سوريا - اقتصاد
"الاقتصاد الأزرق السوري".. أي ثروات كامنة وفُرص ضائعة؟
ن
نورا حربا
نشر في: ١٦ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لكل منطقة جغرافية خصائصها ومميزاتها وفق ما تضمه من خصائص جغرافية وإحداثيات مكانية وتضاريس متنوعة وحتى صفات مناخية محددة، وتأتي البحار والبحيرات وكل ما هو أزرق ليضع المنطقة ضمن تصنيف خاص ومختلف عن باقي المناطق، ويمنحها صفات محددة أصبحت تُسمى (بالاقتصاد الأزرق)، وهو الذي يعني الاستفادة المستدامة من الموارد البحرية والنهرية والمائية لتحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل.
غير مستغلة
تحظى سوريا بمنطقة زرقاء مميزة وواعدة وغير مستغلة بالشكل الأمثل كما هو الحال في باقي بلدان العالم، وهي منطقة الساحل السوري، ولكنها للأسف لم تتحول إلى اقتصاد أزرق بالشكل العالمي المطلوب.
ويؤكد مدير غرفة تجارة دمشق، الدكتور عامر خربوطلي، لـ"العين السورية" أن لكل منطقة جغرافية خصائصها ومميزاتها التي تنبع من موقعها وتضاريسها ومناخها وإحداثياتها المكانية، ما يمنحها فرصاً اقتصادية مختلفة عن غيرها، وتأتي البحار والبحيرات وكل ما هو "أزرق" لتضع المناطق الساحلية ضمن تصنيف اقتصادي خاص بات يُعرف عالمياً باسم الاقتصاد الأزرق.
منطقة زرقاء واعدة
ويرى خربوطلي أن سوريا منطقة زرقاء مميزة وواعدة تتمثل في الساحل السوري، إلا أن هذه المنطقة، ورغم إمكاناتها الكبيرة، لم تتحول حتى اليوم إلى اقتصاد أزرق متكامل وفق المفهوم العالمي المعتمد في العديد من دول البحر المتوسط والعالم.
ويضيف أن التحول الحقيقي نحو الاقتصاد الأزرق في سوريا يتطلب رؤية شاملة وسياسات متكاملة تشمل عدداً من المجالات الرئيسية، أبرزها: تطوير الصيد البحري والنهري والبحيري المستدام، وإنشاء المزارع السمكية المتخصصة، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتنمية تربية الأحياء والنباتات المائية بكفاءة اقتصادية وبيئية.
ويشير إلى أن استثمار الطاقة المتجددة البحرية من الرياح والأمواج والمد والجزر، لتوليد الطاقة الكهربائية ودعم التحول نحو مصادر نظيفة ومستدامة، يوازيه تعزيز السياحة البحرية والترفيهية والبيئية والثقافية، والاستفادة من التداخل الجغرافي الفريد بين البحر والجبل في الساحل السوري.
مساهمة اقتصادية
من جانبه، يفنّد الخبير الاقتصادي د. إيهاب اسمندر في حديثه لـ"العين السورية" أسباب تشكيل الاقتصاد الأزرق أهمية اقتصادية وفرصة استراتيجية لسوريا، من خلال مساهمة اقتصادية جديدة، إذ يقدم هذا النوع من الاقتصاد مصدراً جديداً ومساهماً في الناتج المحلي الإجمالي للبلد، ليعوض نوعاً ما عن الهياكل الاقتصادية التقليدية المتضررة، إضافة إلى تعزيز الأمن الغذائي من خلال تطوير قطاع الصيد وتربية الأحياء المائية بشكل مسؤول، مما يمكن من زيادة الإنتاج السمكي وتوفير مصدر بروتيني مهم وغذاء للسكان، لحمايتهم من نقص الغذاء.
توفير فرص العمل
ويتطرق اسمندر إلى توفير فرص العمل، فالاقتصاد الأزرق يوفر مجموعة واسعة من الوظائف في الموانئ والصيد والسياحة والخدمات اللوجستية، لا سيما في المناطق الساحلية، ناهيك عن إعادة الاندماج التجاري، باعتبار الموانئ السورية (مثل اللاذقية وطرطوس) بوابات طبيعية، يمكن أن تعيد ربط سوريا بشبكة التجارة الدولية عبر البحر المتوسط، ما يساعد على اندماج سوريا في التجارة العالمية.
أهمية الساحل السوري
يتحدث الخبير اسمندر عن أهمية الساحل السوري كعماد أساسي للاقتصاد الأزرق، موضحاً أن الساحل السوري الذي يمتد لحوالي 183 كم على البحر المتوسط، هو حجر الزاوية لأي تطوير ممكن للاقتصاد الأزرق، ويمكن أن يكون محوراً لوجستياً إقليمياً ليس فقط لخدمة الاقتصاد السوري، بل يمكن تطوير الموانئ لتصبح محوراً لوجستياً يخدم حركة الترانزيت إلى العراق والأردن ودول الجوار، خاصة مع وجود طرق برية رابطة. وهذا يتطلب تطوير "موانئ جافة" في الداخل وتسهيل الإجراءات، إضافة إلى مناطق اقتصادية متخصصة عبر إنشاء مناطق اقتصادية حرة متخصصة قرب الموانئ تجمع بين الصناعات الخفيفة والتخزين والخدمات اللوجستية، مع التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتبطة بالبحر، وأيضاً ربط الساحل بالداخل من خلال ربط المناطق الساحلية مع المدن الصناعية والتجارية الداخلية مثل حلب ودمشق وحمص، مما يمكن من خلق ممر اقتصادي حيوي ينشط التجارة الداخلية.
خطة وطنية شاملة
ويختم اسمندر بالقول: إن أهم عنصر لنجاح هذا الاقتصاد هو وضع خطة وطنية شاملة لتطبيقه وتنمية عوامل نجاحه، مع البدء بإعادة تأهيل البنية التحتية البحرية ووضع الأطر التشريعية الجاذبة للاستثمار.
بما أن الثروة السمكية تشكل إحدى نتاج الاقتصاد الأزرق، كان سؤالنا لمدير عام الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية التابعة لوزارة الزراعة السورية، إياد خضرو، عن اقتصاد الأسماك في سوريا.
ويوضح خضرو في حديثه لـ"العين السورية" أن إنتاج سوريا من الأسماك منذ بداية العام حتى آذار الجاري بلغ نحو 30,421 طناً، موزعاً على 3,500 طن من الصيد البحري، و400 طن من المزارع البحرية، و10,500 طن من المياه العذبة، و21 طناً من مزارع المياه العذبة الحكومية، و16,000 طن من مزارع المياه العذبة التابعة للقطاع الخاص.
ويبلغ متوسط الإنتاج السنوي من الأسماك نحو 20 إلى 25 ألف طن، مع إمكانية مضاعفة هذا الرقم عبر تحديث أساطيل الصيد وتوسيع مشاريع الاستزراع السمكي.
خطط توسعية
ويوضح خضرو أنه رغم هذه الكميات، فإن الإنتاج الحالي لا يلبي حاجة البلاد بالكامل، ما يستدعي تنفيذ خطط توسعية لرفع الطاقة الإنتاجية، لافتاً إلى أن الهيئة قامت بإعداد دراسات ووضع خطة استراتيجية لزيادة الإنتاج ليصل إلى 225 ألف طن من أصناف الأسماك في العام 2035، مما يرفع نصيب الفرد ليماثل المستوى العالمي.
محور اقتصادي إقليمي
تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الأزرق سيصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في سوريا خلال السنوات المقبلة، والتي تمتلك فرصة لتحويل ساحلها إلى محور اقتصادي إقليمي من خلال تطوير الموانئ، وتحديث التشريعات البحرية، وإنشاء مراكز بحثية متخصصة، وإطلاق مناطق اقتصادية ساحلية خاصة.


