سوريا - اقتصاد
العراق يكثّف خطواته.. هل يعيد "ممر المتوسط" رسم خريطة النفط الإقليمية؟
ر
رهام علي
نشر في: ٢٤ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:١٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتسارع التحركات العراقية لإعادة صياغة استراتيجية تصدير النفط، بعد الأزمات والاضطرابات المتكررة التي هددت أمن الطاقة والملاحة البحرية في المنطقة. وفي خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً نحو الموانئ الغربية، أعلن وزير النفط العراقي باسم خضير أن بغداد تعمل على تسريع خططها، لبناء وإعادة تأهيل خطوط أنابيب نفطية، تربط الحقول العراقية بموانئ البحر الأبيض المتوسط في سوريا وتركيا، لفك ارتهان الصادرات العراقية بمضيق هرمز.
خطط بغداد لتنويع منافذ التصدير
يوضح خضير، في تصريحات رسمية، أن هناك دراسة جدوى قيد التنفيذ حالياً لإنشاء خط أنابيب استراتيجي، يربط مناطق إنتاج النفط الرئيسية في البلاد، بدءاً من محافظة البصرة في الجنوب وصولاً إلى كركوك في الشمال، بمنافذ التصدير على البحر الأبيض المتوسط في ميناء جيهان التركي وميناء بانياس السوري.
وأشار الوزير إلى أن الخطة المعتمدة تتضمن دراسة خيار تمديد هذا المسار لاحقاً ليصل إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، مؤكداً وجود رؤية واستراتيجية واضحة لدى الحكومة العراقية لإيجاد منافذ تصديرية جديدة ومتنوعة، بما يضمن استدامة تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية تحت مختلف الظروف الإقليمية.
خيارات بغداد الاستراتيجية
وفي قراءة تحليلية لمسارات التصدير العراقية ومستقبلها، يؤكد الخبير النفطي العراقي حيدر البطاط في حديثه مع "العين السورية"، أن "التوجه المباشر نحو البحر الأبيض المتوسط عبر إنشاء وتطوير خطوط حديثة، مثل خط بانياس أو خط كركوك – جيهان، يمثل الخيار الأجدى والأعلى قيمة من الناحية الاقتصادية للعراق".
ويبيّن البطاط أن أهمية هذا المسار تكمن في قدرته على اختصار مسافات الشحن البحرية والتكاليف اللوجستية بشكل كبير، مما يضع النفط العراقي بشكل مباشر في قلب الأسواق المستهدفة والواعدة في أوروبا وشمال أمريكا.
سباقات الجدوى
وفي مقارنته لمنافذ التصدير المتاحة، يوضح الخبير النفطي أن "مسار الأردن يتسم بجدوى اقتصادية محدودة جداً إذا ما قورن بمنافذ البحر المتوسط، إذ يخضع هذا المسار في الغالب للحسابات والارتباطات السياسية أكثر من استناده إلى أرقام المعاملات الاقتصادية المباشرة". وحول القراءات الدولية لهذه المشاريع، يلفت البطاط إلى أن الشركات الأمريكية والأجنبية الكبرى لا تنتظر تحقق الاستقرار السياسي والأمني التام للبدء في تحركاتها، بل تعتمد على استراتيجيات متطورة لإدارة المخاطر. مشدداً على أن التهديد المستمر والمخاطر المتزايدة المحيطة بمضيق هرمز - والذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية - دفعت الولايات المتحدة والشركات النفطية الكبرى، إلى إدراك أن بقاء النفط العراقي محتجزاً وحبيساً داخل الخليج العربي، يمثل خطراً استراتيجياً بالغا على استقرار أمن الطاقة العالمي.
تحالفات دولية لإحياء مسار بانياس
تأتي تصريحات الوزير والتحليلات النفطية بالتوازي مع تطورات ميدانية ودولية بارزة، إذ شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن توقيع مذكرات تفاهم بين الجانبين السوري والعراقي بحضور مسؤولين دوليين وممثلين عن تحالف شركات عالمية تضم "شيفرون" الأمريكية وشركة "تي آي كابيتال" وائتلاف "يو سي سي".
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى وضع الدراسات الفنية والمالية لإحياء وإعادة تأهيل خط أنابيب "الحديثة – بانياس" المرتبط تاريخياً بمسار خط "كركوك – بانياس"، بقدرة نقل مستهدفة قد تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً. ويسعى المشروع لربط تدفقات النفط من جنوب العراق وشماله باتجاه محطة الضخ في حديثة، ومن ثم ضخها مباشرة عبر الأراضي السورية إلى مصب بانياس على الساحل السوري.
مكاسب اقتصادية وجيوسياسية
تمثل إعادة تفعيل ممر البحر الأبيض المتوسط، مكسباً اقتصادياً وجيوسياسياً مضاعفاً لدول المنطقة، إذ تمنح العراق منفذاً آمناً ومباشراً ينقل كميات ضخمة من خامه إلى المستهلكين في أوروبا وشمال أمريكا، بدون الحاجة للمرور عبر الممرات البحرية الحرجة.
وفي الوقت نفسه، تعيد هذه الخطوة تموضع سوريا كمركز إقليمي حيوي لنقل الطاقة على شرق المتوسط، مما يوفر عوائد ترانزيت هامة ويرفد البنية التحتية المحلية بإمدادات مستقرة. كما تعكس الرغبة الدولية الصريحة في إعادة بناء الممرات البرية الآمنة لتقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على النماذج التصديرية أحادية المسار.


