سوريا - اقتصاد
يعمل بلا عقد ويشتري بلا فاتورة.. كيف تضيع حقوق المواطن؟
من غياب عقد العمل إلى فقدان الفاتورة وإثبات الدخل.. كيف يتحول النشاط الاقتصادي غير الموثق إلى مخاطر تمس حقوق العامل والمستهلك؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٢٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يعمل أحمد منذ سنوات في مهنة حرة، ويتقاضى أجره نقداً من دون عقد مكتوب. وعندما يحتاج إلى إثبات دخله، لا يملك سوى ما يقوله صاحب العمل. وفي الجهة الأخرى، يشتري حاجاته اليومية من متاجر لا يحصل منها دائماً على فاتورة أو إيصال. بالنسبة إليه تبدو هذه التفاصيل عادية، لكن اقتصادياً قد تعني شيئاً آخر: جزءاً من عمله ودخله ومشترياته لا يترك أثراً يمكن الرجوع إليه عند الحاجة.
كم مواطناً سورياً يعيش بهذه الطريقة؟ وماذا يخسر عندما يصبح جزء كبير من نشاطه الاقتصادي بلا مستندات؟
اقتصاد خارج السجلات
السؤال لا يتعلق فقط بالضرائب أو بما تخسره الخزينة العامة من إيرادات، بل بجانب أكثر قرباً من حياة المواطن: ماذا يحدث للعامل عندما يحتاج إلى إثبات أجره أو سنوات عمله؟ وماذا يفعل المستهلك عندما تتعطل سلعة اشتراها بلا فاتورة؟ وهل يستطيع صاحب المهنة الحرة الحصول على تمويل عندما لا يستطيع إثبات دخله؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر. وفي العام 2022 قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تشكل نحو 95% من إجمالي المنشآت في سوريا، في وقت يضم فيه القطاع الخاص طيفاً واسعاً من الأعمال العائلية والورش والحرفيين والتجار والمشاريع غير الرسمية.
وفي ظل هذه البيئة، قد يبدو العمل خارج الإطار الرسمي وسيلة لتقليل النفقات والإجراءات، لكنه قد يحول في الوقت نفسه جزءاً من النشاط الاقتصادي إلى نشاط يصعب إثباته أو حمايته أو تمويله.
عقد العمل.. حماية وليست مجرد ورقة
بالنسبة للعامل، يمثل عقد العمل وسيلة أساسية لإثبات طبيعة العلاقة مع صاحب العمل، والأجر المتفق عليه، ومدة العمل وساعاته والحقوق المرتبطة بها.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي لــ "العين السورية" إن غياب العقد قد يجعل العامل أكثر عرضة لصعوبة المطالبة بالأجر والتعويضات والإجازات وسائر الاستحقاقات، كما يزيد احتمالات تعرضه للضغط من صاحب العمل، مثل زيادة ساعات العمل أو تخفيض الأجر من دون مستند واضح يمكن الرجوع إليه.
لكن غياب العقد لا يعني قانوناً سقوط حقوق العامل تلقائياً. فقانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 يلزم بتحرير عقد العمل كتابة، وفي حال عدم وجوده يجيز للعامل إثبات حقوقه بجميع طرق الإثبات.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: قد لا يختفي الحق، لكن إثباته يصبح أكثر صعوبة.
وتزداد المخاطر عندما يتعلق الأمر بإصابة عمل أو عجز أو نزاع حول الأجر، إذ قد يجد العامل غير المسجل نفسه أمام أعباء مالية أكبر، مع صعوبة الاستفادة من المزايا المرتبطة بالتأمينات الاجتماعية.
يعمل ويكسب.. لكنه لا يستطيع إثبات دخله
لا تتوقف خسارة العمل غير الموثق عند الحقوق العمالية، بل تمتد إلى قدرة الحصول على التمويل.
ويؤكد الزعبي أن غياب إثبات الدخل يؤثر فعلياً في فرص أصحاب المهن الحرة والعاملين خارج القنوات الرسمية في الحصول على القروض والتسهيلات الائتمانية، لأن المؤسسات المالية تحتاج إلى وثائق تساعدها على تقييم قدرة العميل على السداد، مثل السجل التجاري أو كشف الحساب أو إثبات الدخل.
وبذلك قد يكون لدى الشخص عمل قائم ودخل فعلي، لكنه يفتقر إلى الوثيقة التي تجعل هذا الدخل قابلاً للإثبات أمام المصرف.
وهذه واحدة من مفارقات الاقتصاد غير الرسمي: الشخص يعمل ويكسب المال، لكنه قد لا يستطيع تحويل دخله إلى قدرة تمويلية.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنسبة للمنشآت الصغيرة، التي تحتاج إلى التمويل لتوسيع أعمالها وخلق فرص عمل، بينما يمثل الوصول المحدود إلى التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجهها.
المستهلك بلا فاتورة.. أين يثبت حقه؟
كما يحتاج العامل إلى عقد يثبت علاقته المهنية، يحتاج المستهلك إلى فاتورة أو إيصال يثبت عملية الشراء.
قد يشتري المواطن هاتفاً أو جهازاً كهربائياً أو قطعة أثاث، ثم يكتشف بعد أيام عيباً في السلعة. عندها يصبح السؤال: هل يملك ما يثبت أنه اشترى المنتج من هذا البائع، ومتى اشتراه، وبأي سعر؟
ويحذر الزعبي من أن غياب الفاتورة يجعل المستهلك أكثر عرضة لخسارة أمواله عند وجود عيب أو خلاف، لأن إثبات عملية البيع وتفاصيلها يصبح أكثر صعوبة.
ولا يعني عدم وجود الفاتورة بالضرورة أن المستهلك فقد كل حقوقه القانونية، لكنه قد يواجه صعوبة أكبر في إثبات عملية الشراء والمطالبة بالضمان أو الاستبدال أو التعويض، بحسب طبيعة السلعة والعلاقة التعاقدية والأدلة المتوافرة.
لذلك، قد تتحول الفاتورة من ورقة يعتبرها المستهلك غير مهمة إلى الدليل الذي يحتاجه عندما يقع الخلاف.
ما يوفره المواطن اليوم قد يدفع ثمنه غداً
يضع الزعبي المشكلة في إطار أوسع، معتبراً أن غياب العقد والفوترة قد يوفر تكلفة فورية، لكنه قد يخلق تكاليف أكبر لاحقاً.
فصاحب العمل قد يوفر جزءاً من الالتزامات المرتبطة بالتسجيل، والعامل قد يحصل على أجره بسرعة ومن دون إجراءات، والمستهلك قد يشتري من متجر لا يصدر فواتير.
لكن عند وقوع المشكلة، تظهر الكلفة المؤجلة: إصابة عمل، نزاع على الأجر، سلعة معيبة، خلاف حول الضمان، صعوبة في إثبات الدخل أو سنوات العمل، أو تعذر الوصول إلى تمويل.
ويرى الزعبي أن العامل والمستهلك هما الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للخسارة؛ فصاحب العمل قد يحقق وفراً فورياً، والدولة تفقد جزءاً من الإيرادات، لكن العامل يخسر جزءاً من أمانه الاجتماعي والمستهلك يتحمل مخاطر أكبر في السوق.
الاقتصاد غير الرسمي.. المشكلة أكبر من الضرائب
غالباً ما ينظر إلى الاقتصاد غير الرسمي من زاوية الضرائب التي لا تحصل عليها الدولة، لكن القضية تتجاوز ذلك.
فالنشاط الاقتصادي غير الموثق لا يترك دائماً سجلاً يمكن استخدامه في التمويل أو الحماية الاجتماعية أو التخطيط الاقتصادي.
وتبرز هنا أهمية المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تشكل نحو 95% من إجمالي المنشآت السورية وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ما يجعل أي سياسة تستهدف الاقتصاد غير الرسمي مرتبطة مباشرة بجزء واسع من النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
لذلك، فإن إدخال هذه الأنشطة إلى الاقتصاد الرسمي لا ينبغي أن يكون هدفه زيادة التحصيل فقط، بل خلق سجل اقتصادي يحمي العامل والمستهلك ويساعد صاحب المشروع على النمو.
كيف يصبح التسجيل فرصة لا عبئاً؟
يقترح الزعبي أن يتم الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي بصورة تدريجية، من خلال منح أصحاب المشاريع الصغيرة إعفاءات ضريبية مؤقتة خلال السنوات الأولى من التسجيل، بما يتيح لهم ترتيب أعمالهم من دون صدمة مالية.
كما يدعو إلى اعتماد فوترة رقمية مبسطة عبر تطبيقات مجانية وسهلة الاستخدام تتيح إصدار الفاتورة من الهاتف من دون تعقيدات محاسبية.
ويقترح كذلك ربط التسجيل النظامي بمزايا ملموسة، مثل القروض الميسرة والتسهيلات التمويلية أو بعض الحوافز المرتبطة بالطاقة والخدمات.
وبذلك يمكن أن تتحول المعادلة من سجّل حتى لا تعاقب إلى سجّل حتى تحصل على حماية وتمويل وفرص أكبر.
بين الورقة والحق
قد تبدو ورقة العقد بالنسبة للعامل مجرد إجراء روتيني، وقد تبدو الفاتورة بالنسبة للمستهلك إيصالاً يمكن الاستغناء عنه، لكن كليهما يمثل في الواقع وسيلة لإثبات الحق.
العقد يوثق علاقة العمل، والفاتورة توثق عملية الشراء، وإثبات الدخل يساعد في الوصول إلى التمويل، بينما يوفر السجل التأميني أساساً للاستفادة من المزايا المرتبطة بالعمل وفق القواعد المعمول بها.
لذلك، فإن التحدي أمام الاقتصاد السوري لا يتمثل فقط في الحد من النشاط غير الرسمي، وإنما في جعل الاقتصاد الرسمي أكثر فائدة للمواطن من البقاء خارجه.
فإذا كان التسجيل يعني حماية أكبر للعامل، والفاتورة تعني حماية للمستهلك، وإثبات الدخل يعني فرصة للحصول على التمويل، فقد يصبح الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي خياراً اقتصادياً منطقياً، لا مجرد التزام إداري.
قد لا تكون المشكلة في أن بعض النشاط الاقتصادي يجري بلا أوراق، بل في أن غياب الورقة قد يعني غياب الدليل، وغياب الدليل قد يجعل المواطن يدفع ثمن حقه مرتين: مرة عندما يعمل أو يشتري، ومرة أخرى عندما يحاول إثبات ما دفعه أو ما يستحقه.


