سوريا - اقتصاد
إعادة الإعمار.. هل تكفي الموارد المحلية؟
180 مليار دولار لتغطية احتياجات النهوض الاقتصادي. والخبير عروة الزعبي يدعو إلى استراتيجية تمويل تجمع المدخرات المحلية وأموال المغتربين والاستثمار الخارجي
م
منير الرفاعي
نشر في: ١ نوفمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٤٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تواجه سوريا معضلة تمويل إعادة الإعمار في ظل اتساع الاحتياجات الاقتصادية، ومحدودية الموارد المتاحة. وبينما تبرز الدعوات إلى الاعتماد على الإمكانات المحلية لتقليل الارتهان للتمويل الخارجي، يبقى السؤال حول قدرة رأس المال السوري وحده على تغطية فاتورة التعافي، وبناء اقتصاد قادر على استعادة نشاطه وتوسيع إنتاجه.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه مع "العين السورية" أن الاعتماد على رأس المال المحلي وحده ليس واقعياً بالنظر إلى حجم الاحتياجات، لكنه أصبح ضرورة استراتيجية في الظروف الحالية، مشيراً إلى أن دراسة أعدها قبل أربع سنوات قدّرت الحاجة إلى نحو 180 مليار دولار لتغطية أساسيات النهوض الاقتصادي، وترتفع إلى 420 مليار دولار إذا كان الهدف بناء اقتصاد رائد على مستوى المنطقة.
ويشير الزعبي إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر تراجع بصورة حادة، لافتاً إلى أنه حتى في حال عودته إلى مستوياته السابقة للحرب، المقدرة بنحو مليار دولار سنوياً، فلن يغطي سوى نسبة محدودة من احتياجات إعادة الإعمار، لا تتجاوز 0.4% وفق تقديراته.
وبناء على ذلك، يدعو إلى استراتيجية تمويل مختلطة تجمع المدخرات المحلية وأموال السوريين في الخارج، إلى جانب قروض دولية مدروسة بعناية، على أن تُوجّه الأخيرة حصراً إلى المشاريع الإنتاجية طويلة الأمد.
الاستثمار يبدأ من ضمانات الملكية
لا يقتصر جذب رأس المال المحلي على توفير الفرص الاستثمارية، بل يرتبط بمدى ثقة المستثمر بالبيئة القانونية والإدارية وقدرتها على حماية أمواله ومشاريعه من المخاطر غير التجارية.
وفي هذا السياق، يحدد الزعبي مجموعة من التعديلات التشريعية التي يرى أنها ضرورية لتحسين مناخ الاستثمار، في مقدمتها توفير ضمانات قانونية تمنع الحجز أو فرض الحراسة أو نزع الملكية إلا بموجب حكم قضائي قطعي، إلى جانب منع إلغاء الإجازات الاستثمارية بصورة تعسفية.
كما يدعو إلى منح هيئة الاستثمار السورية استقلالاً مالياً وإدارياً وصلاحيات تنفيذية فعلية، وتفعيل مركز خدمات المستثمرين ليكون نافذة واحدة تختصر الإجراءات وتحد من التنقل بين المؤسسات الحكومية.
ويربط الزعبي الحوافز الاستثمارية بتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، من خلال اشتراط تشغيل نسبة لا تقل عن 70% من العمالة السورية في المشاريع المستفيدة من التسهيلات، بما يضمن ارتباط الاستثمار بتوفير فرص العمل ونقل النشاط الاقتصادي إلى الداخل.
أما على صعيد السياسة الضريبية، فيرى أن المطلوب ليس تقديم إعفاءات شاملة ومفتوحة، بل تصميم حوافز مشروطة ومرحلية تراعي حجم الضرر الذي تعرضت له المنشآت، وتدعم عودة الأصول الإنتاجية المتضررة إلى العمل.
ويقترح منح إعفاءات مرتبطة بالتشغيل والتصدير، مع إلزام المستفيدين بتوجيه الأموال المعفاة إلى إعادة الاستثمار، مثل شراء المواد الأولية وصيانة خطوط الإنتاج، بدلاً من استخدامها في الإنفاق الاستهلاكي، بما يسمح بتوسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية مستقبلاً.
المصارف.. مدخرات موجودة وتمويل غائب
يمثل القطاع المصرفي أحد المفاتيح الأساسية لتحويل المدخرات إلى استثمارات، إلا أن الزعبي يرى أن المصارف السورية تواجه اختلالات بنيوية تحد من قدرتها على أداء هذا الدور، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق فقط بالقدرات التقنية، وإنما أيضاً بآليات السياسة النقدية.
ويشير إلى أن احتجاز جزء كبير من السيولة لدى مصرف سوريا المركزي يحد من قدرة المصارف على الإقراض، في ظل غياب أدوات نقدية ومالية فاعلة، من بينها سوق نشطة للسندات الحكومية، فضلاً عن عدم قدرة أسعار الفائدة الإدارية على عكس ظروف السوق وتكلفة التمويل الحقيقية.
ويضيف أن ضعف الثقة بالنظام المصرفي يقلل من قدرة المصارف على استقطاب المدخرات، فيما تشكل محدودية الضمانات الائتمانية وضعف البنية التحتية الرقمية عقبات إضافية أمام تمويل المشاريع الصغيرة والإنتاجية.
ومن هنا، تبرز أهمية إصلاح البيئة المصرفية والنقدية بالتوازي مع إصلاح قوانين الاستثمار، إذ إن وجود مدخرات محلية لا يعني بالضرورة توافر تمويل استثماري ما لم تتوافر مؤسسات قادرة على جمعها وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة.
أموال المغتربين.. فرصة مشروطة باستعادة الثقة
في مواجهة محدودية التمويل المحلي والأجنبي، يضع الزعبي أموال السوريين في الخارج ضمن أبرز مصادر التمويل الممكنة، لكنه يشدد على أن استعادتها لا تتحقق بمجرد إطلاق الدعوات، وإنما تتطلب تحويل التحويلات المالية من الاستهلاك إلى الاستثمار.
ويقترح في هذا الإطار إصدار سندات للمغتربين على شكل شهادات ادخار بالدولار، بعوائد ثابتة وضمانات سيادية، مع نشر تقارير دورية توضح كيفية استخدام الأموال، وتوجيهها إلى مشاريع استراتيجية في الطاقة والزراعة والنقل.
كما يطرح إنشاء صناديق استثمار قطاعية تتيح للسوريين في الخارج المشاركة في تمويل مشاريع التكنولوجيا والطاقة المتجددة والعقارات والصناعات النوعية.
ويكشف الزعبي عن دراسة أعدها عام 2025 تتناول إنشاء صندوق استثماري يهدف إلى تعبئة 100 مليار دولار من أموال السوريين وحدهم لتمويل إعادة الإعمار حتى عام 2035، وهو تصور تمويلي يستند إلى قدرة المغتربين على المساهمة في مشاريع طويلة الأجل، لكنه يبقى مرتبطاً بتوافر الضمانات والآليات التنفيذية اللازمة.
ويضع الخبير استعادة الثقة في مقدمة شروط نجاح هذه الطروحات، مشيراً إلى ضرورة حماية الملكية الفردية والاعتبارية بضمانات دستورية، وتحقيق الاستقرار النقدي، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، وتعزيز الشفافية في السياسات الاقتصادية.
الشراكات الخارجية.. بين التمويل وحماية المصالح
ورغم أهمية الاستثمار الأجنبي في نقل التكنولوجيا والخبرات وتوفير التمويل، يحذر الزعبي من مخاطر الشراكات غير المتوازنة، خصوصاً في ظل ضعف البنية الرقابية والتشريعية، وما قد يترتب على ذلك من تهرب ضريبي أو حصول الشركات على امتيازات لا تتناسب مع العوائد التي تحققها للاقتصاد السوري.
كما يشير إلى أن استمرار بعض أشكال العقوبات والغموض القانوني المحيط بالبيئة الاستثمارية يرفع مستوى المخاطر أمام المستثمرين، بينما تبرز مخاوف أخرى تتعلق بالشراكات في القطاعات الاستراتيجية، ولا سيما الطاقة، إذا غابت الشفافية والرقابة المستقلة وضمانات حماية الموارد الوطنية.
وفي المقابل، يستشهد الزعبي بتجارب ألمانيا واليابان ورواندا وفيتنام، بوصفها نماذج يمكن الاستفادة منها في التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى أهمية بناء المؤسسات، ووضع رؤية واضحة لإدارة الموارد، والاستثمار في التعليم والصحة والمهارات، إلى جانب الانفتاح التجاري التدريجي الذي يسمح بتعزيز القدرات المحلية دون الانعزال عن الاقتصاد العالمي.
كيف يُقاس نجاح الاعتماد على الذات؟
لا يمكن قياس نجاح استراتيجية الاعتماد على الذات بحجم الأموال التي جرى جمعها فقط، بل بقدرتها على تحويل التمويل إلى إنتاج وفرص عمل وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفي هذا الإطار، يحدد الزعبي مجموعة من المؤشرات التي ينبغي مراقبتها، أبرزها تطور العلاقة بين الادخار والاستثمار المحليين، والميزان التجاري، ومستويات الأمن الغذائي، وحجم الدين الخارجي مقارنة بالناتج المحلي، إضافة إلى مؤشر إحلال الواردات في قطاعات حيوية مثل الغذاء والدواء ومواد البناء.
ويشير إلى أن عودة إنتاج القمح تدريجياً إلى مستويات ما قبل عام 2011، على سبيل المثال، من شأنها تقليل فاتورة الاستيراد والحفاظ على القطع الأجنبي، فيما يعكس نمو الإنتاج المحلي في القطاعات الأساسية قدرة الاقتصاد على تلبية جزء أكبر من احتياجاته من الداخل.
وبذلك، لا يبدو الاعتماد على الذات في الحالة السورية مرادفاً للاستغناء عن الاستثمار الأجنبي أو التمويل الخارجي، بل يرتبط ببناء قاعدة إنتاجية قادرة على تعبئة المدخرات المحلية واستثمارها بكفاءة، واستقطاب أموال المغتربين، وإدارة الشراكات الدولية وفق المصالح الاقتصادية الوطنية.
ويبقى التحدي الأساسي في قدرة السياسات الاقتصادية على تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات فعلية، ضمن بيئة قانونية ونقدية مستقرة، تجعل رأس المال السوري يرى في العودة إلى الاستثمار فرصة قابلة للحساب، لا مخاطرة يصعب تقدير نتائجها.


