سوريا - محليات
أقساط المدارس الخاصة في سوريا.. ارتفاع متصاعد ورقابة غائبة
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٦ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٣٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يواجه أولياء الأمور، مع بداية كل عام دراسي، ضغوطاً مالية متزايدة في ظل ارتفاع أقساط المدارس الخاصة. وفي العام الحالي، برزت إلى جانب هذه الضغوط تساؤلات تتعلق بآليات تنظيم الرسوم ودور الجهات المختصة في متابعتها.
ترف
في محافظة دمشق، لوحظ وجود ثلاث فئات واضحة من المدارس الخاصة، تبدأ بالمدارس الدولية عالية الكلفة، مثل المدرسة الباكستانية التي تعتمد نظام كامبردج البريطاني، وتدرّس معظم المواد باللغة الإنجليزية، مع تدريس بعض المواد بالعربية مثل مادة الاجتماعيات.
تبدأ الأقساط السنوية في " الباكستانية" من 22 مليون ليرة سورية لمرحلة الروضة، وتصل إلى 31 مليوناً للصف البكلوريا، وذلك بالإضافة إلى نحو 20 مليون ليرة لتكاليف الكتب واللباس والمواصلات.
متوسط ومادون
أما المدارس المتوسطة الكلفة، فتعتمد المنهاج الحكومي مع تدريس بعض المواد مثل الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية. تتراوح الأقساط السنوية فيها بين 11.5 و16 مليون ليرة سورية، تشمل الكتب واللباس، بينما تصل تكلفة النقل إلى 5 ملايين ليرة.
وتقدّم هذه المدارس دروساً إضافية لتقوية اللغة العربية ضمن حصص الرياضة والفنون والموسيقى، لكنها لا توفر برامج دمج شاملة. وغالبية الطلاب العائدين يحتاجون إلى متابعة إضافية خارج أوقات الدراسة لضمان قدرتهم على مواكبة زملائهم السوريين، مما يجعل التعاون بين الأسرة والمدرسة أمراً ضرورياً.
وهناك أيضاً المدارس منخفضة الكلفة، وهي موجهة للأسر العائدة حديثاً، وتبدأ أقساطها من 7.5 ملايين ليرة شاملة الكتب واللباس، مع رسوم نقل تصل إلى 500 ألف ليرة حسب المسافة. تركّز هذه المدارس على تقوية اللغة العربية عبر حصص فعلية أو دروس عبر الإنترنت، إلى جانب الأنشطة الرياضية والفنية لتعزيز التواصل الاجتماعي والاندماج بين الطلاب العائدين وزملائهم السوريين.
تفاوت أقساط
تعكس مدينة التل في ريف دمشق حالة التفاوت الكبير في الأقساط وضعف الرقابة على المدارس الخاصة، إذ تضم المدينة ما يقارب ست مدارس خاصة، وتختلف الأقساط بينها بشكل ملحوظ، من 5.5 ملايين ليرة للمرحلة الابتدائية إلى 15–20 مليوناً في مدارس أخرى، وذلك وسط غياب آليات صارمة من وزارة التربية لتنظيم الأسعار.
الريف مقابل المدينة
وفي حمص، تتراوح أقساط المدارس الخاصة في الريف بين 4 و5 ملايين ليرة، غالباً بنظام الدفع على أقساط، بينما ترتفع قليلاً في المدينة. وتبدأ معظم المدارس التسجيل للعام الدراسي في الشهر الثاني، وغالباً ما تكون المقاعد ممتلئة بسبب الطلب الكبير.
برامج دعم جزئية
في حلب، تتراوح الأقساط بين 8 و10 ملايين ليرة سورية، مع خصومات بسيطة للأشقاء. وقد شهدت المدارس تحسّناً في المباني والمرافق بعد سنوات الثورة، مع تجهيز ساحات وملاعب ومخابر حديثة. تقدم بعض المدارس حصصاً إضافية لتعليم اللغة العربية ودروساً في القرآن، مع التركيز على القيم الأخلاقية والاجتماعية.
أما في محافظتي الحسكة والرقة، فكانت قد أُغلقت معظم المدارس الخاصة من قبل الإدارة الذاتية، وكان يقتصر التعليم الخاص على المعاهد التي تقدم دورات تقوية قصيرة. ومن المتوقع أن يشهد العام الدراسي الجديد عودة هذه المدارس على أن تلتزم بتدريس المنهاج الدراسي المعتمد من قبل وزارة التربية السورية.
دعوة للالتزام
مع بدء التسجيل في المدارس، شددت وزارة التربية والتعليم السورية على ضرورة التزام المدارس السورية الخاصة بقرار عدم رفع الأقساط الصادر في عام 2024، مع ضرورة وضع لائحة تفصيلية بقيمة القسط على لوحة إعلانات المدرسة. وفي حال المخالفة، تُفرض عقوبات تشمل تخفيض تصنيف المدرسة إلى الفئة الأدنى. وينص القرار على ألا يتجاوز سقف الأقساط السنوية للمدارس الخاصة في المرحلة الثانوية مليونين و450 ألف ليرة سورية، وفي التعليم الأساسي مليونين و100 ألف ليرة، ومليون و225 ألف ليرة لرياض الأطفال. لكن على أرض الواقع، ارتفعت الأقساط بنسبة 30%، ضاربةً بقرار الوزارة عرض الحائط.
فوضى
لكن العديد من الأهالي شكاوى إلى وزير التربية تضمنت ما يعانونه من فوضى الأقساط المدرسية، وغياب ضوابط تحديدها في ظل غياب رقابة الوزارة. وتضمنت الشكاوى مطالب من بينها وضع سقف ملزم لأقساط المدارس السورية الخاصة يتناسب مع الظروف العامة ومتوسط دخل الأسر السورية، وإعادة النظر في آلية تصنيف المدارس.
وفي استطلاع لأقساط المدارس السورية الخاصة، تبيّن أنها تبدأ من 6 ملايين ليرة للروضة، إلى نحو 25 مليوناً للمرحلة الثانوية، لتسجيل التلميذ خلال العام الدراسي القادم، من دون أجور المواصلات، وهي أيضاً قابلة للزيادة. إضافة إلى ذلك، لا تُعلن أغلب المدارس قيمة أقساطها، لا عبر لوحات إعلاناتها الداخلية، ولا عبر مواقعها الإلكترونية أو صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وعند الاستفسار عن قيمة القسط الكاملة، يتم التذرع بأن التكلفة لم يتم استكمال حسابها بعد.
إرهاق
تؤكد سلمى الحموي قائلةً: "حددت مدرسة ابني الدفعة الأولى لتثبيته خلال هذا العام بـ300 دولار، مع عدم الإفصاح عن قيمة كامل الأقساط، بينما كانت في العام الماضي بحدود 8 ملايين، والنقل بـ6 ملايين".
من جانبه، يدعو محمود الزيات وزارة التربية إلى تأهيل المدارس السورية الحكومية، وإحداث روضات حكومية للتخلص من استغلال أصحاب المدارس الخاصة، والذين يطلق عليهم وصف "تجار"، مشيراً إلى أنه سجل أطفاله في مدرسة خاصة، لكنه سينقلهم إلى المدارس الحكومية خلال العام القادم، لأن الأقساط باتت غير طبيعية.
بدوره، يتساءل سليم العمر: "هل من المعقول أن تعجز وزارة التربية عن وضع آلية فعالة لضبط أقساط الروضات والتعليم الأساسي والثانوي؟ يجب إلزام المدارس بعقود سنوية تحمي حقوق التلميذ وولي أمره، على غرار وزارة التعليم العالي، إذ يُبرم التلميذ عند تسجيله في السنة الأولى عقداً يُلزم الجامعة بتثبيت القسط السنوي طيلة سنوات الدراسة. إذا كانت وزارة التعليم العالي لديها آلية لضبط الأقساط، فكيف تعجز وزارة التربية عن ذلك؟".
ارتفاع طبيعي؟
في المقابل، يرى أحد معلمي المدارس السورية الخاصة، والذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "رفع أقساط المدارس الخاصة هذا العام طبيعي، ويتبع الأوضاع الاقتصادية المتغيرة، لا سيما تكاليف النقل المرتبطة بسعر الصرف المتأرجح، كما أن بعض المدارس تقوم بتوزيع الألبسة والدفاتر والكتب الجديدة، إضافة إلى تقديم خدمات مثل إقامة الحفلات وتوزيع جوائز على التلاميذ".
إجام غير مُبرر
حاولنا التواصل مع المكتب الإعلامي في وزارة التربية لمعرفة آخر القرارات المتخذة إزاء رسوم المدارس الخاصة، لكن المسؤولين امتنعوا عن إعطاء أي تصريح بخصوص الموضوع، بحجة أن هناك توجيهات جديدة عليهم الالتزام بها.
غير جادة
من جانبه، يرى الدكتور منير محمد، الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق، في تصريحه لـ"العين السورية"، أن وزارة التربية والجهات التابعة لها غير جادة في تطبيق التعميم الذي تضمن أسعار المدارس الخاصة، إلا في حال تقديم شكوى رسمية للمديريات التابعة لها، وهذا لا يحدث لأن أولياء الطلاب لا مصلحة لهم في افتعال أي توتر مع المدرسة التي يرغبون في تسجيل أولادهم بها.
ويجزم الدكتور محمد أن الوزارة، في حال توفرت لديها الرغبة في ضبط مسألة الرسوم، فهي قادرة على ذلك، إلا أنها آثرت غض الطرف، ربما لإدراكها أن هناك مصاريف مرتفعة تتكبدها المدارس الخاصة سنوياً مع ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية كالكهرباء والإنترنت وحوامل الطاقة عموماً.
أثر سلبي
لا ينكر الدكتور محمد الأثر السلبي لرفع أسعار أقساط التعليم في المدارس الخاصة، فهي بالإضافة إلى الضغط المادي على الأهل، تجعل الطالب في حالة من عدم الاستقرار مع اضطرار الأهل لتغيير المدرسة بالنسبة لأبنائهم عند عدم القدرة على تحمل التكاليف، فما بالك والانتقال من مدرسة خاصة إلى المدارس العامة.
ويدعو " أستاذ التربية"، وزارة التربية إلى الاهتمام بالمدارس العامة كحل أمثل لمشكلة ارتفاع تكاليف التعليم الخاص، وهذا أمر أصبح متاحاً خاصة مع رفع الرواتب والأجور بالنسبة للعاملين في القطاع التعليمي، والمسألة تحتاج إلى تنسيق وإرادة، سيما مع وجود وفرة في الكادر التدريسي لمختلف الاختصاصات.
تحديات موسمية
إن ارتفاع أقساط المدارس الخاصة أصبح عنصراً حاسماً في قرارات التسجيل للعام الدراسي المقبل، حتى بالنسبة للمدارس التي تُعد أقل كلفة. ومع قرب بدء العام الدراسي وبدء بعض المدارس فتح باب الحجز أو تثبيت التسجيل مبكراً، يجد الأهالي أنفسهم أمام قرارات لا تتعلق فقط بالاستمرار في التعليم الخاص أو العودة إلى التعليم العام، بل أيضاً بمدى قدرتهم على الالتزام المالي، في ظل تفاوت واضح بين الأقساط والخدمات، وعدم إعلان أغلب المدارس عن القسط الكامل للعام الدراسي المقبل.

