سوريا - اقتصاد
هل يقود التمويل الإسلامي مرحلة التعافي الاقتصادي في سوريا ؟
ر
رهام علي
نشر في: ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٢٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يشهد الاقتصاد السوري بعد أكثر من عقد من الصدمات الهيكلية تحديات غير مسبوقة تتمثل في تآكل الطبقة الوسطى وشح التمويل الحاد واعتماد شبه كامل على اقتصاد الريع، مما يطرح تساؤلات ملحة حول جدوى الاعتماد على أدوات الاقتصاد الإسلامي كطوق نجاة، أم أن الواقع المعقد يتطلب نموذجاً استثنائياً يتجاوز الشعارات التقليدية.
اقتصاد منضبط بقيم سامية
يعرّف الاقتصاديون الاقتصاد الإسلامي بأنه ليس مجرد بديل فقهي أو شعار استهلاكي، بل هو اقتصاد سوق منضبط بأخلاق وقيم عقدية تمنع الاحتكار والربا وتربط التمويل ارتباطاً وثيقاً بالقطاع الحقيقي والإنتاجي. غير أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية نقل هذه المبادئ النظرية العميقة إلى بيئة مالية محطمة ومأزومة، مما يجعل النقاش الصحفي والاقتصادي اليوم منحصراً في تحويل الأدلجة إلى هندسة مالية بحتة.
هندسة مالية هجينة
في حديثه مع "العين السورية" يؤكد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه الدكتور عبد الرحمن محمد، أن "الرهان على تطبيق نموذج إسلامي نقي بنسبة مئة بالمئة في سوريا الحالية يعد أمراً غير واقعي بل وخطيراً، نظراً لغياب البنية التحتية القوية والحوكمة الشفافة التي تتطلبها أدوات المضاربة والمشاركة الكاملة، إذ تبرز الحاجة الملحة إلى نموذج هجين ذكي يستند إلى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات المؤقتة". ويتضمن هذا النموذج بحسب الدكتور محمد "سوقاً حراً منضبطاً لتحريك عجلة الإنتاج والمنافسة، إلى جانب تشريعات إسلامية تمنع الاحتكار والربا في التمويل الحكومي والاستهلاكي، مع إقرار استثناءات مؤقتة لمشاريع إعادة الإعمار العاجلة، بحيث يكون المحرك المعياري لهذا الهجين هو الأخلاق الاقتصادية الإسلامية بعيداً عن الرأسمالية المتوحشة".
أزمة الصيرفة الإسلامية في سوريا
ويُشير الدكتور عبد الرحمن محمد بصراحة نقدية إلى أن "البنوك الإسلامية السورية تعمل حالياً كخزائن ادخار أو واجهات لمرابحات قصيرة الأجل متجنبة للمخاطر، وغالباً ما تفتقر لإدارات متخصصة في تمويل المشاريع ورأس المال الجريء. ولتجاوز هذه الثغرة، تبرز الحاجة الملحة لتأسيس مصرف استثمارية إسلامية متخصصة أو إجبار البنوك الحالية على إطلاق صناديق تمويل رأسمالي مستقلة". أما على صعيد الاندماج العالمي، فيرى الدكتور محمد أن "المصارف الإسلامية تصطدم بتعارض رياضي وهيكلي بين متطلبات معايير بازل وصيغ AAOIFI ومجلس الخدمات المالية الإسلامية، فضلاً عن غياب أدوات السيولة الإسلامية الحكومية وعوائق شبكة سويفت والعقوبات، مما يجعل إصلاح البنية التحتية للمراسلة المصرفية وحسابات المعايير الدولية شرطاً أساسياً لأي اندماج حقيقي".
فجوات تشريعية وتقنية
من جهته، يوضح الرئيس التنفيذي لمصرف الوطنية للتمويل الأصغر منير هارون لـِ "العين السورية" أن "المشكلة لا تكمن في جوهر المصارف الإسلامية بحد ذاتها، بل في البيئة التشريعية والمؤسسية التي تعود لأكثر من عشرين عاماً وتفتقر لتنظيم تفصيلي دقيق لصيغ المرابحة والمشاركة والإجارة والصكوك، ناهيك عن معالجة المسائل الضريبية المتعلقة بانتقال ملكية الأصول، وتوحيد معايير الرقابة والحوكمة الشرعية".
كذلك، يشير هارون إلى فجوة محاسبية وتقنية كبيرة "تتمثل في عمل نسبة واسعة من الورش والمشاريع الصغيرة بطريقة غير رسمية ومن دون سجلات مالية واضحة، ما يصعب عملية دخول المصرف كشريك حقيقي يتقاسم الأرباح والخسائر، ويستدعي بالضرورة تطوير البنية التكنولوجية وأنظمة الدفع الرقمية لرفع كفاءة تقييم العملاء والمخاطر".
الصكوك الإسلامية كبديل آمن
ما يميز أدوات مثل الصكوك الإسلامية عن أدوات الدين التقليدية هو أنها لا تعتمد على الإقراض بالفائدة الربوية المجردة، بل تستند إلى تمليك أصول عينية ومشاريع إنتاجية حقيقية تولد تدفقات نقدية. هذا الارتباط المباشر بالسلع والخدمات يجعلها وعاءً آمناً للمستثمرين في الأوقات المضطربة.
في هذا السياق، يوضح الدكتور عبد الرحمن محمد أن "الصكوك تعتبر نظرياً (خاصة الإجارة والاستصناع والمشاركة) الأداة المثالية لسوريا، لأن أزمة الاقتصاد السوري تتمثل في عدم قدرته على الدخول في ديون خارجية جديدة بسبب العقوبات ومخاطر التخلف عن السداد، بينما الصكوك لا تعتمد على الإقراض بالفائدة بل على تمويل أصول حقيقية ومشاريع مُدرة للدخل". ومن الناحية الأكاديمية، يلفت الدكتور محمد إلى أن "نجاح الصكوك يواجه تحديات تتمثل في مشكلة الضمانات السيادية إذ يحتاج المستثمرون (خاصة الأجانب والمغتربين) إلى ضمانات قانونية وأطر تحكيم دولية غير متوفرة بموثوقية، إلى جانب غياب سوق مالية عميقة وتداول الصكوك في بورصة شبه معطلة، وغياب قانون صكوك سوري حديث ومتكامل". لذلك، تظل الصكوك بديلآ آمناً من حيث المبدأ الشرعي، ويمكن البدء بها عبر صكوك استصناع محدودة النطاق لتمويل مشاريع بنية تحتية صغيرة ومتوسطة بالشراكة مع مستثمرين مغتربين، على أن تُدار عبر صناديق استثمار خارجية لضمان ثقة المستثمرين.
فلسفة التمويل التشاركي
وعلى عكس التمويل التقليدي الذي يحمّل المقترض عبء سداد الدين الثابت بفوائده مهما كانت نتائج مشروعه، تقوم فلسفة المشاركة والمضاربة الإسلامية على أساس توزيع الأرباح والخسائر بين المصرف وصاحب المشروع بناءً على أداء النشاط الفعلي. وهنا يُبين منير هارون أن لكل صيغة تمويلية مجالاً تكون فيه أكثر ملاءمة؛ ويطرح مثالاً عن المرابحة التي تعدّ مناسبة جداً لصاحب ورشة يحتاج إلى ماكينة جديدة، أو سيارة توزيع، أو مواد أولية وتجهيزات. كما أنها تشجع المتحفظين شرعاً من التعامل بالقروض الربوية، لكنها تصبح معقدة إذا احتاج صاحب المشروع سيولة مباشرة لدفع أجور العمال، الإيجارات، أو فواتير الكهرباء وتغطية الخسائر التشغيلية. أما الإجارة فتناسب الآلات والوسائل الإنتاجية. وبالمقابل، تبدو المشاركة أو المضاربة جذابة جداً وتقاسماً للأرباح والمخاطر بدلاً من الديون الثابتة، لكنها تصطدم بحاجة ماسة لدرجة عالية من الشفافية ومعرفة المصرف الدقيقة بالمبيعات والتكاليف، وهو ما تعجز عنه الورش الصغيرة لغياب سجلاتها المحاسبية المنتظمة.
ماقبل أدوات التمويل
وعن حاجة السوق السوري إلى صيغ تمويل إسلامية، يُشدد الرئيس التنفيذي لمصرف الوطنية للتمويل الاصغر على أن "الأزمة الاقتصادية الأعمق في سوريا تتعلق بشح السيولة وضعف القدرة الشرائية وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي أكثر من كونها نزاعاً بين التمويل الإسلامي والتقليدي". فمنح صاحب الورشة أفضل تمويل إسلامي بحسب رأيه "لن يجدي نفعاً إن غاب الزبون القادر على الشراء، ليتحول التمويل حينها إلى عبء والتزام إضافي". وعليه، يرى هارون أنه "يجب أن ترتكز الجهود أولاً على تنشيط الدورة الاقتصادية والإنتاج والاستثمار وتحسين مستويات الدخل، لتأتي بعد ذلك أدوات التمويل الإسلامي كالمرابحة لشراء المعدات والأصول والإجارة للآلات والمشاركة للمشاريع الواعدة، لتلعب دورها الحقيقي كجزء من عملية تعافي متكاملة تقودها مؤسسات سليمة وتشريعات واضحة تسخّر المال لخدمة الإنسان والإنتاج الحقيقي".


