سوريا - ثقافة
"الجانب الأبيض".. في مهرجان سوريا المسرحي
س
سمر شمه
نشر في: ١١ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:١٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يحاول المسرح السوري اليوم، قراءة التحولات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية في سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، من خلال نصوص ورؤى فنية قادرة على ملامسة الواقع بقسوته وتحدياته، ويقدم تجارب تُعيد للمسرح دوره في مخاطبة السوريين والحوار معهم.
وضمن هذا الإطار عُرض على خشبة مسرح الحمراء بدمشق قبل أيام مسرحية: "الجانب الأبيض" تأليف: فاتن ديركي، إخراج: سهيل عقلة، في افتتاح فعاليات النسخة الأولى من "مهرجان سوريا المسرحي" 2026، وبالتوازي مع ذلك تواصلت فعاليات المهرجان الفرعي في عدد من المحافظات السورية (حلب- حمص- حماه- اللاذقية- طرطوس- إدلب) بمشاركة فرق مسرحية محلية قدمت تجارب شبابية هامة، وأقامت حواراً وتفاعلاً مع الجمهور.
الجانب الأبيض والرحلة المظلمة
قدم العمل المسرحي "الجانب الأبيض" رؤية إنسانية عميقة ورمزية أكدت على أهمية تكريس المحبة والخير في المجتمع، وضرورة الابتعاد عن الممارسات المؤذية، واستغلال هذا الجانب داخل كل انسان لتوظيفه من أجل البناء والقيم النبيلة، محذراً من خطورة الانحراف خلف السحر والشعوذة والبحث عن الكنوز الوهمية وتسليم العقل للعبث والضياع.
حكاية الفنان التشكيلي المثقف
كانت المسرحية رحلة شاقة في سراديب العتمة والخوف وضيق الحال. جسدت الحالة النفسية والوجودية التي يعيشها "إياد" الفنان التشكيلي بعد وفاة والدته، والتي بدأت من داخل مرسمه ومن حالة الاختناق والعجز الذي يعيشه أمام واقع اجتماعي واقتصادي معقد، وهذا ما دفعه للدخول في عوالم مظلمة ووهمية بحث فيها عن "كنز مفقود" وطمائر مدفونة. وسلم عقله - رغم كونه مثقفاً- للمشعوذين والمنجمين بهدف الخروج من أزمته المادية والروحية.
وعاش بعد ذلك صراعاً درامياً طويلاً جمع بين الواقع والخيال والرمزية النفسية، ليكتشف المتلقي في النهاية أن النور الحقيقي والجانب الأبيض لدى الانسان يكمن في صدقه وانسانيته ومراجعته لذاته وليس في الجري وراء الخرافات والأكاذيب.
مدارس فنية في الإخراج
اعتمد النص في هذا العمل المسرحي على أبعاد نفسية نخبوية ابتعدت عن البساطة والسطحية في الحكاية ومعالجة الأحداث. وتجاوز المخرج فيه القوالب التقليدية الجامدة مستخدماً المدرسة الرمزية في عمله، مازجاً بين الواقعية والخيال، معتمداً أحياناً على المدارس المسرحية الأخرى لتشكيل رؤية معاصرة ومبتكرة.
وقدم على خشبة المسرح صوراً تجمع بين الغرابة والتشويه والتهكم، وحوّل الأفكار المجردة مثل الطمع والخوف إلى رموز محسوسة، لإظهار الأزمة النفسية الخانقة التي يعيشها الفنان في صراعه مع المشعوذين، وحافظ أيضاً على خيط رفيع من الواقعية ليجعل المشاهد يعيش المعاناة الحقيقية لبطل العمل.
السينوغرافيا والديكور
حضرت كل من السينوغرافيا والإضاءة كأدوات فنية إخراجية أساسية في العرض، عكست حركة النور والظلام تعبيراً عن الصراع بين الوهم والجانب الأبيض لدى الإنسان.
وصُمم الديكور الأساسي ليمثل مرسماً بسيطاً يعكس الفقر والمأساة المادية التي يعيشها "إياد"، ولم يكن ثابتاً بل تحول عبر الإضاءة والقطع المُضافة ليمثل المساحات الوهمية للكنز المفقود. أما اللوحات داخل المرسم فقد وُظفت لتبدو وكأنها شاهد على ضياع عقل المثقف أمام الخرافات.
المؤثرات الصوتية والأداء
اعتمدت المسرحية على مؤثرات صوتية حادة عبرت عن التناقضات التي يعيشها بطل الحكاية بعد فقده لوالدته، وساهمت الموسيقا التصويرية المتنافرة في خلق حالة من التوتر النفسي والتهكم الساخر على خشبة المسرح لاسيما أثناء المواجهة مع الدجالين والسحرة.
و نجح الممثلون: (محمد جندية- تاج الدين ضيف الله- زهير البقاعي- لورا بشار- مادونا حنا) في تقديم أداء احترافي، و تجسيد التقلبات الداخلية الحادة للشخصيات، وتفوق جندية "إياد" في الانتقال السلس من الحزن والعجز إلى الهذيان والاستسلام للمشعوذين. ولكن يُؤخذ على العمل المبالغة في توظيف السينوغرافيا المعتمة والإضاءة الخافتة لتجسيد الأزمات النفسية للشخصيات، والخلط بين المدرسة الواقعية والرمزية الغرائبية في بعض المشاهد مما خلق تفككاً في الهوية البصرية للمسرحية على الخشبة.
المهرجان المسرحي المركزي
الجدير ذكره أن مهرجان سوريا المسرحي المركزي 2026 سيقام بداية أيلول القادم في حلب، ويستضيف أفضل عرض متكامل من العروض التي قُدمت في المحافظات، بناء على تقييم وقرارات لجان التحكيم في المهرجانات الفرعية، بإجمالي /12/ عملاً مسرحياً متأهلاً.


