سوريا - فن
بعد 15 عاماً من الغياب.. أصالة تغني في دمشق
غادرت في زمن الانقسام وعادت عبر التراث.. كيف أعادت السنوات تشكيل علاقة أصالة بسوريا؟
ا
العين السورية
نشر في: ٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بين أصالة التي كانت تصعد مسارح دمشق مطلع الألفية، وأصالة التي تستعد اليوم للعودة إليها، تقف 15 سنة من الغياب ومرحلة كاملة من التحولات السورية.
في ذلك الزمن، كانت أصالة واحدة من أشهر الأصوات السورية في العالم العربي. وفي شباط 2010 أحيت حفلاً في دار الأوبرا بدمشق، قبل أن تبتعد عن المسارح السورية مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.
لكن الغياب لم يكن نهاية علاقتها بسوريا. على العكس، تحولت خلال السنوات التالية من فنانة سورية ناجحة إلى شخصية فنية ذات موقف سياسي واضح، بعدما أعلنت تأييدها للثورة. ومنذ ذلك الحين، بقي اسمها حاضراً في النقاش السوري، حتى وهي تغني لجمهورها العربي من خارج البلاد.
اليوم، تعود أصالة إلى دمشق في توقيت مختلف، وبأغنيات مختلفة أيضاً.
عودة بصوت سوريا
في 7 أيلول 2026، أطلقت أصالة "الألبوم السوري"، وهو مشروع يضم 14 أغنية من التراث الشعبي، بعدد المحافظات السورية الأربع عشرة.
الفكرة اللافتة ليست في إعادة غناء التراث فحسب، بل في الطريقة التي اختارت بها أصالة أن ترسم خريطة موسيقية للبلاد.
فكل أغنية تفتح نافذة على بيئة مختلفة، فيما تجمعها أصالة في ألبوم واحد.
بهذا المعنى، لا تقدم سوريا باعتبارها لوناً موسيقياً واحداً، بل كمساحة واسعة من اللهجات والإيقاعات والعادات والذاكرة الشعبية.
والتراث هنا ليس مجرد مادة قديمة؛ إذ أعيد تقديم الأغنيات بتوزيعات حديثة، لتنتقل من الذاكرة المحلية إلى جمهور أوسع، ومن الأعراس والمناسبات الشعبية إلى منصات الاستماع الحديثة.
لماذا الآن؟
اختيار هذا المشروع بالتزامن مع العودة إلى دمشق يصعب اعتباره تفصيلاً عابراً.
أصالة لا تعود بأغنية جديدة تحمل اسمها فقط، بل تدخل إلى المدينة حاملة معها ذاكرة المدن والقرى السورية.
في 17 و19 أيلول، تقف أمام جمهورها في دمشق بعد غياب طويل. وستكون اللحظة مختلفة عن حفلاتها السابقة؛ فالجمهور تغير، والبلد تغير، والفنانة نفسها مرت بتجربة طويلة خارج المسرح السوري.
لهذا، لن يكون السؤال الوحيد هو كيف سيستقبل الجمهور صوت أصالة، بل ماذا ستعني هذه العودة بعد كل ما حدث؟
من الموقف إلى الذاكرة
لعل التحول الأكبر في علاقة أصالة بسوريا يمكن اختصاره بثلاث مراحل.
كانت في البداية فنانة سورية تغني للعرب، ثم أصبحت، بعد 2011، فنانة سورية ذات موقف سياسي.
واليوم تقدم نفسها من خلال مشروع يعيد اكتشاف سوريا من خلال تراثها.
وهذا لا يعني أن السياسة اختفت من القصة؛ لكنها لم تعد محورها الفني. فبدلاً من العودة إلى السنوات الماضية، اختارت أصالة أن تعود إلى ما سبقها: الأغنية الشعبية، الحكاية، اللهجة، والإيقاع.
ربما لهذا يبدو «الألبوم السوري» أكثر من إصدار غنائي. إنه محاولة لاستعادة مساحة مشتركة من الذاكرة، مساحة يمكن أن يلتقي فيها السوريون بعيداً عن خلافاتهم.
هل تغيّرت أصالة أم تغيّرت سوريا؟
هذا هو السؤال الذي تتركه عودتها مفتوحاً.
الفنانة التي غادرت دمشق عام 2010 ستعود إليها في 2026، لكن المدينة ليست نفسها، والجمهور ليس نفسه، والبلد ليس نفسه. حتى أصالة نفسها ليست الفنانة ذاتها.
بين المرحلتين، تغيرت علاقتها بسوريا من علاقة يومية مباشرة إلى علاقة حملت السياسة والغياب والحنين والذاكرة. واليوم تحاول أن تبدأ فصلاً جديداً من خلال الموسيقى.
ولهذا فإن اختيارها 14 أغنية لـ14 محافظة يبدو أكثر دلالة من مجرد فكرة فنية.
إنها عودة إلى سوريا من أطرافها كلها، لا من عاصمتها فقط. ومن هنا تأتي المفارقة الأجمل في قصة أصالة:
غادرت المسارح السورية وهي تحمل موقفاً، وتعود إليها وهي تحمل أغنية.
وبين الموقف والأغنية، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً حتى لحظة وقوفها أمام جمهور دمشق: هل تستطيع الموسيقى أن تختصر المسافة التي صنعتها السنوات؟


