سوريا - اقتصاد
الدولار يسبق السوق.. والليرة تدفع فاتورة المحروقات
تقلبات الدولار وأسعار المحروقات.. كيف تنعكس على الليرة والأسواق السورية؟
ا
العين السورية
نشر في: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٧:١١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
لم يعد الدولار في السوق السورية مجرد رقم يتغير في سوق الصرف، بل بات عاملاً حاضراً في قرارات التسعير داخل المتاجر والأسواق. فكل قفزة في سعره تفتح الباب أمام إعادة حساب كلفة السلع، فيما تتحول المخاوف من ارتفاع جديد إلى طلب فعلي على القطع الأجنبي، لتدخل الليرة في حلقة من الضغوط يصعب كسرها بالتهدئة المؤقتة وحدها.
ويشرح الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث خاص لـ«العين السورية»، أن حدة التذبذب لا ترتبط بعامل واحد، وإنما بتداخل ضعف عمق سوق الصرف مع فجوة العرض والطلب، إلى جانب التوقعات التي يمكن أن تتحول سريعاً إلى سلوك مالي وتجاري يضغط بدوره على سعر الصرف.
«دولار التحوط» يرفع حرارة السوق
في سوق محدودة التداول، لا يحتاج ارتفاع الطلب على الدولار إلى أحجام ضخمة حتى يترك أثراً واضحاً على السعر. فزيادة الطلب التجاري لتأمين المستوردات، أو اتجاه المتعاملين إلى شراء الدولار تحسباً لمزيد من التراجع في قيمة الليرة، يمكن أن يدفعا السوق إلى تحركات سريعة وحادة.
وتزداد حساسية السوق عندما لا تتزامن الحاجة الفورية إلى القطع الأجنبي مع تدفقات مقابلة من مصادره، مثل الصادرات والحوالات الخارجية. عندها لا يعود السعر انعكاساً للعرض والطلب الحاليين فقط، بل يتأثر أيضاً بتوقعات المتعاملين حيال الأيام المقبلة.
وبحسب قوشجي، يمكن للتوقعات التضخمية نفسها أن تتحول إلى عامل ضغط على الليرة؛ فعندما يخشى المتعاملون تراجع قيمتها، يتجه بعضهم إلى التحوط بالعملات الأجنبية، ما يرفع الطلب على الدولار ويجعل التوقع جزءاً من المشكلة الفعلية.
لماذا تسبق الأسعار الدولار أحياناً؟
لا تتوقف المشكلة عند سوق الصرف، فالتاجر الذي يبيع بضاعته اليوم لا ينظر فقط إلى الكلفة التي دفعها عند شرائها، وإنما يحسب أيضاً كلفة استبدالها عندما يحتاج إلى تجديد مخزونه.
وهنا يظهر ما يُعرف بـ«سعر الاستبدال» بوصفه عاملاً مؤثراً في التسعير. فإذا ارتفع الدولار، أو ظهرت مؤشرات على مزيد من التراجع في قيمة الليرة، قد يعيد التاجر حساب سعر سلعته استناداً إلى الكلفة المتوقعة لشراء بديل عنها، وليس فقط إلى السعر الذي دفعه سابقاً.
ويرى قوشجي أن اعتماد جزء مهم من الإنتاج والاستهلاك على المواد الأولية والسلع المستوردة يجعل انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار أسرع، بحيث يتحول اضطراب العملة إلى اضطراب في قرارات التسعير والاستهلاك والإنتاج.
المحروقات تدخل دائرة الضغط
في هذه المعادلة، لا تأتي المحروقات كعامل منفصل. فارتفاع أسعار المشتقات النفطية يرفع كلفة النقل والتشغيل والإنتاج، لكنه قد يضيف، بحسب قوشجي، ضغوطاً أخرى على سوق القطع الأجنبي.
ويحدد الخبير الاقتصادي ثلاثة مسارات لهذا الضغط: ارتفاع تكلفة استيراد المشتقات النفطية بالدولار عند الحاجة إلى تغطية النقص المحلي، وزيادة الطلب التجاري على العملات الأجنبية لتأمين الاحتياجات النفطية، إضافة إلى انتقال ارتفاع الكلفة إلى الأسعار، بما يعزز المخاوف التضخمية ويدفع بعض المتعاملين إلى التحوط بالقطع الأجنبي.
وبذلك تصبح المحروقات جزءاً من الحلقة نفسها: كلفة أعلى ترفع الأسعار، ومخاوف تضخمية تعزز الطلب على الدولار، وضغط إضافي ينعكس على الليرة.
ما الذي يحتاجه استقرار الليرة؟
كسر هذه الحلقة، وفق تحليل قوشجي، لا يمكن أن يعتمد على التدخلات النقدية المؤقتة وحدها، إذ ترتبط المشكلة الأعمق بقدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من القطع الأجنبي، وتوفير قنوات رسمية أكثر فاعلية لتدفق الحوالات، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي القابل للتصدير وتقليص الاختلالات التي تولد طلباً مستمراً على الدولار.
وعليه، لا يرتبط استقرار سعر الصرف بمحاولة تثبيت رقم في السوق فحسب، بل بقدرة الاقتصاد على توفير موارد أكبر من القطع الأجنبي وتقليل اعتماده عليه.
وإلى أن تتغير هذه المعادلة، سيبقى اضطراب سوق الصرف قابلاً للانتقال سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات، فيما قد توسع أي زيادة في كلفة المحروقات دائرة الضغط، بدلاً من أن تبقى آثارها محصورة في فاتورة الوقود.
لم يعد الدولار في السوق السورية مجرد رقم يتغير في سوق الصرف، بل بات عاملاً حاضراً في قرارات التسعير داخل المتاجر والأسواق. فكل قفزة في سعره تفتح الباب أمام إعادة حساب كلفة السلع، فيما تتحول المخاوف من ارتفاع جديد إلى طلب فعلي على القطع الأجنبي، لتدخل الليرة في حلقة من الضغوط يصعب كسرها بالتهدئة المؤقتة وحدها.
ويشرح الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث خاص لـ«العين السورية»، أن حدة التذبذب لا ترتبط بعامل واحد، وإنما بتداخل ضعف عمق سوق الصرف مع فجوة العرض والطلب، إلى جانب التوقعات التي يمكن أن تتحول سريعاً إلى سلوك مالي وتجاري يضغط بدوره على سعر الصرف.
«دولار التحوط» يرفع حرارة السوق
في سوق محدودة التداول، لا يحتاج ارتفاع الطلب على الدولار إلى أحجام ضخمة حتى يترك أثراً واضحاً على السعر. فزيادة الطلب التجاري لتأمين المستوردات، أو اتجاه المتعاملين إلى شراء الدولار تحسباً لمزيد من التراجع في قيمة الليرة، يمكن أن يدفعا السوق إلى تحركات سريعة وحادة.
وتزداد حساسية السوق عندما لا تتزامن الحاجة الفورية إلى القطع الأجنبي مع تدفقات مقابلة من مصادره، مثل الصادرات والحوالات الخارجية. عندها لا يعود السعر انعكاساً للعرض والطلب الحاليين فقط، بل يتأثر أيضاً بتوقعات المتعاملين حيال الأيام المقبلة.
وبحسب قوشجي، يمكن للتوقعات التضخمية نفسها أن تتحول إلى عامل ضغط على الليرة؛ فعندما يخشى المتعاملون تراجع قيمتها، يتجه بعضهم إلى التحوط بالعملات الأجنبية، ما يرفع الطلب على الدولار ويجعل التوقع جزءاً من المشكلة الفعلية.
لماذا تسبق الأسعار الدولار أحياناً؟
لا تتوقف المشكلة عند سوق الصرف، فالتاجر الذي يبيع بضاعته اليوم لا ينظر فقط إلى الكلفة التي دفعها عند شرائها، وإنما يحسب أيضاً كلفة استبدالها عندما يحتاج إلى تجديد مخزونه.
وهنا يظهر ما يُعرف بـ«سعر الاستبدال» بوصفه عاملاً مؤثراً في التسعير. فإذا ارتفع الدولار، أو ظهرت مؤشرات على مزيد من التراجع في قيمة الليرة، قد يعيد التاجر حساب سعر سلعته استناداً إلى الكلفة المتوقعة لشراء بديل عنها، وليس فقط إلى السعر الذي دفعه سابقاً.
ويرى قوشجي أن اعتماد جزء مهم من الإنتاج والاستهلاك على المواد الأولية والسلع المستوردة يجعل انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار أسرع، بحيث يتحول اضطراب العملة إلى اضطراب في قرارات التسعير والاستهلاك والإنتاج.
المحروقات تدخل دائرة الضغط
في هذه المعادلة، لا تأتي المحروقات كعامل منفصل. فارتفاع أسعار المشتقات النفطية يرفع كلفة النقل والتشغيل والإنتاج، لكنه قد يضيف، بحسب قوشجي، ضغوطاً أخرى على سوق القطع الأجنبي.
ويحدد الخبير الاقتصادي ثلاثة مسارات لهذا الضغط: ارتفاع تكلفة استيراد المشتقات النفطية بالدولار عند الحاجة إلى تغطية النقص المحلي، وزيادة الطلب التجاري على العملات الأجنبية لتأمين الاحتياجات النفطية، إضافة إلى انتقال ارتفاع الكلفة إلى الأسعار، بما يعزز المخاوف التضخمية ويدفع بعض المتعاملين إلى التحوط بالقطع الأجنبي.
وبذلك تصبح المحروقات جزءاً من الحلقة نفسها: كلفة أعلى ترفع الأسعار، ومخاوف تضخمية تعزز الطلب على الدولار، وضغط إضافي ينعكس على الليرة.
ما الذي يحتاجه استقرار الليرة؟
كسر هذه الحلقة، وفق تحليل قوشجي، لا يمكن أن يعتمد على التدخلات النقدية المؤقتة وحدها، إذ ترتبط المشكلة الأعمق بقدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من القطع الأجنبي، وتوفير قنوات رسمية أكثر فاعلية لتدفق الحوالات، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي القابل للتصدير وتقليص الاختلالات التي تولد طلباً مستمراً على الدولار.
وعليه، لا يرتبط استقرار سعر الصرف بمحاولة تثبيت رقم في السوق فحسب، بل بقدرة الاقتصاد على توفير موارد أكبر من القطع الأجنبي وتقليل اعتماده عليه.
وإلى أن تتغير هذه المعادلة، سيبقى اضطراب سوق الصرف قابلاً للانتقال سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات، فيما قد توسع أي زيادة في كلفة المحروقات دائرة الضغط، بدلاً من أن تبقى آثارها محصورة في فاتورة الوقود.


