سوريا - اقتصاد
بين صكوك الداخل وسندات الخارج.. كيف تخطط سوريا لتمويل تعافيها الاقتصادي؟
خطة سورية لهندسة الدين العام.. صكوك سيادية لتمويل عجز الموازنة، وسندات دولية بالتزامن مع عودة شبكة سويفت وشراكات مرتقبة مع صندوق النقد والبنك الدولي
ر
رهام علي
نشر في: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تخوض وزارة المالية السورية مرحلة مفصلية لهندستها المالية، مستهدفة التحول نحو أدوات الدين الحديثة لمعالجة عجز موازنة عام 2026 المقدر بنحو 1.8 مليار دولار (ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وسط إيرادات بـ 8.7 مليار دولار ونفقات بـ 10.5 مليار دولار).
وترتكز هذه الاستراتيجية على مسارين؛ محلي يستهدف إطلاق الصكوك السيادية بالليرة السورية لتعبئة المدخرات وتمويل المشاريع دون طباعة النقود، وخارجي يدرس إصدار سندات دولية بالتزامن مع استئناف مشاورات صندوق النقد مطلع 2027 لأول مرة منذ 16 عاماً، إلى جانب تعزيز الشراكات الخليجية والتعاون مع البنك الدولي ودول مانحة لدعم مسار التعافي.
صكوك الداخل.. هندسة تمويلية بلا تضخم
تتجه الأنظار نحو السوق المحلية لتمويل جانب من العجز عبر إصدار أذون وسندات خزينة وصكوك سيادية بالعملة السورية.
صكوك الداخل.. هندسة تمويلية بلا تضخم
تتجه الأنظار نحو السوق المحلية لتمويل جانب من العجز عبر إصدار أذون وسندات خزينة وصكوك سيادية بالعملة السورية.
وهنا تبرز الفروقات الجوهرية؛ فبينما تمثل السندات أداة دين تقليدية تعتمد على الفائدة، فإن الصكوك السيادية ترتبط ارتباطاً مباشراً بأصول أو منافع حقيقية (كمحطات الكهرباء أو المرافئ)، مما يجعلها أداة قائمة على المشاركة في الملكية وموجهة حصراً لتمويل مشاريع إنتاجية تضمن عائداً حقيقيأً. وتستهدف وزارة المالية من هذه الخطوة -بالاستفادة من التجربة الأردنية- توفير مصادر تمويل غير تضخمية، وتجنب طباعة النقود أو الاستدانة المباشرة من مصرف سوريا المركزي، فضلاً عن بناء مؤشر عائد مرجعي يساعد المصارف على تسعير خدماتها.
لكن هذا التوجه، ورغم سلامته النظرية، يصطدم بتحديات بنيوية وفق أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد الذي يوضح لـ "العين السورية" أن الاعتماد على الصكوك بالليرة بديلاً عن الطباعة توجه سليم نظرياً، إذ يربط التمويل بأصول حقيقية ويمنح المصرف المركزي أداة لإدارة السيولة، لكن القدرة الاستيعابية محدودة جداً: القاعدة المصرفية السورية ضعيفة، والودائع مقومة بالليرة قليلة، وسوق السندات الثانوية شبه غائبة.
هل تحتمل المصارف المحلية الإصدارات؟
إلى جانب محدودية القاعدة المصرفية، تطرح بيئة العمل المحلي تحديات تتعلق بآليات التسعير وغياب الأسواق الثانوية العميقة. وهنا يحذر الدكتور محمد من أن الاستحواذ الإداري على الإصدارات يفرغها من مضمونها، موضحاً أن المخاطر الأساسية أن امتصاص المصارف العامة للإصدارات إدارياً، سيتحول الدين إلى دين مُعاد تدويره دون توسيع قاعدة المستثمرين. وفي بيئة بلا تصنيف ائتماني، تُسعَّر الأدوات بعلاوة مخاطرة عالية أو تُشترى إدارياً، فتفقد وظيفتها السوقية، ويجعل المصارف تحتفظ بالأدوات حتى الاستحقاق بدل تداولها، ما يجمد سيولتها بدلاً من إدارتها.
فخ التدوير.. كيف يعطل غياب التصنيف سوق الدين؟
تستمر التحديات النقدية في حال غياب الأسواق المنظمة وإذا ما تم استخدام أدوات الدين بطرق خاطئة. يشير التقييم الأكاديمي إلى أن المخاطر تظل قائمة عند تمويل النفقات الجارية، إذ يوضح الدكتور محمد ذلك بالقول: إن المخاطر التضخمية تظل قائمة إذا استُخدمت الإصدارات قصيرة الأجل لتغطية نفقات جارية متكررة، لافتاً إلى أن كل استحقاق يُعاد تمويله بإصدار جديد يضخ سيولة جديدة إذا اشتراها المركزي في السوق الثانوية... والتحول خطوة ضرورية لكنها غير كافية، إذ أن النجاح مشروط بإطار قانوني للأصول، مع ضمان استقلالية فعلية للمصرف المركزي تمنع الطباعة، إلى جانب العمل على بناء سوق ثانوية تدريجياً ليكون تسلسل التنفيذ هو الفيصل.
سندات الخارج.. انطلاقة تشريعية نحو الأسواق الدولية
على الجانب المقابل، تدرس الحكومة الانفتاح نحو الأسواق الخارجية عبر إصدار سندات سيادية دولية، مدفوعة بزخم دبلوماسي واقتصادي تمثل في اللقاءات بدمشق مع السفير السعودي في 23 تشرين الأول 2026، إلى جانب المشاورات الجارية لإنشاء صندوق ائتماني مع البنك الدولي ودول مانحة تشمل النرويج وهولندا وقطر والمملكة المتحدة.
هذا المسار يستند إلى أرضية تنظيمية واضحة يحددها الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال اسعيّد، مؤكداً لـ "العين السورية" أن الأوراق المالية الحكومية تصدر بموجب أحكام المرسوم التشريعي رقم 60 لعام 2007 وتعليماته التنفيذية ودليل إجراءات الأوراق المالية الحكومية التي أجازت لوزارة المالية بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي إصدار الأوراق المالية الحكومية، وتظهر الجاهزية من خلال إعلان بدء الخطوات لإصدار أول الصكوك السيادية لبناء مؤشر عائد مرجعي. ومع ذلك، يعتبر اسعيّد أن نجاح هذه الإصدارات يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باستقرار السياسة النقدية ومدى القدرة على نيل تصنيف وجدارة ائتمانية تعكس التزام الجهة المصدرة بالوفاء بالتزاماتها المالية.
الانفتاح المالي.. عودة سويفت وشراكات التعافي الدولي
تتكامل الخطط الخارجية مع تطورات سياسية واقتصادية واسعة النطاق تعيد دمج الاقتصاد السوري بالمنظومة العالمية وتوفر شبكات الأمان التمويلية، وهنا يوضح اسعيّد أن أبرز المعطيات السياسية مع انهاء بنية العقوبات الدولية وإزالة سوريا من قائمة الإرهاب، وبالتوازي مع ذلك استعادة البنية للتعاملات الخارجية من إعادة اتصال مصرف سوريا المركزي بشبكة سويفت واستئناف التحويلات وربط منظومة المدفوعات بالشبكات العالمية وقبول البطاقات الدولية.
ويختتم الباحث في مركز جسور للدراسات قراءته بالإشارة إلى حزمة الشراكات التمويلية الجارية، مؤكداً أن المشهد المالي يشهد تطورات مهمة تمثلت في توقيع وزارة المالية مشروعاً مع صندوق قطر للتنمية يهدف إلى تقييم القطاع المصرفي والمالي كخطوة تشخيصية أساسية ضمن مسار الإصلاح. وفي نفس الاتجاه، جاءت موافقة البنك الدولي في آب الفائت على تخصيص مشروع بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، تتويجاً لاتفاقيات أخرى تشمل إنشاء صندوق ستارت لدعم مسار التعافي الاقتصادي وفق ركائز استراتيجية وآليات عمل مصممة خصيصاً لتجاوز العقبات الائتمانية والتمويلية الراهنة.
لكن هذا التوجه، ورغم سلامته النظرية، يصطدم بتحديات بنيوية وفق أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد الذي يوضح لـ "العين السورية" أن الاعتماد على الصكوك بالليرة بديلاً عن الطباعة توجه سليم نظرياً، إذ يربط التمويل بأصول حقيقية ويمنح المصرف المركزي أداة لإدارة السيولة، لكن القدرة الاستيعابية محدودة جداً: القاعدة المصرفية السورية ضعيفة، والودائع مقومة بالليرة قليلة، وسوق السندات الثانوية شبه غائبة.
هل تحتمل المصارف المحلية الإصدارات؟
إلى جانب محدودية القاعدة المصرفية، تطرح بيئة العمل المحلي تحديات تتعلق بآليات التسعير وغياب الأسواق الثانوية العميقة. وهنا يحذر الدكتور محمد من أن الاستحواذ الإداري على الإصدارات يفرغها من مضمونها، موضحاً أن المخاطر الأساسية أن امتصاص المصارف العامة للإصدارات إدارياً، سيتحول الدين إلى دين مُعاد تدويره دون توسيع قاعدة المستثمرين. وفي بيئة بلا تصنيف ائتماني، تُسعَّر الأدوات بعلاوة مخاطرة عالية أو تُشترى إدارياً، فتفقد وظيفتها السوقية، ويجعل المصارف تحتفظ بالأدوات حتى الاستحقاق بدل تداولها، ما يجمد سيولتها بدلاً من إدارتها.
فخ التدوير.. كيف يعطل غياب التصنيف سوق الدين؟
تستمر التحديات النقدية في حال غياب الأسواق المنظمة وإذا ما تم استخدام أدوات الدين بطرق خاطئة. يشير التقييم الأكاديمي إلى أن المخاطر تظل قائمة عند تمويل النفقات الجارية، إذ يوضح الدكتور محمد ذلك بالقول: إن المخاطر التضخمية تظل قائمة إذا استُخدمت الإصدارات قصيرة الأجل لتغطية نفقات جارية متكررة، لافتاً إلى أن كل استحقاق يُعاد تمويله بإصدار جديد يضخ سيولة جديدة إذا اشتراها المركزي في السوق الثانوية... والتحول خطوة ضرورية لكنها غير كافية، إذ أن النجاح مشروط بإطار قانوني للأصول، مع ضمان استقلالية فعلية للمصرف المركزي تمنع الطباعة، إلى جانب العمل على بناء سوق ثانوية تدريجياً ليكون تسلسل التنفيذ هو الفيصل.
سندات الخارج.. انطلاقة تشريعية نحو الأسواق الدولية
على الجانب المقابل، تدرس الحكومة الانفتاح نحو الأسواق الخارجية عبر إصدار سندات سيادية دولية، مدفوعة بزخم دبلوماسي واقتصادي تمثل في اللقاءات بدمشق مع السفير السعودي في 23 تشرين الأول 2026، إلى جانب المشاورات الجارية لإنشاء صندوق ائتماني مع البنك الدولي ودول مانحة تشمل النرويج وهولندا وقطر والمملكة المتحدة.
هذا المسار يستند إلى أرضية تنظيمية واضحة يحددها الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال اسعيّد، مؤكداً لـ "العين السورية" أن الأوراق المالية الحكومية تصدر بموجب أحكام المرسوم التشريعي رقم 60 لعام 2007 وتعليماته التنفيذية ودليل إجراءات الأوراق المالية الحكومية التي أجازت لوزارة المالية بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي إصدار الأوراق المالية الحكومية، وتظهر الجاهزية من خلال إعلان بدء الخطوات لإصدار أول الصكوك السيادية لبناء مؤشر عائد مرجعي. ومع ذلك، يعتبر اسعيّد أن نجاح هذه الإصدارات يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باستقرار السياسة النقدية ومدى القدرة على نيل تصنيف وجدارة ائتمانية تعكس التزام الجهة المصدرة بالوفاء بالتزاماتها المالية.
الانفتاح المالي.. عودة سويفت وشراكات التعافي الدولي
تتكامل الخطط الخارجية مع تطورات سياسية واقتصادية واسعة النطاق تعيد دمج الاقتصاد السوري بالمنظومة العالمية وتوفر شبكات الأمان التمويلية، وهنا يوضح اسعيّد أن أبرز المعطيات السياسية مع انهاء بنية العقوبات الدولية وإزالة سوريا من قائمة الإرهاب، وبالتوازي مع ذلك استعادة البنية للتعاملات الخارجية من إعادة اتصال مصرف سوريا المركزي بشبكة سويفت واستئناف التحويلات وربط منظومة المدفوعات بالشبكات العالمية وقبول البطاقات الدولية.
ويختتم الباحث في مركز جسور للدراسات قراءته بالإشارة إلى حزمة الشراكات التمويلية الجارية، مؤكداً أن المشهد المالي يشهد تطورات مهمة تمثلت في توقيع وزارة المالية مشروعاً مع صندوق قطر للتنمية يهدف إلى تقييم القطاع المصرفي والمالي كخطوة تشخيصية أساسية ضمن مسار الإصلاح. وفي نفس الاتجاه، جاءت موافقة البنك الدولي في آب الفائت على تخصيص مشروع بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، تتويجاً لاتفاقيات أخرى تشمل إنشاء صندوق ستارت لدعم مسار التعافي الاقتصادي وفق ركائز استراتيجية وآليات عمل مصممة خصيصاً لتجاوز العقبات الائتمانية والتمويلية الراهنة.


