سوريا - محليات
حين يصبح الخط على الخريطة حدوداً للرزق.. قرى في درعا تبحث عن حقها في الأرض
خط البادية في درعا.. خلاف على الملكية والزراعة يطال الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة
ل
ليلى حسين
نشر في: ٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٨:٥٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - درعا
بين آخر شجرة زيتون وأول امتداد للبادية، لا يقف أهالي قرى الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة أمام خط مرسوم على خريطة فحسب، بل أمام سؤال يرتبط برزقهم ومستقبل أبنائهم: هل يحق لهم زراعة أراضٍ يقولون إن آباءهم وأجدادهم زرعوها وتوارثوها، أم أن تصنيفها القانوني ضمن أراضي البادية يجعل حراثتها واستثمارها الزراعي مخالفة؟
في الجنوب الشرقي من محافظة درعا، حيث تتجاور البادية مع الأراضي الزراعية وتلتقي حدود المحافظة بريف دمشق والسويداء، تبدو القضية للوهلة الأولى خلافاً على الزراعة.
بين آخر شجرة زيتون وأول امتداد للبادية، لا يقف أهالي قرى الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة أمام خط مرسوم على خريطة فحسب، بل أمام سؤال يرتبط برزقهم ومستقبل أبنائهم: هل يحق لهم زراعة أراضٍ يقولون إن آباءهم وأجدادهم زرعوها وتوارثوها، أم أن تصنيفها القانوني ضمن أراضي البادية يجعل حراثتها واستثمارها الزراعي مخالفة؟
في الجنوب الشرقي من محافظة درعا، حيث تتجاور البادية مع الأراضي الزراعية وتلتقي حدود المحافظة بريف دمشق والسويداء، تبدو القضية للوهلة الأولى خلافاً على الزراعة.
لكن تفاصيلها تكشف ملفاً أكثر تعقيداً، تتداخل فيه حدود منطقة البادية مع تصنيف الأرض وملكيتها وحق الانتفاع بها، إلى جانب حماية التربة من التصحر ومستقبل مجتمع يقول أبناؤه إنه انتقل منذ عقود من حياة الترحال إلى الاستقرار.
الأهالي يقولون إنهم استقروا وزرعوا وربوا مواشيهم وعلّموا أبناءهم وبنوا بيوتهم وحياتهم في هذه القرى، ولا يريدون العودة إلى الوراء.
بالنسبة إلى الأهالي، هذه ليست أرضاً متروكة أو هامشية، وإنما أرض منتجة بالفعل. ومن هنا يطرحون سؤالهم: إذا كانت الأرض تقوم عليها أشجار ومحاصيل ومواشٍ، فلماذا تُعامل باعتبارها بادية تُمنع أو تُقيّد الزراعة فيها؟
هيئة حماية البادية: أرض هشة يهددها التصحر
في المقابل، يقدم مدير فرع هيئة حماية البادية في درعا المهندس حمزة المفعلاني رؤية مختلفة للقضية.
ويقول المفعلاني إن الأراضي موضوع الشكوى تقع ضمن منطقة الاستقرار الخامسة، وإنها ذات قيود عثمانية أو أميرية، معتبراً أن جزءاً منها يعود إلى أملاك الدولة.
ويصف هذه الأراضي بأنها ذات طبيعة خاصة وهشة ومعرضة للتصحر بسبب الممارسات الزراعية الخاطئة والتعديات المستمرة عليها، موضحاً أن هيئة حماية البادية تعمل على حماية الأراضي ووقف زحف التصحر، وتستند في عملها إلى القانون رقم 62 لعام 2006 وتعديلاته لعام 2024، إلى جانب التعليمات والتعاميم الصادرة عن وزارة الزراعة، ومتابعة التعديات عبر ضابطة الحماية التابعة للهيئة.
ويؤكد المفعلاني أن القضية، من وجهة نظر الهيئة، لا تختصر بفكرة أن الدولة تمنع الأهالي من الزراعة، بل تتعلق بطبيعة الأرض وطريقة استثمارها.
ويقول إن الهيئة تقدم بدائل للأهالي، من بينها زراعة نباتات رعوية دائمة الخضرة تحافظ على التربة وتؤمن جزءاً من الاحتياجات العلفية للثروة الحيوانية، إضافة إلى إمكانية إنشاء محميات رعوية تشاركية وتنفيذ أعمال الاستصلاح والزراعة على نفقة الدولة.
ويشير إلى تجربة محمية رعوية في منطقة جنوب معربة نفذتها الدولة، معتبراً أنها نموذج يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى، بما يسمح للسكان بالاستفادة من الرعي بالتوازي مع حماية الأرض.
الحراثة في مواجهة هشاشة التربة
ويشرح المفعلاني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في رغبة السكان بالاستفادة من الأرض، وإنما في نوع الزراعة والممارسات المتبعة، وخصوصاً الحراثة المتكررة التي يقول إنها تؤثر في بنية التربة وتزيل النباتات الطبيعية الموجودة أصلاً، ما يزيد مخاطر التصحر.
ويؤكد أن الأراضي الجافة وشبه الجافة تحتاج إلى نمط زراعي يتناسب مع طبيعتها، وليس إلى ممارسات قد تستنزف التربة والموارد.
وبحسب المفعلاني، طرحت الهيئة بدائل تشمل النباتات الرعوية والزراعات الدائمة، كما طُرحت زراعة الزيتون ضمن شروط قانونية محددة، موضحاً أن من يرغب في استثمار أراضي الدولة يمكنه، وفق القانون، استئجارها واستثمارها وفق الشروط المحددة.
لكن هذه البدائل تفتح باباً على نقطة أكثر حساسية في الخلاف، ترتبط مباشرة بملكية الأرض.
الملكية تعقّد الحلول المطروحة
يقول المفعلاني إن بعض الأهالي رفضوا التعاون في مشاريع الاستصلاح والمحميات الرعوية، لأنهم يخشون أن يُفهم قبولهم بقيام الدولة بزراعة الأرض أو إقامة محمية عليها بوصفه إقراراً منهم بأنها من أملاك الدولة، بينما يتمسكون بما يعتبرونه حقوقاً تاريخية متوارثة في تلك الأراضي.
وهكذا ينتقل الخلاف من نوع النبات وطريقة الاستثمار إلى سؤال الملكية نفسه.
ويقول المفعلاني إن الخلاف تصاعد خلال الموسم الزراعي الأخير بعد قيام بعض الأهالي بحراثة وزراعة مساحات من الأراضي، وإن الهيئة طلبت تنظيم التعامل مع المحصول المنتج من أراضٍ تعتبرها الدولة من أملاكها، بما يضمن عدم تحول استثمار الأرض إلى حق ملكية مكتسب.
وبحسب المفعلاني، رفض الأهالي ذلك، ما أدى إلى تصاعد الخلاف، محذراً من أن استمرار زراعة الأراضي المخالفة قد يؤدي إلى تطبيق الإجراءات القانونية المتعلقة بالمحاصيل والآليات المستخدمة في الزراعة.
في المقابل، يرى الأهالي أن هذه الإجراءات تضعهم أمام معادلة صعبة: إذا لم يزرعوا خسروا أحد أهم مصادر رزقهم، وإذا زرعوا فقد يواجهون، وفق مخاوفهم، إجراءات بحق الآليات والمحاصيل.
أي خط يفصل البادية عن المعمورة؟
خلف الخلاف على الزراعة والملكية، تقف مسألة أخرى قد تكون مفتاحاً لفهم القضية بأكملها: أين يقع الخط الذي يفصل البادية عن المعمورة؟
يقول الأهالي إن الخط الفاصل التاريخي لم يكن الطريق الحالي الواصل بين دمشق والسويداء، وإنما كان مرتبطاً بالطريق القديم المعروف محلياً باسم «طريق الجراد» أو «خط الجراد».
وبحسب رواية مختار الشقرانية يحيى الجفال، كان الخط القديم يقع شرق القرى، بينما أدى اعتماد الطريق الحالي، وفق اعتقاد الأهالي، إلى إدخال الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة والأراضي المحيطة بها ضمن نطاق البادية.
ويقدر الأهالي المسافة بين الخطين بعدة كيلومترات، ويرون أن هذا الفارق الجغرافي تحول إلى فارق قانوني ينعكس مباشرة على قدرتهم على استثمار الأرض وزراعتها.
غير أن هذه الرواية تفتح مجموعة من الأسئلة التي لا تستطيع الشهادات الشفهية وحدها حسمها: أين الخريطة الرسمية التي تحدد خط البادية؟ وما النص القانوني الذي رسم حدوده؟ وهل عُدّل الخط بالفعل بعد إنشاء الطريق الجديد، أم أن الطريق لم يغير الحدود القانونية أصلاً وحدث التباس في تفسير موقعها؟ وهل «خط الجراد» الذي يستند إليه الأهالي هو ذاته الخط المعتمد في الوثائق الرسمية؟
أسئلة تبدو فنية، لكنها تحمل في هذه القرى نتائج اقتصادية واجتماعية مباشرة.
مرسوم 1972.. ورواية «خط الأمطار»
يقدم شيخ قبيلة الجملان مزيد غصاب الجملان زاوية أخرى للمشكلة، إذ يقول إن الدولة لا تمنع زراعة هذه المساحات بصورة مطلقة، وإنما توجد إشكالية قانونية مرتبطة بتصنيفها.
ويشير الجملان إلى مرسوم يقول إنه صدر عام 1972 ووضع هذه المساحات تحت «خط الأمطار»، بما منحها صفة البادية.
ويقول إن اتصالات جرت مع وزير الزراعة ومديرية البادية في درعا ومحافظ درعا ومدير منطقة الصنمين، وإن الجهات التي جرى التواصل معها أبدت تعاوناً في البحث عن حل للإشكال.
ويتمثل الحل، بحسب طرحه، في رفع «خط الأمطار» عن المساحات محل الخلاف، بما يزيل عنها صفة البادية ويفتح الطريق أمام معالجة الوضع العقاري للأراضي، مشيراً إلى أن أي تغيير في الصفة القانونية للأرض يحتاج إلى معالجة قانونية ومرسوم جديد.
قضية تتجاوز السماح والمنع
تكشف هذه المعطيات أن القضية لا تختصر بمواجهة بين فلاح يريد حراثة أرضه وجهة رسمية تريد منعه، بل هي ملف تتقاطع فيه قوانين حماية البادية مع الملكية العقارية ومعايير الزراعة في المناطق الجافة وشبه الجافة، إلى جانب رواية تاريخية لدى السكان حول الخط الذي يفصل المعمورة عن البادية.
فالأهالي يستندون إلى وجود أراضٍ مستثمرة وأشجار زيتون ومحاصيل ومواشٍ، فيما تتمسك هيئة حماية البادية بأن طبيعة الأرض الهشة تجعل بعض أشكال الزراعة والحراثة المتكررة خطراً على التربة والغطاء النباتي.
والسكان يقولون إنهم ورثوا الأرض أباً عن جد، بينما ترى الهيئة أن الملكية لا تثبت بمجرد الحيازة والتوارث الاجتماعي، وإنما تحتاج إلى سند عقاري معترف به قانوناً.
أما مطالبة الأهالي بإعادة النظر في خط البادية، فتضع الملف أمام سؤال قانوني لا يمكن حسمه إلا بالعودة إلى الخرائط والوثائق والقرارات الرسمية التي حددت هذا الخط وحدود تطبيقه.
كيف تُحمى الأرض ومصدر الرزق معاً؟
المعضلة لا تتوقف عند إثبات الملكية أو تحديد الخط. فإذا كانت هذه الأراضي معرضة فعلاً للتصحر، فإن استمرار ممارسات زراعية غير ملائمة لطبيعتها قد يضعف قدرتها على الإنتاج مستقبلاً. وفي المقابل، إذا كانت الزراعة وتربية الحيوانات تشكلان مصدراً أساسياً لدخل السكان، فإن تقييد النشاط الزراعي من دون بدائل قابلة للحياة قد يترك آثاراً معيشية مباشرة على المجتمع المحلي.
ومن هنا، يبرز سؤال آخر: هل يمكن الوصول إلى صيغة تحمي الأرض والإنسان معاً؟
إحدى المسارات الممكنة التي تطرحها القضية تتمثل في إجراء مسح ميداني مشترك تشارك فيه الجهات الزراعية والبيئية والعقارية والموارد المائية، لتحديد الأراضي الصالحة للزراعة، والمساحات الأكثر هشاشة التي تحتاج إلى حماية، والمناطق المناسبة للرعي، ومصادر المياه التي يمكن استثمارها، بالتوازي مع معالجة مسألة الملكية بصورة واضحة ومستقلة عن ملف الاستخدام الزراعي.
الأهالي يقترحون أيضاً الاستفادة من مياه وادي اللواء وإقامة سد يمكن أن يسهم، بحسب تقديراتهم، في ري آلاف الدونمات وتحويل أجزاء من المنطقة من الزراعة البعلية إلى المروية، بما يرفع الإنتاج الزراعي ويوفر فرص عمل جديدة.
وفي المقابل، تتحدث هيئة حماية البادية عن المحميات الرعوية والنباتات الدائمة ومشاريع الاستصلاح التي يمكن تنفيذها بالشراكة مع المجتمع المحلي.
ولا تبدو الرؤيتان متعارضتين في كل تفاصيلهما؛ فكلتاهما تبحث، من زاوية مختلفة، عن وسيلة لاستثمار الأرض، لكن الخلاف يبقى قائماً حول طبيعة الاستثمار والصفة القانونية والملكية.
الوثيقة قبل الرواية
قبل البحث في الحلول الزراعية، تبقى الحاجة إلى حسم أصل القضية قانونياً.
ويقتضي ذلك إظهار الوثائق والخرائط الرسمية التي تحدد خط البادية و«خط الأمطار»، والقيود العقارية للأراضي محل الخلاف، والقرارات التي تنظم طبيعة الاستثمار الزراعي في منطقة الاستقرار الخامسة، إلى جانب الوثائق التي يمكن أن تثبت أو تنفي انتقال الخط من موقعه الذي يتحدث عنه الأهالي إلى الطريق الحالي.
فحسم هذه المسائل من شأنه نقل النقاش من الروايات المتعارضة إلى الوثيقة والقانون، وتحديد ما إذا كان أصل المشكلة في الحدود القانونية للبادية، أم في الملكية، أم في طريقة استخدام الأراضي، أم في تداخل هذه العوامل جميعاً.
في الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة، لا يتحدث السكان عن «خط» بوصفه مجرد حد إداري؛ بالنسبة إليهم، يرتبط الخط بأرض وشجرة وموسم قمح ورأس ماشية ومدرسة وبيت ومستقبل أبناء.
وفي الجهة المقابلة، تقول هيئة حماية البادية إنها لا تتحدث عن المنع لمجرد المنع، وإنما عن تربة هشة وغطاء نباتي مهدد وتصحر لا يتوقف عند حدود قرية أو محافظة.
لهذا، تتجاوز القضية قراراً بالسماح أو المنع إلى حاجة لحسمها بالقانون والخريطة والدليل العلمي، والوصول إلى صيغة تجعل حماية الأرض متوافقة مع مصالح المجتمع الذي يعيش عليها ويعتمد عليها.
فإذا كانت هذه القرى قد قطعت، كما يقول أهلها، رحلة طويلة من البداوة إلى الاستقرار، فإن التحدي اليوم يتمثل في الانتقال من زراعة يحيط بها الخلاف القانوني إلى استثمار واضح ومستدام، ومن أرض متنازع على صفتها إلى أرض محددة الملكية والاستخدام.
الأهالي يقولون إنهم استقروا وزرعوا وربوا مواشيهم وعلّموا أبناءهم وبنوا بيوتهم وحياتهم في هذه القرى، ولا يريدون العودة إلى الوراء.
في المقابل، تؤكد هيئة حماية البادية أن القضية ليست عقوبة للسكان أو منعاً للزراعة لمجرد المنع، بل تطبيق للقانون على أراض تعتبر الدولة جزءاً منها من أملاكها، وحماية لأرض هشة يهددها التصحر، مع طرح بدائل زراعية ورعوية تراها أكثر ملاءمة لطبيعتها.
وبين الروايتين يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة تستند إلى الوثيقة قبل التصريح: أين يبدأ خط البادية قانونياً؟ وهل تغيرت حدوده فعلاً عندما تغير الطريق على الخريطة؟
من البداوة إلى الاستقرار
يصف مختار الشقرانية يحيى الجفال التحول الذي شهدته هذه القرى بأنه رحلة طويلة من البداوة إلى الاستقرار، موضحاً أن سكانها كانوا في الأصل من البدو الرحل الذين اعتمدوا على الرعي والتنقل، قبل أن تبدأ عملية استقرارهم في القرى الحالية وانتقالهم تدريجياً إلى الزراعة إلى جانب تربية الحيوانات.
لكن التحول، بحسب الجفال، لم يكن اقتصادياً فقط، بل اجتماعياً وتعليمياً أيضاً.
وبين الروايتين يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة تستند إلى الوثيقة قبل التصريح: أين يبدأ خط البادية قانونياً؟ وهل تغيرت حدوده فعلاً عندما تغير الطريق على الخريطة؟
من البداوة إلى الاستقرار
يصف مختار الشقرانية يحيى الجفال التحول الذي شهدته هذه القرى بأنه رحلة طويلة من البداوة إلى الاستقرار، موضحاً أن سكانها كانوا في الأصل من البدو الرحل الذين اعتمدوا على الرعي والتنقل، قبل أن تبدأ عملية استقرارهم في القرى الحالية وانتقالهم تدريجياً إلى الزراعة إلى جانب تربية الحيوانات.
لكن التحول، بحسب الجفال، لم يكن اقتصادياً فقط، بل اجتماعياً وتعليمياً أيضاً.
فبعدما كانت الأمية واسعة الانتشار بين أبناء هذه المجتمعات، تضم القرى اليوم متعلمين وحملة شهادات في اختصاصات مختلفة، بينها الطب والعلوم والتعليم، إضافة إلى موظفين في مؤسسات الدولة.
ويقول الجفال إن هذا التحول أنتج مجتمعاً مستقراً لم تعد الأرض بالنسبة إليه مجرد مساحة للرعي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من اقتصاده ومصدر رزقه، فيما تمثل الزراعة وتربية الحيوانات اليوم اثنين من أهم مصادر دخل الأهالي.
ويتحدث الجفال عن أكثر من 20 ألف دونم من الأراضي في القرى المذكورة ومحيطها، يقول إن جزءاً كبيراً منها مستثمر زراعياً منذ أجيال، وإن نحو نصف هذه الأراضي يحمل، بحسب إفادته، «طابو أخضر»، بينما تخضع بقية الأراضي لقيود عقارية قديمة، بينها أراضٍ ذات قيود تعود إلى العهد العثماني أو تقع ضمن محاضر عقارية واحدة.
ويؤكد أن الأراضي التي لا تحمل «طابو أخضر» ليست، من وجهة نظر الأهالي، مجهولة أو مستحدثة، وإنما أراضٍ عرفها السكان واستثمروها وتوارثوها أباً عن جد، وهو ما يجعلهم يعتبرون أن لهم حقوقاً تاريخية فيها.
لكن هذه الرؤية تصطدم بالموقف الرسمي الذي يرى أن الحيازة أو التوارث الاجتماعي لا يشكلان، بمفردهما، سنداً عقارياً يثبت الملكية، وأن جزءاً من الأراضي محل الخلاف يعود إلى أملاك الدولة.
الأرض منتجة.. لكن ماذا يقول التصنيف؟
هنا تظهر إحدى عقد القضية الأساسية؛ فملكية الأرض مسألة، وحق زراعتها مسألة أخرى، وتصنيفها ضمن البادية مسألة ثالثة.
ويستدل الأهالي على الطبيعة الزراعية للمنطقة بما هو قائم بالفعل على الأرض، ويتحدثون عن وجود أكثر من 50 ألف شجرة زيتون، إضافة إلى تربية الأبقار والأغنام وزراعة محاصيل متنوعة بحسب المواسم وكميات الأمطار.
كما يشيرون إلى أن المنطقة تتلقى مياه أربعة أودية، هي وادي السخير ووادي أبصراب ووادي أبو خنافس ووادي اللواء القادم من جهة السويداء.
ويقول الجفال إن هذا التحول أنتج مجتمعاً مستقراً لم تعد الأرض بالنسبة إليه مجرد مساحة للرعي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من اقتصاده ومصدر رزقه، فيما تمثل الزراعة وتربية الحيوانات اليوم اثنين من أهم مصادر دخل الأهالي.
ويتحدث الجفال عن أكثر من 20 ألف دونم من الأراضي في القرى المذكورة ومحيطها، يقول إن جزءاً كبيراً منها مستثمر زراعياً منذ أجيال، وإن نحو نصف هذه الأراضي يحمل، بحسب إفادته، «طابو أخضر»، بينما تخضع بقية الأراضي لقيود عقارية قديمة، بينها أراضٍ ذات قيود تعود إلى العهد العثماني أو تقع ضمن محاضر عقارية واحدة.
ويؤكد أن الأراضي التي لا تحمل «طابو أخضر» ليست، من وجهة نظر الأهالي، مجهولة أو مستحدثة، وإنما أراضٍ عرفها السكان واستثمروها وتوارثوها أباً عن جد، وهو ما يجعلهم يعتبرون أن لهم حقوقاً تاريخية فيها.
لكن هذه الرؤية تصطدم بالموقف الرسمي الذي يرى أن الحيازة أو التوارث الاجتماعي لا يشكلان، بمفردهما، سنداً عقارياً يثبت الملكية، وأن جزءاً من الأراضي محل الخلاف يعود إلى أملاك الدولة.
الأرض منتجة.. لكن ماذا يقول التصنيف؟
هنا تظهر إحدى عقد القضية الأساسية؛ فملكية الأرض مسألة، وحق زراعتها مسألة أخرى، وتصنيفها ضمن البادية مسألة ثالثة.
ويستدل الأهالي على الطبيعة الزراعية للمنطقة بما هو قائم بالفعل على الأرض، ويتحدثون عن وجود أكثر من 50 ألف شجرة زيتون، إضافة إلى تربية الأبقار والأغنام وزراعة محاصيل متنوعة بحسب المواسم وكميات الأمطار.
كما يشيرون إلى أن المنطقة تتلقى مياه أربعة أودية، هي وادي السخير ووادي أبصراب ووادي أبو خنافس ووادي اللواء القادم من جهة السويداء.
ويقولون إن مياه هذه الأودية، ولا سيما خلال السنوات المطيرة، تتجمع في بعض الأراضي وتغمرها، قبل أن تُستثمر بعد انحسار المياه في زراعة محاصيل مختلفة، بينما تُزرع مساحات أخرى بالقمح والشعير شتاءً.
بالنسبة إلى الأهالي، هذه ليست أرضاً متروكة أو هامشية، وإنما أرض منتجة بالفعل. ومن هنا يطرحون سؤالهم: إذا كانت الأرض تقوم عليها أشجار ومحاصيل ومواشٍ، فلماذا تُعامل باعتبارها بادية تُمنع أو تُقيّد الزراعة فيها؟
هيئة حماية البادية: أرض هشة يهددها التصحر
في المقابل، يقدم مدير فرع هيئة حماية البادية في درعا المهندس حمزة المفعلاني رؤية مختلفة للقضية.
ويقول المفعلاني إن الأراضي موضوع الشكوى تقع ضمن منطقة الاستقرار الخامسة، وإنها ذات قيود عثمانية أو أميرية، معتبراً أن جزءاً منها يعود إلى أملاك الدولة.
ويصف هذه الأراضي بأنها ذات طبيعة خاصة وهشة ومعرضة للتصحر بسبب الممارسات الزراعية الخاطئة والتعديات المستمرة عليها، موضحاً أن هيئة حماية البادية تعمل على حماية الأراضي ووقف زحف التصحر، وتستند في عملها إلى القانون رقم 62 لعام 2006 وتعديلاته لعام 2024، إلى جانب التعليمات والتعاميم الصادرة عن وزارة الزراعة، ومتابعة التعديات عبر ضابطة الحماية التابعة للهيئة.
ويؤكد المفعلاني أن القضية، من وجهة نظر الهيئة، لا تختصر بفكرة أن الدولة تمنع الأهالي من الزراعة، بل تتعلق بطبيعة الأرض وطريقة استثمارها.
ويقول إن الهيئة تقدم بدائل للأهالي، من بينها زراعة نباتات رعوية دائمة الخضرة تحافظ على التربة وتؤمن جزءاً من الاحتياجات العلفية للثروة الحيوانية، إضافة إلى إمكانية إنشاء محميات رعوية تشاركية وتنفيذ أعمال الاستصلاح والزراعة على نفقة الدولة.
ويشير إلى تجربة محمية رعوية في منطقة جنوب معربة نفذتها الدولة، معتبراً أنها نموذج يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى، بما يسمح للسكان بالاستفادة من الرعي بالتوازي مع حماية الأرض.
الحراثة في مواجهة هشاشة التربة
ويشرح المفعلاني أن المشكلة الأساسية لا تكمن في رغبة السكان بالاستفادة من الأرض، وإنما في نوع الزراعة والممارسات المتبعة، وخصوصاً الحراثة المتكررة التي يقول إنها تؤثر في بنية التربة وتزيل النباتات الطبيعية الموجودة أصلاً، ما يزيد مخاطر التصحر.
ويؤكد أن الأراضي الجافة وشبه الجافة تحتاج إلى نمط زراعي يتناسب مع طبيعتها، وليس إلى ممارسات قد تستنزف التربة والموارد.
وبحسب المفعلاني، طرحت الهيئة بدائل تشمل النباتات الرعوية والزراعات الدائمة، كما طُرحت زراعة الزيتون ضمن شروط قانونية محددة، موضحاً أن من يرغب في استثمار أراضي الدولة يمكنه، وفق القانون، استئجارها واستثمارها وفق الشروط المحددة.
لكن هذه البدائل تفتح باباً على نقطة أكثر حساسية في الخلاف، ترتبط مباشرة بملكية الأرض.
الملكية تعقّد الحلول المطروحة
يقول المفعلاني إن بعض الأهالي رفضوا التعاون في مشاريع الاستصلاح والمحميات الرعوية، لأنهم يخشون أن يُفهم قبولهم بقيام الدولة بزراعة الأرض أو إقامة محمية عليها بوصفه إقراراً منهم بأنها من أملاك الدولة، بينما يتمسكون بما يعتبرونه حقوقاً تاريخية متوارثة في تلك الأراضي.
وهكذا ينتقل الخلاف من نوع النبات وطريقة الاستثمار إلى سؤال الملكية نفسه.
ويقول المفعلاني إن الخلاف تصاعد خلال الموسم الزراعي الأخير بعد قيام بعض الأهالي بحراثة وزراعة مساحات من الأراضي، وإن الهيئة طلبت تنظيم التعامل مع المحصول المنتج من أراضٍ تعتبرها الدولة من أملاكها، بما يضمن عدم تحول استثمار الأرض إلى حق ملكية مكتسب.
وبحسب المفعلاني، رفض الأهالي ذلك، ما أدى إلى تصاعد الخلاف، محذراً من أن استمرار زراعة الأراضي المخالفة قد يؤدي إلى تطبيق الإجراءات القانونية المتعلقة بالمحاصيل والآليات المستخدمة في الزراعة.
في المقابل، يرى الأهالي أن هذه الإجراءات تضعهم أمام معادلة صعبة: إذا لم يزرعوا خسروا أحد أهم مصادر رزقهم، وإذا زرعوا فقد يواجهون، وفق مخاوفهم، إجراءات بحق الآليات والمحاصيل.
أي خط يفصل البادية عن المعمورة؟
خلف الخلاف على الزراعة والملكية، تقف مسألة أخرى قد تكون مفتاحاً لفهم القضية بأكملها: أين يقع الخط الذي يفصل البادية عن المعمورة؟
يقول الأهالي إن الخط الفاصل التاريخي لم يكن الطريق الحالي الواصل بين دمشق والسويداء، وإنما كان مرتبطاً بالطريق القديم المعروف محلياً باسم «طريق الجراد» أو «خط الجراد».
وبحسب رواية مختار الشقرانية يحيى الجفال، كان الخط القديم يقع شرق القرى، بينما أدى اعتماد الطريق الحالي، وفق اعتقاد الأهالي، إلى إدخال الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة والأراضي المحيطة بها ضمن نطاق البادية.
ويقدر الأهالي المسافة بين الخطين بعدة كيلومترات، ويرون أن هذا الفارق الجغرافي تحول إلى فارق قانوني ينعكس مباشرة على قدرتهم على استثمار الأرض وزراعتها.
غير أن هذه الرواية تفتح مجموعة من الأسئلة التي لا تستطيع الشهادات الشفهية وحدها حسمها: أين الخريطة الرسمية التي تحدد خط البادية؟ وما النص القانوني الذي رسم حدوده؟ وهل عُدّل الخط بالفعل بعد إنشاء الطريق الجديد، أم أن الطريق لم يغير الحدود القانونية أصلاً وحدث التباس في تفسير موقعها؟ وهل «خط الجراد» الذي يستند إليه الأهالي هو ذاته الخط المعتمد في الوثائق الرسمية؟
أسئلة تبدو فنية، لكنها تحمل في هذه القرى نتائج اقتصادية واجتماعية مباشرة.
مرسوم 1972.. ورواية «خط الأمطار»
يقدم شيخ قبيلة الجملان مزيد غصاب الجملان زاوية أخرى للمشكلة، إذ يقول إن الدولة لا تمنع زراعة هذه المساحات بصورة مطلقة، وإنما توجد إشكالية قانونية مرتبطة بتصنيفها.
ويشير الجملان إلى مرسوم يقول إنه صدر عام 1972 ووضع هذه المساحات تحت «خط الأمطار»، بما منحها صفة البادية.
ويقول إن اتصالات جرت مع وزير الزراعة ومديرية البادية في درعا ومحافظ درعا ومدير منطقة الصنمين، وإن الجهات التي جرى التواصل معها أبدت تعاوناً في البحث عن حل للإشكال.
ويتمثل الحل، بحسب طرحه، في رفع «خط الأمطار» عن المساحات محل الخلاف، بما يزيل عنها صفة البادية ويفتح الطريق أمام معالجة الوضع العقاري للأراضي، مشيراً إلى أن أي تغيير في الصفة القانونية للأرض يحتاج إلى معالجة قانونية ومرسوم جديد.
قضية تتجاوز السماح والمنع
تكشف هذه المعطيات أن القضية لا تختصر بمواجهة بين فلاح يريد حراثة أرضه وجهة رسمية تريد منعه، بل هي ملف تتقاطع فيه قوانين حماية البادية مع الملكية العقارية ومعايير الزراعة في المناطق الجافة وشبه الجافة، إلى جانب رواية تاريخية لدى السكان حول الخط الذي يفصل المعمورة عن البادية.
فالأهالي يستندون إلى وجود أراضٍ مستثمرة وأشجار زيتون ومحاصيل ومواشٍ، فيما تتمسك هيئة حماية البادية بأن طبيعة الأرض الهشة تجعل بعض أشكال الزراعة والحراثة المتكررة خطراً على التربة والغطاء النباتي.
والسكان يقولون إنهم ورثوا الأرض أباً عن جد، بينما ترى الهيئة أن الملكية لا تثبت بمجرد الحيازة والتوارث الاجتماعي، وإنما تحتاج إلى سند عقاري معترف به قانوناً.
أما مطالبة الأهالي بإعادة النظر في خط البادية، فتضع الملف أمام سؤال قانوني لا يمكن حسمه إلا بالعودة إلى الخرائط والوثائق والقرارات الرسمية التي حددت هذا الخط وحدود تطبيقه.
كيف تُحمى الأرض ومصدر الرزق معاً؟
المعضلة لا تتوقف عند إثبات الملكية أو تحديد الخط. فإذا كانت هذه الأراضي معرضة فعلاً للتصحر، فإن استمرار ممارسات زراعية غير ملائمة لطبيعتها قد يضعف قدرتها على الإنتاج مستقبلاً. وفي المقابل، إذا كانت الزراعة وتربية الحيوانات تشكلان مصدراً أساسياً لدخل السكان، فإن تقييد النشاط الزراعي من دون بدائل قابلة للحياة قد يترك آثاراً معيشية مباشرة على المجتمع المحلي.
ومن هنا، يبرز سؤال آخر: هل يمكن الوصول إلى صيغة تحمي الأرض والإنسان معاً؟
إحدى المسارات الممكنة التي تطرحها القضية تتمثل في إجراء مسح ميداني مشترك تشارك فيه الجهات الزراعية والبيئية والعقارية والموارد المائية، لتحديد الأراضي الصالحة للزراعة، والمساحات الأكثر هشاشة التي تحتاج إلى حماية، والمناطق المناسبة للرعي، ومصادر المياه التي يمكن استثمارها، بالتوازي مع معالجة مسألة الملكية بصورة واضحة ومستقلة عن ملف الاستخدام الزراعي.
الأهالي يقترحون أيضاً الاستفادة من مياه وادي اللواء وإقامة سد يمكن أن يسهم، بحسب تقديراتهم، في ري آلاف الدونمات وتحويل أجزاء من المنطقة من الزراعة البعلية إلى المروية، بما يرفع الإنتاج الزراعي ويوفر فرص عمل جديدة.
وفي المقابل، تتحدث هيئة حماية البادية عن المحميات الرعوية والنباتات الدائمة ومشاريع الاستصلاح التي يمكن تنفيذها بالشراكة مع المجتمع المحلي.
ولا تبدو الرؤيتان متعارضتين في كل تفاصيلهما؛ فكلتاهما تبحث، من زاوية مختلفة، عن وسيلة لاستثمار الأرض، لكن الخلاف يبقى قائماً حول طبيعة الاستثمار والصفة القانونية والملكية.
الوثيقة قبل الرواية
قبل البحث في الحلول الزراعية، تبقى الحاجة إلى حسم أصل القضية قانونياً.
ويقتضي ذلك إظهار الوثائق والخرائط الرسمية التي تحدد خط البادية و«خط الأمطار»، والقيود العقارية للأراضي محل الخلاف، والقرارات التي تنظم طبيعة الاستثمار الزراعي في منطقة الاستقرار الخامسة، إلى جانب الوثائق التي يمكن أن تثبت أو تنفي انتقال الخط من موقعه الذي يتحدث عنه الأهالي إلى الطريق الحالي.
فحسم هذه المسائل من شأنه نقل النقاش من الروايات المتعارضة إلى الوثيقة والقانون، وتحديد ما إذا كان أصل المشكلة في الحدود القانونية للبادية، أم في الملكية، أم في طريقة استخدام الأراضي، أم في تداخل هذه العوامل جميعاً.
في الشقرانية والسويمرة وبلي وأبو صرة، لا يتحدث السكان عن «خط» بوصفه مجرد حد إداري؛ بالنسبة إليهم، يرتبط الخط بأرض وشجرة وموسم قمح ورأس ماشية ومدرسة وبيت ومستقبل أبناء.
وفي الجهة المقابلة، تقول هيئة حماية البادية إنها لا تتحدث عن المنع لمجرد المنع، وإنما عن تربة هشة وغطاء نباتي مهدد وتصحر لا يتوقف عند حدود قرية أو محافظة.
لهذا، تتجاوز القضية قراراً بالسماح أو المنع إلى حاجة لحسمها بالقانون والخريطة والدليل العلمي، والوصول إلى صيغة تجعل حماية الأرض متوافقة مع مصالح المجتمع الذي يعيش عليها ويعتمد عليها.
فإذا كانت هذه القرى قد قطعت، كما يقول أهلها، رحلة طويلة من البداوة إلى الاستقرار، فإن التحدي اليوم يتمثل في الانتقال من زراعة يحيط بها الخلاف القانوني إلى استثمار واضح ومستدام، ومن أرض متنازع على صفتها إلى أرض محددة الملكية والاستخدام.


