سوريا - فن
سوريا بصوت أصالة.. 14 أغنية من قلب الذاكرة
من «عالروزانا» الحلبية إلى «يما مويل الهوى» الرقاوية.. أصالة تستعيد التراث الشعبي وتحوّل المحافظات السورية الأربع عشرة إلى خريطة غنائية واحدة.
ا
العين السورية
نشر في: ٨ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٨:٤٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تختر أصالة نصري أن تعود إلى سوريا بأغنية واحدة، ولا أن تكتفي بحفل على مسرح دمشق بعد سنوات طويلة من الغياب. اختارت أن تعود ومعها سوريا في 14 أغنية.
في الألبوم السوري.. من أصالة إلى سوريا التي نحب، الذي أطلقته في 7 أيلول 2026، وضعت الفنانة السورية خريطة المحافظات الأربع عشرة في مشروع موسيقي واحد، مستعيدةً أغانٍ من الذاكرة الشعبية السورية، ومقدّمة إياها بتوزيعات موسيقية حديثة.
الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: أغنية لكل محافظة. لكنها موسيقياً تحمل محاولة أكبر؛ أن تنتقل الأغنية السورية من كونها لوناً واحداً إلى مجموعة ألوان ولهجات وإيقاعات وذكريات، وأن يسمع المستمع سوريا مختلفة في كل أغنية.
من الجنوب إلى الشرق.. ومن الساحل إلى الجزيرة
وبحسب القائمة المنشورة للألبوم، توزعت الأغنيات الـ14 على المحافظات السورية الأربع عشرة، إذ اختارت أصالة للسويداء «محبوب قلبك»، ولحمص «عرب الشرقية»، وللقنيطرة «حطي على النار يا جدة»، بينما حضرت الحسكة بأغنية «حلوة وطلتك ضلال». ومن الساحل جاءت اللاذقية مع «على روض الحبيب»، وطرطوس مع «على دلعونا»، في حين حملت دير الزور أغنية «عمدا»، والرقة «يما مويل الهوى». أما ريف دمشق فكان له «الريف الشامي»، وحلب حضرت بأغنية «عالروزانا»، وإدلب بـ«ع الهوني يا سمرة»، بينما اختارت أصالة لدمشق «طولوا»، ولحماة «والله لعبي الجرة»، ولدرعا «أم العريس».
وبهذه الاختيارات، تنتقل أصالة بالمستمع في رحلة غنائية عبر الجغرافيا السورية، من حوران والسويداء جنوباً، مروراً بدمشق وريفها ومدن الداخل، وصولاً إلى الساحل، ثم حلب وإدلب، وانتهاءً بمناطق الفرات والجزيرة، في محاولة لجمع ألوان موسيقية وذاكرة شعبية متعددة داخل ألبوم واحد.
دمشق.. البداية من قلب الذاكرة
مع «طولوا»، تحضر دمشق في الألبوم، بينما تمثل «الريف الشامي» ريف دمشق، في فصلين موسيقيين يقدمان صورة مختلفة عن البيئة الشامية.
وهنا لا تبدو العاصمة مجرد محافظة ضمن القائمة، بل جزءاً من ذاكرة غنائية واسعة ارتبطت لعقود بالأغنية الشامية والريف المحيط بها.
حلب.. «عالروزانا» تعود من جديد
من أشهر الأسماء في التراث الغنائي السوري، تأتي «عالروزانا» لتمثل حلب.
الأغنية نفسها تتجاوز حدود المدينة؛ فهي واحدة من الأغنيات التي ارتبطت بالذاكرة الشعبية السورية والعربية، ولذلك فإن اختيارها يضع حلب في موقع يتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة الجماعية.
الساحل.. «على دلعونا» و«على روض الحبيب»
في اللاذقية تأتي «على روض الحبيب»، بينما تحمل طرطوس أغنية «على دلعونا».
وإذا كانت «الدلعونا» من أشهر القوالب الغنائية الشعبية في بلاد الشام، فإن إعادة تقديمها بصوت أصالة تضع لوناً تراثياً مألوفاً أمام جمهور جديد، ضمن مشروع يحاول أن يجمع الألوان المحلية في سياق موسيقي واحد.
الفرات والجزيرة.. حين تتغير اللهجة والإيقاع
في الشرق السوري تظهر «عمدا» لدير الزور، و«يما مويل الهوى» للرقة، فيما تمثل الحسكة أغنية «حلوة وطلتك ضلال».
هنا تصبح قيمة المشروع أوضح؛ فالألبوم لا يعتمد فقط على أسماء المحافظات، بل يحاول نقل المستمع بين بيئات موسيقية مختلفة، من الأغنية الشامية إلى الألوان الفراتية والجزراوية.
درعا والقنيطرة والسويداء
في الجنوب، تختار أصالة «أم العريس» لدرعا، و«محبوب قلبك» للسويداء، بينما تحضر القنيطرة من خلال «حطي على النار يا جدة».
ثلاث بيئات متجاورة جغرافياً، لكنها تحمل في الذاكرة الشعبية السورية ألواناً وتقاليد وأشكالاً مختلفة للاحتفال والغناء.
إدلب وحماة وحمص
تأتي إدلب مع «ع الهوني يا سمرة»، وحماة مع «والله لعبي الجرة»، فيما تظهر حمص مع «عرب الشرقية».
وهنا يكتمل تقريباً المشهد الذي أرادته أصالة: ليست هناك أغنية واحدة تختصر سوريا، بل أغانٍ متعددة تتجاور لتقول إن الهوية الموسيقية السورية نفسها متعددة.
ليست أغنيات جديدة.. بل ذاكرة أعيد تقديمها
أحد أبرز عناصر المشروع أن أصالة لم تتعامل مع التراث باعتباره مادة يجب إعادة إنتاجها كما هي، ولا باعتباره شيئاً ينبغي تغييره جذرياً.
الفكرة تقوم على "استعادة أغانٍ وكلمات وألحان فلكلورية، ثم تقديمها بتوزيعات معاصرة"، مع الحفاظ على ملامحها الأساسية وهويتها المحلية.
وهذا ما يمنح الألبوم رهانه الحقيقي: هل يستطيع التراث أن يصل إلى المستمع الشاب من دون أن يفقد شخصيته؟
فالأغنية الشعبية التي كانت تُسمع في الأعراس والسهرات والمناسبات المحلية، تدخل هنا إلى المنصات الرقمية بصوت أحد أشهر الأصوات السورية، وتخرج من إطار الذاكرة المحلية إلى جمهور أوسع.
14 أغنية.. و14 حكاية
لا تبدو أصالة وكأنها أرادت أن تقدم «ألبوم تراث» بالمعنى التقليدي فقط.
فهي تحدثت عن أن كل أغنية قادتها أثناء العمل إلى شخصية مختلفة لامرأة سورية من إحدى المحافظات، وهو ما جعل المشروع بالنسبة إليها تجربة تتجاوز الغناء إلى معايشة تفاصيل وشخصيات وبيئات مختلفة.
وهنا تكمن خصوصية الألبوم.
فـ«عالروزانا» ليست مجرد أغنية حلبية، و«أم العريس» ليست مجرد أغنية من درعا، و«يما مويل الهوى» ليست مجرد محطة من الرقة. كل واحدة منها تحمل معها صورة عن المكان، ولهجته، وعاداته، وطريقة احتفاله، وذاكرته.
لماذا الآن؟
تزداد رمزية الألبوم لأنه يأتي بالتزامن مع عودة أصالة إلى جمهورها السوري بعد غياب طويل، وقبل حفلها المرتقب في دمشق.
آخر حفل رسمي لأصالة في دار الأوبرا السورية يعود إلى عام 2010، ما يجعل عودتها الحالية مرتبطة ليس فقط بألبوم جديد، وإنما أيضاً بلقاء جديد مع جمهورها في بلدها.
وبذلك يصبح «الألبوم السوري» أشبه برسالة مزدوجة: عودة الفنانة إلى سوريا، وعودة سوريا نفسها إلى أغنياتها القديمة.
أصالة تغني لسوريا.. أم سوريا تغني بأصالة؟
ربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في المشروع.
أصالة، التي بنت جزءاً كبيراً من حضورها الفني على الأغنية العربية الحديثة، تعود هذه المرة إلى أغانٍ سبقتها بعقود، وربما بقرون في بعض جذورها الشعبية.
لكنها لا تحاول أن تجعل التراث يشبهها بالكامل، بل تبدو وكأنها تحاول أن تجعل صوتها يعبر خلال التراث.
14 أغنية، 14 محافظة، عشرات اللهجات والإيقاعات والصور الشعبية، لكن النتيجة النهائية واحدة: "سوريا التي لا يمكن اختصارها بلون موسيقي واحد".
ولهذا، فإن قيمة «الألبوم السوري» قد لا تكون في الأغاني وحدها، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن الجغرافيا السورية، بكل اختلافاتها، يمكن أن تجتمع في قائمة تشغيل واحدة.
"من السويداء إلى الحسكة، ومن دمشق إلى دير الزور، ومن حلب إلى درعا.. اختارت أصالة أن تغني سوريا محافظةً محافظة، وذاكرةً ذاكرة."


