحر الكامل في غياب مؤسسات رقابية قوية قد يؤدي إلى الاحتكار والتفاوت الطبقي، مشيراً إلى حاجة المرحلة الراهنة لدولة تضمن استقرار السلع الأساسية وتوفر بنية تحتية داعمة.
هيكلة لا خصخصة عشوائية
يتقاطع رأي الخبيرين على رفض الحلول المطلقة. يدعو الدكتور رازي إلى تصنيف المؤسسات العامة حسب جدواها وأهميتها الاستراتيجية، ثم إعادة هيكلتها وتحويل القابلة للحياة إلى شركات مساهمة. ويقترح دوراً محتملاً لصندوق سيادي محترف يعيد إطلاقها ثم يتخارج تدريجياً عبر سوق المال.
أما الدكتور عروة فيؤيد إعادة الهيكلة عبر الشراكة مع القطاع الخاص والحوكمة الصارمة، مع إبقاء دور استراتيجي للدولة في قطاعات حيوية كالطاقة والمياه والصحة. ويقترح خصخصة الشركات الخاسرة أو الصغيرة غير الاستراتيجية.
حماية المنافسة لا حمائية مفرطة
يحذر الدكتور رازي من الحمائية الزائدة والجمارك المرتفعة، معتبراً إياها من أخطر السياسات حالياً. فهي قد تحمي شركات لفترة قصيرة، لكنها ترفع الأسعار وتخفض الجودة وتضعف الابتكار، وقد تركز الثروة لدى قلة. ويدعو إلى تدخل ينظم المنافسة ويكافح الإغراق دون إغلاق السوق.
يحدد الدكتور عروة حدود التدخل بوضوح: الدولة منظم ومراقب يوفر بيئة تشريعية صارمة، ويجب أن تتجنب المنافسة المباشرة والتسعير الإداري القسري الذي يعيق الإنتاج.
شراكات حقيقية ودور القطاع الخاص
يرى الدكتور رازي في الشراكة بين القطاعين العام والخاص أداة رئيسية للانتقال. فالقطاع الخاص يملك رأس المال والخبرة، بينما تملك الدولة الأصول. ويشترط نجاحها إطاراً قانونياً واضحاً وعقوداً شفافة ومنافسة عادلة.
يؤكد الدكتور عروة أهمية وجود قانون منافسة فعال ونظام ضريبي تصاعدي، وربط الامتيازات الاستثمارية بتشغيل العمالة المحلية والمسؤولية الاجتماعية، لمنع الاحتكارات والتفاوتات الحادة.
أولويات المرحلة المقبلة
يضع الدكتور رازي في المقدمة رؤية اقتصادية استراتيجية موحدة وخارطة طريق وطنية. تليها تحديث التشريعات وتعزيز الحوكمة والشفافية وتحسين البنية التحتية وحماية المنافسة، مع شبكة حماية اجتماعية موجهة.
أما الدكتور عروة فيحدد ثلاث أولويات للعامين المقبلين: استقرار الاقتصاد الكلي عبر كبح التضخم وتثبيت سعر صرف العملة، وتأهيل البنية التحتية الحيوية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل، ودعم القطاعات الإنتاجية الصغيرة والمتناهية الصغر.
من الحوار إلى السياسات العملية
أما الدكتور عروة فيحدد ثلاث أولويات للعامين المقبلين: استقرار الاقتصاد الكلي عبر كبح التضخم وتثبيت سعر صرف العملة، وتأهيل البنية التحتية الحيوية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل، ودعم القطاعات الإنتاجية الصغيرة والمتناهية الصغر.
من الحوار إلى السياسات العملية
يؤكد الدكتور رازي أن قيمة الحوارات الاقتصادية والجلسات النقاشية مثل «الصالون الاقتصادي» لا تقاس بعدد الأفكار المطروحة فقط، بل بقدرتها على التحول إلى أوراق سياسات عملية وواضحة. يجب أن تتضمن هذه الأوراق تحديد المشكلة، والبدائل المتاحة، والتشريعات المطلوبة، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، والجدول الزمني، ومؤشرات قياس النتائج، وذلك ضمن رؤية وطنية موحدة.
أما الدكتور عروة فيرى أن مثل هذه الحوارات والفعاليات مهمة لكسر الجمود وتبادل الآراء، لكنها غير كافية بمفردها. ويقترح إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وطني دائم يضم الحكومة والقطاع الخاص والنقابات والأكاديميين والخبراء، يعمل كآلية مؤسسية مستمرة لصياغة الخطط الاستراتيجية.
تقارب في الرؤية وفجوة طبيعية
يلمس الدكتور رازي مساحة أكبر للتقارب اليوم، مع إدراك متبادل بأن الدولة لا تستطيع وحدها إعادة البناء، وأن القطاع الخاص يحتاج دولة قوية ومنظمة. أما الفجوة المتبقية فهي طبيعية في مرحلة انتقالية كبيرة، ويجب تحويلها إلى حوار مؤسسي قائم على المصلحة الوطنية.
ويخلص إلى أن السؤال الحقيقي ليس «من يبني الاقتصاد، الدولة أم السوق؟»، بل كيفية بناء علاقة جديدة: السوق محرك النمو، والدولة منظم وحامٍ للمنافسة والعدالة.
تلتقي رؤى الخبيرين حول ضرورة اقتصاد سوق منظم وليس حراً مطلقاً، وإعادة هيكلة القطاع العام بشراكات مدروسة، وحماية اجتماعية مرافقة للإصلاحات. النجاح يعتمد على تحويل هذه الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ ضمن رؤية وطنية واضحة، ومؤسسات رقابية قوية، وحوكمة شفافة.
المرحلة المقبلة تتطلب توازناً دقيقاً بين تحرير الطاقات الإنتاجية وضمان العدالة والاستقرار. الحوارات الاقتصادية خطوة مهمة، لكن تحويلها إلى آليات مؤسسية مستمرة هو ما سيحدد مسار الاقتصاد السوري في السنوات القادمة.


