سوريا - اقتصاد
المتر بآلاف الدولارات.. العقارات تحلق بعيداً عن السوريين فمن يشتريها اليوم؟
من المالكي وأبو رمانة إلى كفرسوسة.. سوق عقارية بأسعار تتجاوز قدرة الرواتب.. فمن يشتري العقار اليوم؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم يعد السؤال: أين أشتري منزلاً؟ بل: هل يمكنني شراء منزل أصلاً؟ فالشقة التي كانت حلماً يحتاج سنوات من الادخار، أصبحت اليوم في بعض أحياء دمشق تحتاج إلى مئات آلاف الدولارات، بينما يقف الدخل الشهري بعيداً عن هذه الأرقام.
خلف أسعار المتر التي تُحسب بآلاف الدولارات، حكايات شباب يؤجلون الاستقرار، وعائلات تبحث عن مساحة تناسب دخلها، وعائدين يفكرون في تكلفة البداية من جديد.
بالنسبة إلى كثير من السوريين، لم يعد السؤال: أين أشتري منزلاً؟ بل: هل يمكنني شراء منزل أصلاً؟ فالشقة التي كانت حلماً يحتاج سنوات من الادخار، أصبحت اليوم في بعض أحياء دمشق تحتاج إلى مئات آلاف الدولارات، بينما يقف الدخل الشهري بعيداً عن هذه الأرقام.
خلف أسعار المتر التي تُحسب بآلاف الدولارات، حكايات شباب يؤجلون الاستقرار، وعائلات تبحث عن مساحة تناسب دخلها، وعائدين يفكرون في تكلفة البداية من جديد.
وبين منزل يتحول إلى أصل لحفظ الثروة، وآخر يبتعد عن قدرة المواطن على امتلاكه، تكشف السوق العقارية عن فجوة تتجاوز أسعار البناء إلى سؤال أكثر حساسية: لمن أصبح السكن ممكناً في دمشق اليوم؟
ألف دولار للمتر في حي، وألفان أو ثلاثة آلاف في حي آخر، فيما تحتاج بعض الشقق قيد الإنشاء إلى مئات آلاف الدولارات قبل أن تصبح جاهزة للسكن. هكذا تبدو خريطة العقارات السورية اليوم: أسعار تتسع صعوداً، في سوق لا تتحرك فيها قيمة العقار بالسرعة نفسها التي تتحرك بها قدرة المواطن على الشراء.
تكشف مؤشرات حديثة من"أهل الكار " عن أسعار تصل في حي المالكي بدمشق، يدور سعر المتر في بعض العروض حول 1143 دولاراً، وفي أبو رمانة نحو 1100 دولار، وفي المزة فيلات قرابة 1098 دولاراً، بينما يصل في كفرسوسة إلى نحو 915 دولاراً. وفي مناطق أخرى تتجاوز الأسعار حاجز الألف دولار للمتر، وصولاً إلى مستويات تقارب 2000 و3000 دولار في بعض المواقع.
هذه الأرقام تعكس أسعار العرض والطلب المتداولة، وليست سجلاً رسمياً لأسعار الصفقات التي أُنجزت فعلياً.
كما أن الفرق بين السعر المعلن والسعر المنفذ فعلياً يظل عاملاً أساسياً في قراءة السوق. فالإعلان قد يضع رقماً مرتفعاً، لكن الصفقة النهائية قد تتم بسعر مختلف بعد التفاوض وشروط الدفع وحالة العقار.
لذلك تحتاج السوق العقارية إلى بيانات أكثر دقة حول الصفقات المنفذة، لا الاكتفاء بأسعار العرض، حتى يصبح بالإمكان قياس اتجاهات السوق بصورة اقتصادية واضحة، ومعرفة ما إذا كانت الأسعار المرتفعة تعكس طلباً حقيقياً أم توقعات سعرية.
من ارتفاع الأسعار إلى حركة الاقتصاد:
ويرى الخبير ان قطاع العقارات لا يعمل بمفرده وان. أي انتعاش حقيقي فيه يمكن أن ينعكس على البناء ومواد الإنشاء والصناعات المرتبطة بها والنقل والخدمات والتمويل والتشغيل.
لكن تحويل هذا القطاع إلى أثر اقتصادي واسع يتطلب أن تتجه الاستثمارات نحو البناء المنتج، لا نحو ارتفاع أسعار الأصول فقط، وأن يتوسع المعروض السكني بما يتناسب مع احتياجات السكان وقدرتهم على الدفع.
وتزداد أهمية هذا المسار مع عودة السوريين من الخارج، إذ يمكن للأموال التي تدخل السوق العقارية أن تتحول إلى عنصر تمويل للإعمار، شرط أن تتجه إلى مشاريع فعلية تضيف وحدات سكنية وتخلق نشاطاً اقتصادياً، بدلاً من أن تنتهي إلى مزيد من المضاربة على الأراضي والعقارات القائمة.
وبذلك نستطيع القول ان ، يصبح السكن الاجتماعي أحد المسارات التي يمكن أن تربط الاستثمار بحاجة السكان، خصوصاً العائدين وأصحاب الدخول المحدودة، بدلاً من أن يبقى الجزء الأكبر من السوق موجهاً إلى الشرائح القادرة على دفع أسعار مرتفعة.
فالرهان الحقيقي ليس ان ترتفع أسعار العقارات أكثر، وإنما على أن تتحول الحركة العقارية إلى قوة تدفع الإعمار والتشغيل والاستثمار، وتعيد في الوقت نفسه السكن إلى دائرة الممكن بالنسبة إلى المواطن.
ألف دولار للمتر في حي، وألفان أو ثلاثة آلاف في حي آخر، فيما تحتاج بعض الشقق قيد الإنشاء إلى مئات آلاف الدولارات قبل أن تصبح جاهزة للسكن. هكذا تبدو خريطة العقارات السورية اليوم: أسعار تتسع صعوداً، في سوق لا تتحرك فيها قيمة العقار بالسرعة نفسها التي تتحرك بها قدرة المواطن على الشراء.
تكشف مؤشرات حديثة من"أهل الكار " عن أسعار تصل في حي المالكي بدمشق، يدور سعر المتر في بعض العروض حول 1143 دولاراً، وفي أبو رمانة نحو 1100 دولار، وفي المزة فيلات قرابة 1098 دولاراً، بينما يصل في كفرسوسة إلى نحو 915 دولاراً. وفي مناطق أخرى تتجاوز الأسعار حاجز الألف دولار للمتر، وصولاً إلى مستويات تقارب 2000 و3000 دولار في بعض المواقع.
هذه الأرقام تعكس أسعار العرض والطلب المتداولة، وليست سجلاً رسمياً لأسعار الصفقات التي أُنجزت فعلياً.
واللافت أن العقارات قيد الإنشاء نفسها تتحرك ضمن نطاق واسع، إذ تبدأ بعض العروض من نحو 30 ألف دولار، بينما تتجاوز في مشاريع أخرى 300 ألف دولار، تبعاً للموقع والمساحة ونسبة الإنجاز ومستوى الإكساء والخدمات وشروط السداد.
المشكلة الاقتصادية هنا لا تختصر في ارتفاع سعر المتر، بل في اتساع المسافة بين قيمة العقار والدخل الذي يفترض أن يمول امتلاكه. فكلما ارتفع الأصل بعيداً عن نمو الدخول، تغيرت طبيعة السوق: من سوق يشتري فيها المواطن منزلاً من مدخراته ودخله، إلى سوق يحتاج فيها المشتري إلى رأس مال مسبق أو تمويل طويل الأجل أو أموال قادمة من الخارج.
العقار مخزناً للثروة!
الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى يضع السوق العقارية ضمن صورة أوسع تتعلق بدور العقار في الاقتصاد، إذ يرى أن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تتوقف عند البناء، وإنما تمتد إلى دورة تشمل الإنشاءات ومواد البناء والتجارة والخدمات وفرص العمل. وبهذا المعنى، لا تكفي زيادة قيمة العقار بحد ذاتها لقياس أثره الاقتصادي. فالعقار يصبح أكثر تأثيراً عندما يخلق طلباً على الإسمنت والحديد والأدوات الهندسية والنقل والخدمات، ويفتح المجال أمام استثمارات وفرص عمل جديدة.
أما إذا اقتصر ارتفاع الأسعار على إعادة تقييم الأراضي والوحدات القائمة، فقد ترتفع قيمة الأصول من دون أن يكون هناك نمو اقتصادي بالمقدار نفسه.
ويرى الخبير ان العقار، في ظل محدودية أدوات الاستثمار وتراجع القوة الشرائية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحفظ المدخرات، خصوصاً بالنسبة إلى من يمتلك رأس مال يستطيع تحويله إلى أصل ثابت.
الفجوة تبدأ من الدخل
الاستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق "د.شفيق عربش" يضع القدرة الشرائية في قلب معادلة السكن، إذ إن ارتفاع أسعار العقارات مع محدودية الدخول يوسع الفجوة بين من يملك رأس المال ومن يعتمد على الدخل الشهري.
فحتى عندما تتوافر شقق جديدة في السوق، فإن وجود المعروض لا يعني تلقائياً إمكانية تملكها. سعر الأرض، وتكاليف البناء والإكساء، والخدمات، وموقع العقار، إلى جانب شروط التمويل، كلها تدخل في تحديد السعر النهائي. لكنه يرى ان العامل الحاسم بالنسبة للمواطن هو قدرته على تمويل الشراء.
وهذا ما يجعل التمويل العقاري طويل الأجل جزءاً أساسياً من أي معالجة لسوق السكن؛ لأن الاعتماد على دخل المواطن وحده لا يسمح لشريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة بتحمل أسعار العقارات التي تقدر قيمتها بآلاف الدولارات للمتر الواحد .
سوق واحدة.. أسعار متعددة
ومن جهة اخرى لا يمكن اختزال العقارات السورية في متوسط واحد. فالفوارق بين المدن والأحياء كبيرة، وحتى داخل دمشق نفسها تتغير الأسعار بصورة واضحة تبعاً للموقع والخدمات وطبيعة البناء.
المشكلة الاقتصادية هنا لا تختصر في ارتفاع سعر المتر، بل في اتساع المسافة بين قيمة العقار والدخل الذي يفترض أن يمول امتلاكه. فكلما ارتفع الأصل بعيداً عن نمو الدخول، تغيرت طبيعة السوق: من سوق يشتري فيها المواطن منزلاً من مدخراته ودخله، إلى سوق يحتاج فيها المشتري إلى رأس مال مسبق أو تمويل طويل الأجل أو أموال قادمة من الخارج.
العقار مخزناً للثروة!
الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى يضع السوق العقارية ضمن صورة أوسع تتعلق بدور العقار في الاقتصاد، إذ يرى أن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تتوقف عند البناء، وإنما تمتد إلى دورة تشمل الإنشاءات ومواد البناء والتجارة والخدمات وفرص العمل. وبهذا المعنى، لا تكفي زيادة قيمة العقار بحد ذاتها لقياس أثره الاقتصادي. فالعقار يصبح أكثر تأثيراً عندما يخلق طلباً على الإسمنت والحديد والأدوات الهندسية والنقل والخدمات، ويفتح المجال أمام استثمارات وفرص عمل جديدة.
أما إذا اقتصر ارتفاع الأسعار على إعادة تقييم الأراضي والوحدات القائمة، فقد ترتفع قيمة الأصول من دون أن يكون هناك نمو اقتصادي بالمقدار نفسه.
ويرى الخبير ان العقار، في ظل محدودية أدوات الاستثمار وتراجع القوة الشرائية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحفظ المدخرات، خصوصاً بالنسبة إلى من يمتلك رأس مال يستطيع تحويله إلى أصل ثابت.
الفجوة تبدأ من الدخل
الاستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق "د.شفيق عربش" يضع القدرة الشرائية في قلب معادلة السكن، إذ إن ارتفاع أسعار العقارات مع محدودية الدخول يوسع الفجوة بين من يملك رأس المال ومن يعتمد على الدخل الشهري.
فحتى عندما تتوافر شقق جديدة في السوق، فإن وجود المعروض لا يعني تلقائياً إمكانية تملكها. سعر الأرض، وتكاليف البناء والإكساء، والخدمات، وموقع العقار، إلى جانب شروط التمويل، كلها تدخل في تحديد السعر النهائي. لكنه يرى ان العامل الحاسم بالنسبة للمواطن هو قدرته على تمويل الشراء.
وهذا ما يجعل التمويل العقاري طويل الأجل جزءاً أساسياً من أي معالجة لسوق السكن؛ لأن الاعتماد على دخل المواطن وحده لا يسمح لشريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة بتحمل أسعار العقارات التي تقدر قيمتها بآلاف الدولارات للمتر الواحد .
سوق واحدة.. أسعار متعددة
ومن جهة اخرى لا يمكن اختزال العقارات السورية في متوسط واحد. فالفوارق بين المدن والأحياء كبيرة، وحتى داخل دمشق نفسها تتغير الأسعار بصورة واضحة تبعاً للموقع والخدمات وطبيعة البناء.
كما أن الفرق بين السعر المعلن والسعر المنفذ فعلياً يظل عاملاً أساسياً في قراءة السوق. فالإعلان قد يضع رقماً مرتفعاً، لكن الصفقة النهائية قد تتم بسعر مختلف بعد التفاوض وشروط الدفع وحالة العقار.
لذلك تحتاج السوق العقارية إلى بيانات أكثر دقة حول الصفقات المنفذة، لا الاكتفاء بأسعار العرض، حتى يصبح بالإمكان قياس اتجاهات السوق بصورة اقتصادية واضحة، ومعرفة ما إذا كانت الأسعار المرتفعة تعكس طلباً حقيقياً أم توقعات سعرية.
من ارتفاع الأسعار إلى حركة الاقتصاد:
ويرى الخبير ان قطاع العقارات لا يعمل بمفرده وان. أي انتعاش حقيقي فيه يمكن أن ينعكس على البناء ومواد الإنشاء والصناعات المرتبطة بها والنقل والخدمات والتمويل والتشغيل.
لكن تحويل هذا القطاع إلى أثر اقتصادي واسع يتطلب أن تتجه الاستثمارات نحو البناء المنتج، لا نحو ارتفاع أسعار الأصول فقط، وأن يتوسع المعروض السكني بما يتناسب مع احتياجات السكان وقدرتهم على الدفع.
وتزداد أهمية هذا المسار مع عودة السوريين من الخارج، إذ يمكن للأموال التي تدخل السوق العقارية أن تتحول إلى عنصر تمويل للإعمار، شرط أن تتجه إلى مشاريع فعلية تضيف وحدات سكنية وتخلق نشاطاً اقتصادياً، بدلاً من أن تنتهي إلى مزيد من المضاربة على الأراضي والعقارات القائمة.
وبذلك نستطيع القول ان ، يصبح السكن الاجتماعي أحد المسارات التي يمكن أن تربط الاستثمار بحاجة السكان، خصوصاً العائدين وأصحاب الدخول المحدودة، بدلاً من أن يبقى الجزء الأكبر من السوق موجهاً إلى الشرائح القادرة على دفع أسعار مرتفعة.
فالرهان الحقيقي ليس ان ترتفع أسعار العقارات أكثر، وإنما على أن تتحول الحركة العقارية إلى قوة تدفع الإعمار والتشغيل والاستثمار، وتعيد في الوقت نفسه السكن إلى دائرة الممكن بالنسبة إلى المواطن.
عندها فقط يمكن للقطاع العقاري أن يؤدي دوره كقاطرة للتحرك الاقتصادي، لا كسوق ترتفع قيمتها بينما يبتعد عنها أصحاب الدخول أكثر واكثر ويصبح السكن حلم صعب المنال!!


