سوريا - اقتصاد
نمو غير مسبوق في دفاتر "المالية" .. والمواطن يسأل عن نصيبه؟
د.المصري لـ"العين السورية": النمو لا يُقاس بالرقم!!
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

حين ترتفع نبوءات معدل النمو إلى 11.3%، لا ينتهي السؤال الاقتصادي عند الرقم، بل تبدأ تساؤلات أخرى أوسع وأشمل.
فالمؤشر بلغة الأرقام قد يعني اقتصاداً ينتج أكثر، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة الأكثر التصاقاً بحركة الأسواق: هل تتوسع فرص العمل؟ هل تتحسن الدخول؟ هل يستقر مستوى الأسعار؟ وهل يصبح المواطن أكثر قدرة على الإنفاق؟
تساؤلات تشغل الشارع
بكثير من الواقعية والموضوعية، يتحدّث وزير المالية والاقتصاد الأسبق الدكتور عبد الحكيم المصري، لـ " العين السورية" ويرى أن النمو، وفق توقعات عام 2026، لا ينبغي أن يُقاس بحجمه فقط، وإنما بقدرته على الانتقال من الناتج المحلي إلى الاقتصاد الحقيقي، ومن زيادة الإنتاج إلى التشغيل والدخل وحركة الأسواق.
ويبدأ المصري من ضرورة التمييز بين النمو والتنمية. فالنمو يعني زيادة الإنتاج القائم، بينما تتطلب التنمية توسيع القاعدة الاقتصادية من خلال إدخال منتجات وصناعات جديدة. وبالتالي، فإن ارتفاع الناتج لا يمثل وحده تحولاً تنموياً، ما لم يقترن بقدرة الاقتصاد على خلق طاقات إنتاجية جديدة وقيمة مضافة وفرص عمل.
مؤشرات أكثر دقّة
بحسب المصري، فإن المؤشرات الأكثر دلالة على نجاح النمو تتمثل في زيادة فرص العمل، واستقرار الأسعار، وتحسن مستوى الدخل والقوة الشرائية. فزيادة الإنتاج تعني، في حال ترجمت إلى نشاط فعلي، طلباً أكبر على العمالة، وتحسناً في الدخول، وزيادة في الإنفاق، ومن ثم اتساع الدورة الاقتصادية وحركة الأسواق.
وهنا تظهر أهمية طبيعة الإنفاق الحكومي، لا حجمه فقط. فمع تقديرات موازنة 2026 بإيرادات تقارب 8.7 مليارات دولار ونفقات تصل إلى 10.5 مليارات دولار، يرى المصري أن السؤال الأساسي هو: إلى أين يتجه هذا الإنفاق، وما مقدار ما يتحول منه إلى إنتاج؟
مستلزمات النمو
ويشير إلى أن توجيه جزء من الإنفاق نحو قطاع النفط، إلى جانب دعم الزراعة وتحسين بنيتها الإنتاجية، يمكن أن يرفع الإنتاج ويسهم في زيادة الناتج المحلي. لكن تحقيق ذلك، وفق رؤيته، يحتاج إلى تمويل واستثمارات وإعادة تأهيل للبنية التحتية، لأن زيادة الإنتاج لا تتحقق بمجرد تخصيص الإنفاق، وإنما بتحويله إلى طاقة إنتاجية حقيقية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في اقتصاد لا يزال يعمل على استعادة قطاعات ومنشآت تضررت خلال السنوات الماضية. فإعادة تأهيل المنشآت الصناعية والسياحية والتجارية، وإعادة بناء البنية الزراعية والطرق المرتبطة بالإنتاج، تعني في جانب منها إعادة إنتاجٍ كان متوقفاً إلى الدورة الاقتصادية.
ويرى المصري أن هذه العملية يمكن أن تشكل أحد مصادر النمو خلال المرحلة المقبلة، لكنها لا تنجح من دون التمويل. فالمصانع التي تعود إلى العمل تحتاج إلى رأس مال، والقطاع الزراعي يحتاج إلى بنية تحتية وتمويل، والاستثمار يحتاج إلى بيئة قادرة على جذب رأس المال وتحويله إلى مشاريع منتجة.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أهمية معالجة القروض المتعثرة، والإجراءات التي تساعد المنشآت الصناعية والسياحية والتجارية المتضررة على استعادة نشاطها. فعودة هذه المنشآت لا تعني فقط زيادة الناتج المحلي، وإنما تعني أيضاً إعادة تشغيل العمالة، وخلق دخول جديدة، وزيادة الطلب على السلع والخدمات المرتبطة بها.
مؤشر الأسواق
لكن أثر النمو لا يتوقف عند زيادة الإنتاج. فبحسب المصري، إن ارتفاع الناتج يفترض أن يقود إلى زيادة العرض في الأسواق، وهو ما يمكن، في ظل استقرار العوامل الأخرى، أن يساعد على استقرار الأسعار، بالتزامن مع تحسن مستويات الدخل.
وهنا تصبح العلاقة بين النمو والقدرة الشرائية أكثر وضوحاً: إذا زاد الإنتاج، ورافقه تشغيل أكبر وتحسن في الدخول وزيادة في المعروض، يصبح للنمو فرصة حقيقية للظهور في السوق وفي إنفاق الأسر. أما إذا بقيت الزيادة في الناتج منفصلة عن التشغيل والدخل والأسعار، فإن أثرها على المواطن سيظل محدوداً.
سلاسل الإنتاج
ويضع المصري أيضاً سلاسل الإنتاج والتوريد في قلب هذه المعادلة. فإعادة تنشيط الاقتصاد لا تتحقق بإعادة تشغيل قطاع منفرد، وإنما باستعادة الترابط بين حلقات الإنتاج، من المواد الأولية إلى التصنيع ثم التسويق. وكلما اتسعت هذه السلاسل، زادت فرص التشغيل والقيمة المضافة داخل الاقتصاد.
ومن بين القطاعات التي يمكن أن تلعب دوراً في هذه المرحلة، يبرز قطاع السياحة، الذي يرى المصري أن إعادة تأهيله قد تكون أقل كلفة نسبياً من إعادة تأهيل بعض القطاعات الصناعية، ما يمنحه قدرة على استعادة النشاط والإنتاج وخلق فرص عمل خلال فترة أقصر.
ولا يرى المصري في معدل النمو المرتفع رقماً سلبياً أو غير ذي أهمية، بل يعتبر أنه يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في رفع الثقة وجذب الاستثمارات. غير أن انتقال الاقتصاد من مرحلة التعافي إلى النمو المستدام يحتاج، في تقديره، إلى بيئة استثمارية جاذبة، واستقرار نسبي، وتمويل قادر على تحويل الفرص إلى مشاريع وإنتاج.
التحدي الحقيقي
وبذلك، لا يصبح التحدي الاقتصادي في عام 2026 هو تحقيق نسبة النمو المعلنة فقط، وإنما تحديد نوعية هذا النمو ومساره داخل الاقتصاد: أين يذهب الإنفاق؟ كم يزيد الإنتاج؟ كم فرصة عمل يخلق؟ ماذا يحدث للدخل؟ وهل يؤدي ارتفاع العرض إلى استقرار الأسعار؟
فهذه المؤشرات، في توضيح المصري، هي التي تمنح النمو معناه الحقيقي. فزيادة الناتج قد ترفع الرقم في الحسابات القومية، لكن نجاحها الاقتصادي لا يكتمل إلا عندما تتحول إلى دورة إنتاج وتشغيل ودخل وإنفاق أوسع، ويصبح للمواطن والأسواق نصيب ملموس من ثمار التعافي.


