سوريا - اقتصاد
اقتصاد السوق الحر في سوريا.. ما كلفة التحول على المواطن؟
اقتصاد السوق الحر في سوريا.. فرص التحول وتحدياته من وجهة نظر اقتصادية
ل
لبنى حاج عبيد
نشر في: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٦:٥١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تدخل سوريا مرحلة جديدة في مسارها الاقتصادي مع التوجه نحو اقتصاد السوق الحر التنافسي المسؤول، في تحول يعيد رسم حدود العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويطرح في الوقت نفسه أسئلة مباشرة حول كلفة الانتقال وانعكاساته على حياة المواطنين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المحروقات وما قد يترتب عليه من ضغوط على تكاليف المعيشة والأسعار.
وفي قراءة خاصة لـ«العين السورية»، يشرح الباحث الاقتصادي والمحاضر الجامعي سامر النقيب طبيعة هذا التحول، وما يعنيه مفهوم «اقتصاد الإمكانات»، وحدود دور الدولة في النموذج الجديد، إلى جانب التداعيات المحتملة على سوق العمل والدعم والأسعار، والضمانات التي يرى ضرورة توفيرها لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
ما «اقتصاد الإمكانات»؟
يقول النقيب إن فهم التحول الجاري يبدأ من تحديد المقصود بـ«اقتصاد الإمكانات»، الذي يصفه بأنه توجه اقتصادي يحد من انخراط الدولة المباشر في الاستثمار وتشغيل الأصول والإنتاج والمنافسة في الأسواق، مقابل تعزيز دورها في رسم السياسات والاستراتيجيات ووضع القواعد الناظمة للنشاط الاقتصادي.
وبحسب النقيب، تتراجع الدولة في هذا النموذج عن دورها كمنافس مباشر في السوق، لمصلحة التركيز على تهيئة بيئة تنافسية عادلة أمام القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يتولى دوراً أكبر في الاستثمار والإنتاج وبناء الاقتصاد الوطني.
ويربط النقيب هذا التوجه بتجارب اقتصادية سابقة شهدت تراجعاً للنماذج الاشتراكية، معتبراً أن تلك النماذج أخفقت في إدارة واستثمار الأصول الإنتاجية، وأسهمت في إنتاج مشكلات تتعلق بالفساد والفقر والندرة.
الدولة تخرج من دور المنافس
ويرى النقيب أن التوجه الاقتصادي الجديد في سوريا يقوم على تغيير المعادلة التي حكمت علاقة الدولة بالسوق خلال العقود الماضية، والانتقال من نموذج كان يمنح المؤسسات الحكومية حضوراً واسعاً في الإنتاج والأسواق إلى نموذج يقلص تدخلها المباشر.
ويأتي هذا التحول بالتوازي مع تغيرات كبيرة في البيئة الاقتصادية والمالية المحيطة بسوريا، من بينها رفع عقوبات اقتصادية وإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية الدولية. وكان مصرف سوريا المركزي قد استأنف العمل عبر نظام «سويفت» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعد توقف دام 14 عاماً، ضمن مسار إعادة دمج القطاع المصرفي السوري في النظام المالي العالمي.
ويقول النقيب إن النموذج السابق، المعروف بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي»، اتسم بتدخل قوي للدولة في الأسواق بوصفها منتجاً ومنافساً، وهو ما يرى أنه أضعف دور القطاع الخاص وأسهم في توسيع بيئة الفساد.
أما في النموذج الجديد، فيُفترض، بحسب رؤيته، أن يصبح تدخل الدولة أكثر محدودية، مع تركيزها على التشريع والرقابة وتهيئة البيئة القانونية وضمان المنافسة العادلة، بينما يتولى القطاع الخاص مساحة أكبر من النشاط الاقتصادي.
كلفة التحول تبدأ سريعاً
لكن الانتقال إلى اقتصاد أكثر تحرراً لن يكون بلا كلفة، وفق النقيب، الذي يتوقع ظهور انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين خلال المرحلة الأولى من التحول.
ويشير إلى أن خفض الدعم عن بعض المواد، إلى جانب خروج الدولة من تشغيل واستثمار بعض الأصول، قد يؤدي إلى ضغوط مؤقتة في سوق العمل، إلى حين توسع القطاع الخاص وقدرته على خلق فرص عمل بديلة.
كما يرى أن تحرير الاقتصاد يقود إلى ارتباط أكبر بالأسعار العالمية، ما يعني تراجع الدعم الحكومي عن سلع وخدمات أساسية مثل المحروقات والطاقة، وربما الخبز، وفق تصوره لمسار التحول.
ويضع النقيب في المقابل شرطاً أساسياً لنجاح هذه المعادلة، يتمثل في تحسين مستويات الدخل ورفع الأجور بالتوازي مع تحرير الأسعار، إلى جانب استقطاب الشركات الأجنبية والعلامات التجارية العالمية وما يمكن أن توفره من فرص عمل وأجور أعلى.
ويعتبر أن الانتقال من نموذج اقتصادي تقوده الدولة إلى اقتصاد أكثر تحرراً يمكن أن يسبب «صدمات» اجتماعية واقتصادية خلال المرحلة الانتقالية، رابطاً ذلك بما شهده المواطنون من تغيرات في أسعار الكهرباء والمحروقات.
من يحمي الفئات الأكثر هشاشة؟
لا يرى النقيب أن تقليص تدخل الدولة في الاقتصاد يعني انسحابها من مسؤولياتها الاجتماعية، بل يعتبر أن نجاح النموذج الجديد مرتبط بقدرتها على حماية الفئات التي لا تستطيع مواجهة كلفة التحول بمفردها.
ويقول إن التغيير الاقتصادي يمكن أن يسهم في تحقيق التنمية، لكنه يشدد على ضرورة ألا يصل تحرير السوق إلى مرحلة تتجاهل الفئات المهمشة والمتضررة من سنوات الحرب الطويلة.
ويقترح في هذا السياق توجيه جزء من الفوائض المالية للدولة نحو دعم الأسر والفئات الأكثر فقراً وضعفاً، بدلاً من الاعتماد على الدعم العام الذي يستفيد منه الجميع بغض النظر عن أوضاعهم الاقتصادية.
ولتحقيق ذلك، يدعو النقيب إلى إجراء مسح اجتماعي واسع يحدد الفئات الأكثر حاجة، ووضع معايير واضحة لتصنيف المستفيدين وتوجيه الدعم إليهم، بحيث تبقى الدولة، رغم تراجع دورها المباشر في السوق، ضامناً اجتماعياً للفئات غير القادرة على تأمين مستوى معيشي يتجاوز خط الفقر.
وبذلك، لا تتعلق المسألة، وفق قراءة النقيب، بمجرد الانتقال من اقتصاد تديره الدولة إلى سوق أكثر حرية، بل بكيفية إدارة المرحلة الفاصلة بين النموذجين؛ فنجاح التحول يرتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وتحسين الدخول بالتوازي مع تحرير الأسواق، وبقدرة الدولة على بناء شبكة حماية تحول دون تحميل الفئات الأضعف الجزء الأكبر من كلفة الانتقال.
وفي قراءة خاصة لـ«العين السورية»، يشرح الباحث الاقتصادي والمحاضر الجامعي سامر النقيب طبيعة هذا التحول، وما يعنيه مفهوم «اقتصاد الإمكانات»، وحدود دور الدولة في النموذج الجديد، إلى جانب التداعيات المحتملة على سوق العمل والدعم والأسعار، والضمانات التي يرى ضرورة توفيرها لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
ما «اقتصاد الإمكانات»؟
يقول النقيب إن فهم التحول الجاري يبدأ من تحديد المقصود بـ«اقتصاد الإمكانات»، الذي يصفه بأنه توجه اقتصادي يحد من انخراط الدولة المباشر في الاستثمار وتشغيل الأصول والإنتاج والمنافسة في الأسواق، مقابل تعزيز دورها في رسم السياسات والاستراتيجيات ووضع القواعد الناظمة للنشاط الاقتصادي.
وبحسب النقيب، تتراجع الدولة في هذا النموذج عن دورها كمنافس مباشر في السوق، لمصلحة التركيز على تهيئة بيئة تنافسية عادلة أمام القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يتولى دوراً أكبر في الاستثمار والإنتاج وبناء الاقتصاد الوطني.
ويربط النقيب هذا التوجه بتجارب اقتصادية سابقة شهدت تراجعاً للنماذج الاشتراكية، معتبراً أن تلك النماذج أخفقت في إدارة واستثمار الأصول الإنتاجية، وأسهمت في إنتاج مشكلات تتعلق بالفساد والفقر والندرة.
الدولة تخرج من دور المنافس
ويرى النقيب أن التوجه الاقتصادي الجديد في سوريا يقوم على تغيير المعادلة التي حكمت علاقة الدولة بالسوق خلال العقود الماضية، والانتقال من نموذج كان يمنح المؤسسات الحكومية حضوراً واسعاً في الإنتاج والأسواق إلى نموذج يقلص تدخلها المباشر.
ويأتي هذا التحول بالتوازي مع تغيرات كبيرة في البيئة الاقتصادية والمالية المحيطة بسوريا، من بينها رفع عقوبات اقتصادية وإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية الدولية. وكان مصرف سوريا المركزي قد استأنف العمل عبر نظام «سويفت» في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعد توقف دام 14 عاماً، ضمن مسار إعادة دمج القطاع المصرفي السوري في النظام المالي العالمي.
ويقول النقيب إن النموذج السابق، المعروف بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي»، اتسم بتدخل قوي للدولة في الأسواق بوصفها منتجاً ومنافساً، وهو ما يرى أنه أضعف دور القطاع الخاص وأسهم في توسيع بيئة الفساد.
أما في النموذج الجديد، فيُفترض، بحسب رؤيته، أن يصبح تدخل الدولة أكثر محدودية، مع تركيزها على التشريع والرقابة وتهيئة البيئة القانونية وضمان المنافسة العادلة، بينما يتولى القطاع الخاص مساحة أكبر من النشاط الاقتصادي.
كلفة التحول تبدأ سريعاً
لكن الانتقال إلى اقتصاد أكثر تحرراً لن يكون بلا كلفة، وفق النقيب، الذي يتوقع ظهور انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين خلال المرحلة الأولى من التحول.
ويشير إلى أن خفض الدعم عن بعض المواد، إلى جانب خروج الدولة من تشغيل واستثمار بعض الأصول، قد يؤدي إلى ضغوط مؤقتة في سوق العمل، إلى حين توسع القطاع الخاص وقدرته على خلق فرص عمل بديلة.
كما يرى أن تحرير الاقتصاد يقود إلى ارتباط أكبر بالأسعار العالمية، ما يعني تراجع الدعم الحكومي عن سلع وخدمات أساسية مثل المحروقات والطاقة، وربما الخبز، وفق تصوره لمسار التحول.
ويضع النقيب في المقابل شرطاً أساسياً لنجاح هذه المعادلة، يتمثل في تحسين مستويات الدخل ورفع الأجور بالتوازي مع تحرير الأسعار، إلى جانب استقطاب الشركات الأجنبية والعلامات التجارية العالمية وما يمكن أن توفره من فرص عمل وأجور أعلى.
ويعتبر أن الانتقال من نموذج اقتصادي تقوده الدولة إلى اقتصاد أكثر تحرراً يمكن أن يسبب «صدمات» اجتماعية واقتصادية خلال المرحلة الانتقالية، رابطاً ذلك بما شهده المواطنون من تغيرات في أسعار الكهرباء والمحروقات.
من يحمي الفئات الأكثر هشاشة؟
لا يرى النقيب أن تقليص تدخل الدولة في الاقتصاد يعني انسحابها من مسؤولياتها الاجتماعية، بل يعتبر أن نجاح النموذج الجديد مرتبط بقدرتها على حماية الفئات التي لا تستطيع مواجهة كلفة التحول بمفردها.
ويقول إن التغيير الاقتصادي يمكن أن يسهم في تحقيق التنمية، لكنه يشدد على ضرورة ألا يصل تحرير السوق إلى مرحلة تتجاهل الفئات المهمشة والمتضررة من سنوات الحرب الطويلة.
ويقترح في هذا السياق توجيه جزء من الفوائض المالية للدولة نحو دعم الأسر والفئات الأكثر فقراً وضعفاً، بدلاً من الاعتماد على الدعم العام الذي يستفيد منه الجميع بغض النظر عن أوضاعهم الاقتصادية.
ولتحقيق ذلك، يدعو النقيب إلى إجراء مسح اجتماعي واسع يحدد الفئات الأكثر حاجة، ووضع معايير واضحة لتصنيف المستفيدين وتوجيه الدعم إليهم، بحيث تبقى الدولة، رغم تراجع دورها المباشر في السوق، ضامناً اجتماعياً للفئات غير القادرة على تأمين مستوى معيشي يتجاوز خط الفقر.
وبذلك، لا تتعلق المسألة، وفق قراءة النقيب، بمجرد الانتقال من اقتصاد تديره الدولة إلى سوق أكثر حرية، بل بكيفية إدارة المرحلة الفاصلة بين النموذجين؛ فنجاح التحول يرتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وتحسين الدخول بالتوازي مع تحرير الأسواق، وبقدرة الدولة على بناء شبكة حماية تحول دون تحميل الفئات الأضعف الجزء الأكبر من كلفة الانتقال.


