سوريا - اقتصاد
ارتباك ائتماني وسيولة شحيحة.. متى تُنجز مهمة إصلاح " محركات" التنمية المعطّلة؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢١ يونيو ٢٠٢٦، ١١:١٣
3 دقيقة

يجمع المهتمون والخبراء بالشأن الاقتصادي على أن تحقيق التنمية والتطور الشامل لا يتم إلا بتأمين الأدوات الأساسية والمنظومة المتكاملة للنهوض بواقع الاقتصاد الوطني. ولعلّ المؤسسات المصرفية هي أهم هذه الأدوات.
وعندما نتحدث عن المصارف، فلا نقصد فقط المجال التقليدي المتمثل في فتح أرصدة وحسابات وتقديم خدمات بسيطة من هذا النوع، إنما نعني منظومة متكاملة تبدأ بالإقراض المدروس، وتمرّ بمنح التسهيلات الائتمانية، ولا تنتهي بتأمين الصلة للمودعين مع الخارج، وعلى رأسهم المستثمرون الذين أبدوا رغبتهم الحقيقية في الاستثمار بسورية.
تحديات متراكمة
لا يُخفي الدكتور فادي عياش، الباحث والخبير الاقتصادي، قناعته بأن المصارف السورية تُعاني من حالة قصور تراكمت عبر متوالية سنوات غير قليلة..
ويرى في حديثه لـ"العين السورية"، أن المصارف السورية تبدو حالياً تحت وطأة تحديات بنيوية متراكمة تعيق دورها في التنمية، حيث أدى شح السيولة، وتراجع قيمة الودائع، وارتفاع مخاطر التعثر إلى تقييد قدرتها على التمويل بشكل فعال، لتقتصر جهودها غالباً على المشاركة المحدودة في التمويل الأصغر وتسيير المدفوعات، بدلاً من قيادة الاستثمار الرأسمالي.
قصور البنية التحتية
ويرصد الدكتور عياش نقطة حساسة هنا، تتمثّل في أنه رغم رفع العقوبات المالية السابقة، إلا أن الانعكاس الفعلي على أداء القطاع المصرفي لم يحدث بالوتيرة المطلوبة لعدّة أسباب، أولها .. قصور البنية التحتية: تحتاج البنوك السورية إلى فترة زمنية لإعادة التأهيل والاندماج مجدداً في نظام التحويلات العالمي (SWIFT)، ولا سيما فيما يخص البنوك الوسيطة أو المراسلة. وهذا يتطلب جهوداً كبيرة لاستعادة ثقتها.
ثم أزمة الثقة الاستثمارية: إن تراجع الثقة بالمؤسسات المصرفية يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يشجع المستثمرين على إعادة رؤوس أموالهم وودائعهم.
بالإضافة إلى البيئة الاستثمارية: تخفيف العقوبات لا يكفي وحده دون وجود مناخ استثماري جاذب، وقوانين اقتصادية مرنة تطمئن المستثمر المحلي والأجنبي، بالإضافة إلى سوق تداول قوية، وتشريعات وإجراءات تقاضي مناسبة، وتحكيم مؤسساتي دولي.
مخاطر تقلبات الصرف
كما أن التوقف شبه التام للقروض الاستثمارية أزمة مركبة، وفقاً للدكتور عياش، نتجت عن عدة عوامل تمثلت بدايةً في قلة السيولة، حيث تعاني المصارف من نقص حاد في السيولة النقدية، وأي ضخ عشوائي للقروض قد يؤدي إلى مزيد من التضخم.
ومن الأسباب، وحسب الدكتور عياش، مخاطر تقلبات الصرف، إذ جعلت تقلبات العملة الإقراض بالليرة السورية مغامرة غير محسوبة المخاطر بالنسبة للبنوك، إضافة إلى التعثر والديون المعدومة، ووجود نسب مرتفعة من القروض المتعثرة نتيجة سياسات خاطئة سابقة.
تدخلات دقيقة
للتخفيف من هذه المشكلة، أصدرت وزارة المالية بالتعاون مع مصرف سورية المركزي المراسيم التنفيذية (مثل المرسوم رقم 70 لعام 2026) لإجراء تسويات للديون المتعثرة وتسهيل السداد.
فماذا عن مصرف سورية المركزي..؟
هنا يؤكد عياش أنه ثمة تباين في الآراء حول دوره، إلا أن الواقع يفرض تدخلات تنظيمية دقيقة. فمن الجانب التنظيمي (الضروري)، يلعب المركزي دوراً حيوياً في ضبط استقرار سعر الصرف، وإدارة التضخم، ومنع الانهيارات المصرفية في اقتصاد يعاني من الهشاشة. وقد أطلق المصرف استراتيجيته للأعوام 2026-2030 لضبط الإيقاع النقدي.
وأضاف: وكذلك الجانب التحفظي (المتحكم)، إذ يرى بعض الاقتصاديين والقطاع الخاص أن القيود الصارمة التي يفرضها المركزي - مثل وضع سقوف للسحوبات وتقييد حركة الأموال - تخنق السيولة وتعيق النشاط الاستثماري والتجاري.
شح الإقراض
وعما إذا كانت هناك حاجة لدخول مصارف جديدة مقابل المصارف الحالية، أوضح الدكتور عياش أن القطاع المصرفي السوري الخاص -على سبيل المثال- يمتلك نسباً مرتفعة جداً في مؤشر كفاية رأس المال (تتجاوز المعايير الدولية)، ولكن هذا الارتفاع يعود حسابياً إلى "شح الإقراض" وضعف توظيف الأموال. وبالتالي، المشكلة ليست في نقص عدد المصارف، بل في توسيع نطاق العمل وإعادة تفعيل أدوات التمويل الفعلية.
فالسوق الاستثمارية في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بحاجة إلى مصارف متخصصة في الاستثمار لتمويل المشاريع الكبرى، وأخرى تنموية أو "مؤسسات تمويل أصغر" قادرة على تقديم خدمات مالية مرنة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من تأسيس مصارف تجارية تقليدية جديدة.
ترهل إداري
ولفت الدكتور عياش إلى أن واقع المصارف الحكومية يشهد تراجعاً في دورها، رغم امتلاك المصارف الحكومية (كالتجاري، العقاري، الصناعي) قاعدة ودائع واسعة، وانتشاراً جغرافياً، وثقة تاريخية، وذلك لعدة أسباب منها:
الترهل الإداري وضعف التقانة: واجهت المصارف العامة صعوبة في مواكبة التحول الرقمي وتحديث البنية التقنية مقارنة بالقطاع الخاص.
الضغوط المالية: تحملت هذه المصارف أعباءً ضخمة في إدارة التدفقات النقدية والرواتب الحكومية.
الإصلاحات قيد التنفيذ: لإخراج المصارف الحكومية من حالة الجمود، تشهد هذه البنوك حالياً عمليات تقييم وهيكلة شاملة بالتعاون مع جهات دولية (مثل تقييم شركة "أوليفر وايمن" مطلع عام 2026)، تمهيداً لتحسين أدائها أو تحويلها إلى شركات مساهمة حكومية أكثر مرونة.
تعزيز التنافسية
من جانبه، أكد رجل الأعمال أحمد المغربي أن إصلاح القطاع المصرفي يمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز دور البنوك في دعم الإنتاج المحلي وتمويل المشاريع الصناعية والتجارية.
وأوضح أن توفر التمويل الميسر والخدمات المصرفية الفعالة يتيح للمؤسسات توسيع عملياتها، وتحسين قدرتها التنافسية، وإيجاد فرص عمل متنوعة، بما يؤمن مقومات دفع عجلة الاقتصاد الوطني نحو الاستقرار المحلي والخارجي، وتعزيز قوته بين الاقتصادات العالمية.
تطوير الأنظمة والقوانين
من جانبه، أكد الدكتور عمر الأسعد، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، لـ"العين السورية"، أن الحديث عن توفر بنية مصرفية في سورية لا يعني فقط وجود مصارف أو ضرورة دخول أخرى جديدة، إنما يتوجب بدايةً تطوير التشريعات والقوانين التي تنظم عمل المصارف في سورية. فمنظومة العمل الحالية بدائية، وتعاني من التعقيد والبيروقراطية، وهذا يتنافى مع أبسط قواعد العمل المصرفي في أغلب دول العالم، فما بالك بدولة خرجت من حرب مدمرة وهي تبحث عن التعافي وإعادة الإعمار والاستثمار. وعندما نتحدث عن تشجيع الاستثمار، فإن الأساس في هذه العملية هو البنية المصرفية، لأنها الأساس في تحويل الأموال؛ فالمستثمر لا يأتي للاستثمار ومعه رأس المال في حقائب، وبالتالي فهو بحاجة إلى يسر وسهولة في التعامل، بعيداً عن المنع والتقييد الذي تتعامل به المصارف حالياً.
إعادة ثقة الجمهور
ولفت الأسعد إلى ضرورة إعادة ثقة الجمهور بالمصارف السورية، وهذا الأمر لا يتم إلا بمعالجة مسألة الأرصدة المجمدة التي لا يستطيع أصحابها استخدامها عبر السحب إلا بمبالغ قليلة ومدد زمنية محددة. وهو إرث من النظام البائد، إلا أن الحالة مستمرة ولم تعالج بعد، مما جعل هناك حالة عزوف عن التعامل مع المصارف السورية، ليصبح هناك بدائل أخرى كشراء الذهب والعملات الأجنبية وربما شراء العقارات.
الأول في المنطقة
المسألة الأهم، والكلام للدكتور الأسعد، هي أن تمارس المصارف السورية عملها بشكل كامل، لا كما نراه الآن من صرف وإيداع فحسب، إنما العمل الحقيقي للمصارف من تمويل وإقراض وتحويل وتسهيلات ائتمانية، وهو أمر متاح حالياً بعد رفع العقوبات عن سورية. وهذا ما يحتاجه المستثمر حالياً: بنية متكاملة من الخدمات المصرفية. كانت سورية سباقة في هذا المجال، بدليل أن أغلب المصارف العالمية كان لها فروع في سورية منذ خمسينيات القرن الماضي، كما أن مصرف سورية المركزي يُعتبر الأول على مستوى المنطقة.


