سوريا - اقتصاد
السجل العقاري.. هل تعيد الرقمنة الحقوق المفقودة؟
بين وثائق تالفة وملكيات متنازع عليها، يبرز تحدي إعادة بناء السجلات والتحقق من الحقوق، بما يدعم حماية المالكين ويفتح المجال أمام التمويل العقاري وإعادة الإعمار.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٩:٥٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
بين وثائق مفقودة وملكيات متنازع عليها، تواجه سوريا تحدياً يتجاوز تحويل السجلات العقارية إلى صيغة إلكترونية؛ إذ يتطلب الأمر إعادة التحقق من الحقوق، وتسوية النزاعات، وتطوير الإجراءات القانونية والمؤسسية، بما يهيئ بيئة أكثر أماناً لإعادة الإعمار والتمويل العقاري.
تفتح ورشة العمل التي استضافتها وزارة المالية بالتعاون مع البنك الدولي، بمشاركة ممثلين عن جهات حكومية معنية بالأراضي والملكية والتمويل العقاري، الباب أمام نقاش يتصل بأحد الشروط الأساسية للتعافي الاقتصادي في سوريا: كيف يمكن بناء منظومة عقارية موثوقة تحمي حقوق المالكين، وتحد من النزاعات، وتتيح استخدام العقارات ضمانات للتمويل؟
ويرى الخبير العقاري أنور وردة في حديثه مع "العين السورية" أن المشكلة لا تقتصر على فقدان بعض الوثائق أو تلفها، بل تشمل أيضاً الفجوة بين الوضع القانوني المسجل والواقع الفعلي للعقار، إلى جانب عدم اكتمال تبادل المعلومات بين الجهات المعنية. وهي تحديات تجعل إصلاح السجل العقاري مسألة قانونية ومؤسسية، لا مجرد مشروع تقني لرقمنة الأرشيف.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في سياق إعادة الإعمار، حيث يمكن أن يؤدي غموض الملكية إلى تأخير المشاريع، وتعقيد تسوية التعويضات، والحد من قدرة الأفراد والشركات على الاستفادة من عقاراتهم في الحصول على التمويل.
من فقدان الوثائق إلى استعادة الحقوق.. مساران مختلفان
يتيح الإطار القانوني السوري، وفق وردة، إجراءات لمعالجة فقدان الوثائق العقارية، مشيراً إلى القانون رقم 33 لعام 2017، الذي ينظم إعادة تكوين الوثائق العقارية المفقودة أو التالفة.
وفي هذا السياق، يرى وردة أن الغياب الطوعي أو القسري لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإهدار الحقوق، مقترحاً اعتماد وسائل فعالة لتبليغ أصحاب العلاقة، ومنحهم مهلًا كافية للاعتراض، وتيسير التمثيل القانوني داخل سوريا، وإتاحة تقديم الطلبات من الخارج عبر السفارات والقنصليات أو الوسائل الإلكترونية الموثوقة، وفق آليات تعتمدها الجهات المختصة.
أما في حالات الإرث، فيشدد على ضرورة التحقق من المستحقين وحصصهم، وصون حقوق القاصرين والمفقودين والغائبين وفق الإجراءات القضائية المختصة، مؤكداً أن حضور أحد الورثة لا يعني تلقائياً أنه مفوض عن بقية الورثة.
وتتصل هذه الإجراءات مباشرة بمشروعات التنظيم وإعادة الإعمار، إذ يقترح الخبير توثيق الحقوق والطلبات المرتبطة بالعقارات وإتاحة مراجعتها والاعتراض عليها قبل اعتماد النتائج النهائية لأي مشروع تنظيمي.
وتكمن أهمية ذلك في أن أي تقدم عمراني لا يضمن وضوح الحقوق المرتبطة بالأرض قد يترك نزاعات قانونية قائمة حتى بعد إنجاز المشروع، بما يحد من استقراره ويزيد كلفة تسويتها لاحقاً.
بين المالك والشاغل.. كيف تُدار نزاعات إعادة الإعمار؟
تواجه مشاريع إعادة الإعمار تحديات إضافية عندما تتعارض حقوق المالكين الأصليين مع واقع الإشغال الحالي، أو عندما ترتبط العقارات باستملاكات وتعويضات أو مطالبات بجبر الضرر.
ويرى وردة أنه لا يمكن معالجة جميع هذه الحالات بحل موحد، بل ينبغي تحديد الحقوق القانونية أولاً، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بها، بما يشمل الاستملاكات والتعويضات ورفع الغبن عند ثبوته، مع اتخاذ تدابير مؤقتة تحول دون تفاقم النزاعات.
ويمكن، بحسب الخبير، اللجوء إلى الوساطة للوصول إلى تسويات رضائية، بينما تُحال النزاعات التي يتعذر حلها إلى القضاء المختص، أو إلى التحكيم عندما يوجد اتفاق صحيح وتكون المسألة مما يجيز القانون التحكيم فيه.
ولا يعني ذلك بالضرورة وقف جميع مشروعات الإعمار إلى حين تسوية كل المطالبات؛ إذ يقترح وردة تنفيذ الأجزاء غير المتنازع عليها متى أمكن فصلها، شرط عدم فرض أمر واقع على أصحاب الحقوق، إلى حين تحديد الحقوق المتأثرة والتعويضات والبدائل المستحقة وفق القانون.
ويطرح هذا التصور مسألة عملية أمام الجهات المعنية: كيف يمكن تحقيق التوازن بين سرعة تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار، وضمان ألا تتحول السرعة إلى مصدر لنزاعات جديدة حول الملكية والتعويض؟
من السجل العقاري إلى التمويل.. ما الذي تحتاجه المصارف؟
لا تقتصر أهمية السجل العقاري الموثوق على حماية حقوق الأفراد، بل تمتد إلى قدرة المصارف على تقييم الضمانات العقارية وقبولها عند منح القروض.
فالسجل، وفق وردة، هو المرجع الأساسي للتحقق من الملكية والرهون والقيود والإشارات التي قد تمنع التصرف بالعقار أو تؤثر في قبوله ضمانة ائتمانية. ولذلك فإن نقص البيانات أو وجود نزاعات جوهرية قد يزيد مخاطر الإقراض ويحد من إمكانية استخدام العقارات في الحصول على التمويل.
ويشير الخبير إلى أن التوسع في التمويل العقاري لا يستلزم انتظار تسوية جميع العقارات في سوريا، إذ يمكن البدء بإقراض أصحاب العقارات التي تستوفي متطلبات التحقق القانوني والائتماني، مع استبعاد العقارات التي لم تُعالج مخاطر ملكيتها بعد.
ويعني ذلك أن إصلاح السجل العقاري يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة الضمانات المتاحة للمصارف، لكنه لا يكفي وحده لتنشيط التمويل العقاري؛ فذلك يرتبط أيضاً بشروط الإقراض، والتقييم العقاري، والأطر التشريعية والتنظيمية، وقدرة المقترضين على السداد.
ومن هنا، يصبح تطوير السجل العقاري جزءاً من بنية أوسع يفترض أن تتيح توظيف الأصول العقارية في النشاط الاقتصادي، من دون تعريض المقترضين أو المصارف لمخاطر قانونية يصعب احتواؤها.
التعاون مع البنك الدولي.. كيف تُقاس النتائج؟
في تقييمه للتعاون مع البنك الدولي، يميز وردة بين التعاون الفني والمنح والاقتراض، معتبراً أن التعاون الفني ينبغي أن يُقيّم وفق مدى ملاءمته للأولويات الوطنية ونتائجه العملية، بينما يستدعي الاقتراض تقييماً مستقلاً وشفافاً لضرورته وشروطه وقدرة الاقتصاد على تحمل أعبائه.
ويشير إلى أن الخبرة الدولية يمكن أن تساعد في استعادة السجلات وإدارة مطالبات الملكية وبناء الأنظمة الرقمية، لكنه يرى أن الاستفادة منها تتطلب إصلاحات موازية تشمل إجراءات إعادة بناء السجلات والتبليغ والاعتراض، وتحديد حجية الوثائق الإلكترونية، وتوضيح مسؤوليات المؤسسات في تصحيح الأخطاء.
كما يدعو إلى اعتماد معرف عقاري موحد ومعايير مشتركة لتبادل البيانات وتحديثها، مع بقاء كل جهة مسؤولة عن بياناتها، وحماية الخصوصية وتسجيل عمليات الوصول إلى المعلومات وتعديلها.
ويحذر في هذا السياق من الخلط بين بيانات الإشغال أو التكليف المالي والملكية المسجلة، لأن لكل نوع من هذه البيانات وظيفة وحجية مختلفة.
ولتحويل الورشة إلى نتائج قابلة للقياس، يقترح الخبير البدء بتحديد حجم السجلات المتضررة والمطالبات والخدمات المتوقفة، ثم تنفيذ مشروعات تجريبية لإعادة تكوين السجلات وتدقيقها وربطها رقمياً قبل التوسع في تطبيقها.
ويشمل ذلك، وفق مقترحاته، قياس نسبة السجلات المتضررة التي جرى حصرها، ونسبة القيود التي أُعيد تكوينها وتدقيقها، ومعدلات الأخطاء المكتشفة، وحجم النزاعات التي سُوّيت، والمدة اللازمة للفصل فيها، وفاعلية تبليغ أصحاب الحقوق الغائبين.
وفي المحصلة، يُقاس نجاح إصلاح القطاع العقاري بمدى تحسن القدرة على إثبات الملكية، وحماية أصحاب الحقوق، وتقليص النزاعات، وتيسير الخدمات، وتوفير ضمانات عقارية أكثر موثوقية للتمويل. وهي نتائج تتطلب، إلى جانب التكنولوجيا والتعاون الدولي، إجراءات قانونية واضحة وتنسيقاً مؤسسياً مستمراً وآليات معلنة لمساءلة الجهات المنفذة عن التقدم المحقق.
بين وثائق مفقودة وملكيات متنازع عليها، تواجه سوريا تحدياً يتجاوز تحويل السجلات العقارية إلى صيغة إلكترونية؛ إذ يتطلب الأمر إعادة التحقق من الحقوق، وتسوية النزاعات، وتطوير الإجراءات القانونية والمؤسسية، بما يهيئ بيئة أكثر أماناً لإعادة الإعمار والتمويل العقاري.
تفتح ورشة العمل التي استضافتها وزارة المالية بالتعاون مع البنك الدولي، بمشاركة ممثلين عن جهات حكومية معنية بالأراضي والملكية والتمويل العقاري، الباب أمام نقاش يتصل بأحد الشروط الأساسية للتعافي الاقتصادي في سوريا: كيف يمكن بناء منظومة عقارية موثوقة تحمي حقوق المالكين، وتحد من النزاعات، وتتيح استخدام العقارات ضمانات للتمويل؟
ويرى الخبير العقاري أنور وردة في حديثه مع "العين السورية" أن المشكلة لا تقتصر على فقدان بعض الوثائق أو تلفها، بل تشمل أيضاً الفجوة بين الوضع القانوني المسجل والواقع الفعلي للعقار، إلى جانب عدم اكتمال تبادل المعلومات بين الجهات المعنية. وهي تحديات تجعل إصلاح السجل العقاري مسألة قانونية ومؤسسية، لا مجرد مشروع تقني لرقمنة الأرشيف.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في سياق إعادة الإعمار، حيث يمكن أن يؤدي غموض الملكية إلى تأخير المشاريع، وتعقيد تسوية التعويضات، والحد من قدرة الأفراد والشركات على الاستفادة من عقاراتهم في الحصول على التمويل.
من فقدان الوثائق إلى استعادة الحقوق.. مساران مختلفان
يتيح الإطار القانوني السوري، وفق وردة، إجراءات لمعالجة فقدان الوثائق العقارية، مشيراً إلى القانون رقم 33 لعام 2017، الذي ينظم إعادة تكوين الوثائق العقارية المفقودة أو التالفة.
كما لفت إلى مناقشة وزارة الإدارة المحلية والبيئة تعديل التعليمات التنفيذية للقانون، بالتنسيق مع وزارة العدل والقضاة العقاريين، لمعالجة صعوبات تطبيقه.
لكن الخبير يشدد على ضرورة التمييز بين إعادة تكوين قيد عقاري كان موجوداً سابقاً، وإثبات حق لم يُسجل أصلاً؛ فلكل منهما متطلبات قانونية مختلفة، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما مشكلة واحدة.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتعارض المطالبات أو تتعدد الأدلة المقدمة لإثبات الملكية. ففي هذه الحالات، لا يكفي تسهيل إجراءات الإثبات، بل يجب التحقق من صحة الهويات والوكالات، وتتبع تسلسل التصرفات العقارية، وتبليغ أصحاب العلاقة، وإتاحة الاعتراض والطعن ضمن مدد كافية.
ويؤكد وردة أن مرونة الإثبات يجب أن تقترن بصرامة التحقق، مع إظهار النزاعات والإشارات القانونية في السجل العقاري واتخاذ التدابير التحفظية المناسبة، لمنع استغلال الوثائق المفقودة أو البيانات الناقصة في تسجيل حقوق غير صحيحة.
الرقمنة ضرورة.. لكنها لا تصحح الأخطاء
لا يرى وردة أن الرقمنة وحدها كافية لمعالجة مشكلات الملكية، موضحاً أنها لا تصحح البيانات الخاطئة ولا تحسم النزاعات القانونية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تأجيل توثيق الوثائق إلى حين انتهاء جميع الخلافات، لأن ذلك قد يعرض ما تبقى من الأرشيف لمزيد من التلف.
ويقترح البدء بحصر الوثائق وحمايتها وتصويرها وحفظ نسخ احتياطية منها، ثم تدقيق البيانات ومقارنتها بالمصادر والخرائط المساحية، وتصنيف القيود بحسب درجة التحقق منها، سواء كانت مكتملة وموثوقة، أو ناقصة، أو متعارضة.
وبحسب هذا التصور، يمكن أن تسير إعادة تكوين السجلات وتسوية النزاعات بالتوازي مع أعمال الرقمنة، على أن تُحدّث النتائج في النظام الإلكتروني وفق حجيتها القانونية.
ويبرز هنا فرق جوهري بين حفظ صورة وثيقة قديمة واعتماد مضمونها أساساً لإجراء تصرف قانوني. فقد تكون الرقمنة وسيلة لحماية الوثيقة من التلف، من دون أن يعني ذلك أن جميع البيانات الواردة فيها أصبحت مثبتة بصورة نهائية.
ومن شأن هذا الفصل بين الحفظ والتوثيق القانوني أن يتيح التقدم في المشروع من دون تحويل الأخطاء القديمة إلى بيانات رقمية يصعب تصحيحها لاحقاً.
حقوق الغائبين والمهجرين.. اختبار حماية الملكية
لا تتوقف معالجة الملف العقاري عند استعادة الوثائق، بل تمتد إلى ضمان قدرة أصحاب الحقوق على المطالبة بها، ولا سيما الغائبين والمهجرين والورثة الذين قد يتعذر عليهم الحضور أو تقديم المستندات ضمن المهل المحددة.
لكن الخبير يشدد على ضرورة التمييز بين إعادة تكوين قيد عقاري كان موجوداً سابقاً، وإثبات حق لم يُسجل أصلاً؛ فلكل منهما متطلبات قانونية مختلفة، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما مشكلة واحدة.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتعارض المطالبات أو تتعدد الأدلة المقدمة لإثبات الملكية. ففي هذه الحالات، لا يكفي تسهيل إجراءات الإثبات، بل يجب التحقق من صحة الهويات والوكالات، وتتبع تسلسل التصرفات العقارية، وتبليغ أصحاب العلاقة، وإتاحة الاعتراض والطعن ضمن مدد كافية.
ويؤكد وردة أن مرونة الإثبات يجب أن تقترن بصرامة التحقق، مع إظهار النزاعات والإشارات القانونية في السجل العقاري واتخاذ التدابير التحفظية المناسبة، لمنع استغلال الوثائق المفقودة أو البيانات الناقصة في تسجيل حقوق غير صحيحة.
الرقمنة ضرورة.. لكنها لا تصحح الأخطاء
لا يرى وردة أن الرقمنة وحدها كافية لمعالجة مشكلات الملكية، موضحاً أنها لا تصحح البيانات الخاطئة ولا تحسم النزاعات القانونية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تأجيل توثيق الوثائق إلى حين انتهاء جميع الخلافات، لأن ذلك قد يعرض ما تبقى من الأرشيف لمزيد من التلف.
ويقترح البدء بحصر الوثائق وحمايتها وتصويرها وحفظ نسخ احتياطية منها، ثم تدقيق البيانات ومقارنتها بالمصادر والخرائط المساحية، وتصنيف القيود بحسب درجة التحقق منها، سواء كانت مكتملة وموثوقة، أو ناقصة، أو متعارضة.
وبحسب هذا التصور، يمكن أن تسير إعادة تكوين السجلات وتسوية النزاعات بالتوازي مع أعمال الرقمنة، على أن تُحدّث النتائج في النظام الإلكتروني وفق حجيتها القانونية.
ويبرز هنا فرق جوهري بين حفظ صورة وثيقة قديمة واعتماد مضمونها أساساً لإجراء تصرف قانوني. فقد تكون الرقمنة وسيلة لحماية الوثيقة من التلف، من دون أن يعني ذلك أن جميع البيانات الواردة فيها أصبحت مثبتة بصورة نهائية.
ومن شأن هذا الفصل بين الحفظ والتوثيق القانوني أن يتيح التقدم في المشروع من دون تحويل الأخطاء القديمة إلى بيانات رقمية يصعب تصحيحها لاحقاً.
حقوق الغائبين والمهجرين.. اختبار حماية الملكية
لا تتوقف معالجة الملف العقاري عند استعادة الوثائق، بل تمتد إلى ضمان قدرة أصحاب الحقوق على المطالبة بها، ولا سيما الغائبين والمهجرين والورثة الذين قد يتعذر عليهم الحضور أو تقديم المستندات ضمن المهل المحددة.
وفي هذا السياق، يرى وردة أن الغياب الطوعي أو القسري لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإهدار الحقوق، مقترحاً اعتماد وسائل فعالة لتبليغ أصحاب العلاقة، ومنحهم مهلًا كافية للاعتراض، وتيسير التمثيل القانوني داخل سوريا، وإتاحة تقديم الطلبات من الخارج عبر السفارات والقنصليات أو الوسائل الإلكترونية الموثوقة، وفق آليات تعتمدها الجهات المختصة.
أما في حالات الإرث، فيشدد على ضرورة التحقق من المستحقين وحصصهم، وصون حقوق القاصرين والمفقودين والغائبين وفق الإجراءات القضائية المختصة، مؤكداً أن حضور أحد الورثة لا يعني تلقائياً أنه مفوض عن بقية الورثة.
وتتصل هذه الإجراءات مباشرة بمشروعات التنظيم وإعادة الإعمار، إذ يقترح الخبير توثيق الحقوق والطلبات المرتبطة بالعقارات وإتاحة مراجعتها والاعتراض عليها قبل اعتماد النتائج النهائية لأي مشروع تنظيمي.
وتكمن أهمية ذلك في أن أي تقدم عمراني لا يضمن وضوح الحقوق المرتبطة بالأرض قد يترك نزاعات قانونية قائمة حتى بعد إنجاز المشروع، بما يحد من استقراره ويزيد كلفة تسويتها لاحقاً.
بين المالك والشاغل.. كيف تُدار نزاعات إعادة الإعمار؟
تواجه مشاريع إعادة الإعمار تحديات إضافية عندما تتعارض حقوق المالكين الأصليين مع واقع الإشغال الحالي، أو عندما ترتبط العقارات باستملاكات وتعويضات أو مطالبات بجبر الضرر.
ويرى وردة أنه لا يمكن معالجة جميع هذه الحالات بحل موحد، بل ينبغي تحديد الحقوق القانونية أولاً، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بها، بما يشمل الاستملاكات والتعويضات ورفع الغبن عند ثبوته، مع اتخاذ تدابير مؤقتة تحول دون تفاقم النزاعات.
ويمكن، بحسب الخبير، اللجوء إلى الوساطة للوصول إلى تسويات رضائية، بينما تُحال النزاعات التي يتعذر حلها إلى القضاء المختص، أو إلى التحكيم عندما يوجد اتفاق صحيح وتكون المسألة مما يجيز القانون التحكيم فيه.
ولا يعني ذلك بالضرورة وقف جميع مشروعات الإعمار إلى حين تسوية كل المطالبات؛ إذ يقترح وردة تنفيذ الأجزاء غير المتنازع عليها متى أمكن فصلها، شرط عدم فرض أمر واقع على أصحاب الحقوق، إلى حين تحديد الحقوق المتأثرة والتعويضات والبدائل المستحقة وفق القانون.
ويطرح هذا التصور مسألة عملية أمام الجهات المعنية: كيف يمكن تحقيق التوازن بين سرعة تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار، وضمان ألا تتحول السرعة إلى مصدر لنزاعات جديدة حول الملكية والتعويض؟
من السجل العقاري إلى التمويل.. ما الذي تحتاجه المصارف؟
لا تقتصر أهمية السجل العقاري الموثوق على حماية حقوق الأفراد، بل تمتد إلى قدرة المصارف على تقييم الضمانات العقارية وقبولها عند منح القروض.
فالسجل، وفق وردة، هو المرجع الأساسي للتحقق من الملكية والرهون والقيود والإشارات التي قد تمنع التصرف بالعقار أو تؤثر في قبوله ضمانة ائتمانية. ولذلك فإن نقص البيانات أو وجود نزاعات جوهرية قد يزيد مخاطر الإقراض ويحد من إمكانية استخدام العقارات في الحصول على التمويل.
ويشير الخبير إلى أن التوسع في التمويل العقاري لا يستلزم انتظار تسوية جميع العقارات في سوريا، إذ يمكن البدء بإقراض أصحاب العقارات التي تستوفي متطلبات التحقق القانوني والائتماني، مع استبعاد العقارات التي لم تُعالج مخاطر ملكيتها بعد.
ويعني ذلك أن إصلاح السجل العقاري يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة الضمانات المتاحة للمصارف، لكنه لا يكفي وحده لتنشيط التمويل العقاري؛ فذلك يرتبط أيضاً بشروط الإقراض، والتقييم العقاري، والأطر التشريعية والتنظيمية، وقدرة المقترضين على السداد.
ومن هنا، يصبح تطوير السجل العقاري جزءاً من بنية أوسع يفترض أن تتيح توظيف الأصول العقارية في النشاط الاقتصادي، من دون تعريض المقترضين أو المصارف لمخاطر قانونية يصعب احتواؤها.
التعاون مع البنك الدولي.. كيف تُقاس النتائج؟
في تقييمه للتعاون مع البنك الدولي، يميز وردة بين التعاون الفني والمنح والاقتراض، معتبراً أن التعاون الفني ينبغي أن يُقيّم وفق مدى ملاءمته للأولويات الوطنية ونتائجه العملية، بينما يستدعي الاقتراض تقييماً مستقلاً وشفافاً لضرورته وشروطه وقدرة الاقتصاد على تحمل أعبائه.
ويشير إلى أن الخبرة الدولية يمكن أن تساعد في استعادة السجلات وإدارة مطالبات الملكية وبناء الأنظمة الرقمية، لكنه يرى أن الاستفادة منها تتطلب إصلاحات موازية تشمل إجراءات إعادة بناء السجلات والتبليغ والاعتراض، وتحديد حجية الوثائق الإلكترونية، وتوضيح مسؤوليات المؤسسات في تصحيح الأخطاء.
كما يدعو إلى اعتماد معرف عقاري موحد ومعايير مشتركة لتبادل البيانات وتحديثها، مع بقاء كل جهة مسؤولة عن بياناتها، وحماية الخصوصية وتسجيل عمليات الوصول إلى المعلومات وتعديلها.
ويحذر في هذا السياق من الخلط بين بيانات الإشغال أو التكليف المالي والملكية المسجلة، لأن لكل نوع من هذه البيانات وظيفة وحجية مختلفة.
ولتحويل الورشة إلى نتائج قابلة للقياس، يقترح الخبير البدء بتحديد حجم السجلات المتضررة والمطالبات والخدمات المتوقفة، ثم تنفيذ مشروعات تجريبية لإعادة تكوين السجلات وتدقيقها وربطها رقمياً قبل التوسع في تطبيقها.
ويشمل ذلك، وفق مقترحاته، قياس نسبة السجلات المتضررة التي جرى حصرها، ونسبة القيود التي أُعيد تكوينها وتدقيقها، ومعدلات الأخطاء المكتشفة، وحجم النزاعات التي سُوّيت، والمدة اللازمة للفصل فيها، وفاعلية تبليغ أصحاب الحقوق الغائبين.
وفي المحصلة، يُقاس نجاح إصلاح القطاع العقاري بمدى تحسن القدرة على إثبات الملكية، وحماية أصحاب الحقوق، وتقليص النزاعات، وتيسير الخدمات، وتوفير ضمانات عقارية أكثر موثوقية للتمويل. وهي نتائج تتطلب، إلى جانب التكنولوجيا والتعاون الدولي، إجراءات قانونية واضحة وتنسيقاً مؤسسياً مستمراً وآليات معلنة لمساءلة الجهات المنفذة عن التقدم المحقق.


