سوريا - رأي
«الذكاء الفائق»: اسمٌ جديد للذكاء الاصطناعي فهل يحكمه القانون أم السياسة؟
أمر الرئيس الأميركي بأن تُسمّي حكومته الذكاء الاصطناعي «ذكاءً فائقاً»، لكن نصّ القرار نفسه يُبقي، حتى الآن، التعريف القانوني القديم كما هو. فما الذي تغيّر إذاً، ولمصلحة من؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٢:٠١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في التاسع والعشرين من أيلول، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً تنفيذياً يُلزم الوكالات الفدرالية بأن تستعمل، «إلى أقصى حدّ يسمح به القانون»، مصطلح «الذكاء الفائق» (Super Intelligence) بدل «الذكاء الاصطناعي» (Artificial Intelligence)، وألّا تعود تعترف بالمصطلح القديم.
وبعد تسعة أيام، كتب أن البيت الأبيض يعدّ كل من يستخدم عبارة «الذكاء الاصطناعي» عدواً. قد يبدو هذا كله خلافاً على كلمة. لكنّني، حين قرأت القرار، وجدت أن الكلمة تؤدي وظيفة أبعد من الوصف: فالاسم يكبر، في الوقت الذي يصغر فيه القيد.
يُبقي القرار صراحةً على التعريف الوارد في قانون المبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي لعام 2020، وهو نظامٌ آليّ يستطيع، لأهداف يُحددها البشر، أن يُنتج توقعات أو توصيات أو قرارات تؤثّر في بيئات حقيقية أو افتراضية؛ فلا يمسّ نطاق ما يسميه. وبهذا المعنى، يدخل نظام توصيات عادي، كالذي يقترح عليك فيلماً أو أغنية، تحت الاسم الجديد بلغة الإدارة الأميركية. لكنّ القرار يطلب أيضاً، خلال ستين يوماً، صياغة تشريعية لتعريف فدرالي جديد، تقول ورقة الحقائق المرافقة له إنه يجب أن يعكس «تكنولوجيا استثنائية رائدة»، أي إنّ الاسم يسبق التعريف، وقد يأتي التعريف لاحقاً على مقاس الاسم.
والاسم نفسه لا يصف شيئاً قائماً. فحين تحدّث عالم الرياضيات البريطاني آي. جيه. غود عام 1965 عن «آلة فائقة الذكاء» (ultraintelligent machine)، كان يقصد آلة تتجاوز بكثير كل النشاطات الفكرية لأي إنسان، وحين عرّف الفيلسوف نيك بوستروم «الذكاء الفائق» عام 2014، وصفه بأنه عقل يتجاوز بكثير الأداء المعرفي للبشر في كل المجالات تقريباً. ويتفق المختصون على أن هذا المستوى لا يزال افتراضياً. ومع ذلك، حُسم اعتماد المصطلح باستطلاع طرحه ترامب على متابعيه في أيلول، عارضاً بدائل بينها «الذكاء المتفوّق» و«الذكاء الأسمى»، قبل أن تختار الأغلبية «الفائق».
وقبل القرار، كانت الكلمة تداولها خطابان متعاكسان. ففي تشرين الأول عام 2025، وقّع علماء بارزون، بينهم جيفري هينتون، بياناً يُطالب بحظر تطوير الذكاء الفائق إلى أن يتحقق إجماع علمي على أمانه وقبول شعبي واسع به. وقبلها بأشهر، كان رئيس «ميتا» مارك زوكربيرغ قد أعلن أن تطويره بات «في الأفق». والبيت الأبيض أخذ الكلمة من الخطاب الثاني. وفي يوم صدور القرار نفسه، وقّع رؤساء ست من كُبرى شركات التكنولوجيا «اتفاقاً» للأمان، لا يتضمن عقوبات ولا جهة رقابية، وصفه الرئيس بأنه «ملزم أخلاقياً» ولا يتجاوز نصه القول إن هذه الخطوات «قد تُقنَّن مستقبلاً». وكان بعض هذه الشركات قد دعا الكونغرس، في الشهر نفسه، إلى معايير أمان إلزامية. فاتّسع الاسم لطموحات السوق، فيما ضاق القيد حتى اقتصر على النوايا.
قد يُقال إن الاسم الجديد أقرب إلى الواقع، فهذه الأنظمة باتت تحيط بمعارف تفوق ما يحيط به أي فرد، وقد رأى أحد الباحثين أن التسمية وصف «معقول إلى حد ما» لبعض قدراتها. لا أجادل في أن هذه القدرات تتسع. لكنّ القانون، كما تعلّمناه، يعرّف الأشياء بما تفعله وبما قد تُلحقه من ضرر، أما ما تَعِد به فشأن آخر. فالطبيب لا يصير جرّاحاً لأن لقبه تغيّر، والآلة لا تصبح أقل خطراً لأن اسمها صار أجمل. وحين يُبنى التعريف على الطموح، يصبح من يسأل عن الضرر كأنه يشكك في المستقبل.
وهذا ما يظهر في خطاب الإدارة نفسها. فورقة الحقائق المرافقة للقرار تقدّم خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي بوصفها خطة «للفوز بسباق الذكاء الفائق»، وتمدّ الاسم إلى الماضي، فتصف سياسات الإدارة السابقة بأنها «سياسات ذكاء فائق» ضارة، رغم أن المصطلح لم يكن قد اعتُمد بعد. وكان ترامب قد وصف الحديث عن مخاطر هذه التقنية بأنه «خدعة»، فيما دعا مساعده للعلوم والتكنولوجيا مجلس الأمن الدولي إلى تجنّب إنشاء هياكل حوكمة دولية جديدة قد تقيّد الابتكار. ومن يملك سلطة التسمية يملك جزءاً من سلطة التنظيم؛ فما دام الاسم «فائقاً»، يبدو كل قيد عليه عائقاً. ولهذه التسمية كلفتها القانونية أيضاً؛ إذ ينبّه محامون في مكتب أميركي إلى أن العقود وبرامج الامتثال بُنيت على المصطلح القديم، فيما أصدر حاكم كاليفورنيا أمراً يُلزم وكالات ولايته بالتمسك بعبارة «الذكاء الاصطناعي»، فصار للتقنية نفسها، داخل البلد نفسه، اسمان رسميان.
ولا يبدو أن الاسم أقنع من وُجّه إليهم. فقد صدر القرار قبل أسابيع من الانتخابات النصفية، في وقت يتسع فيه الرفض المحلي لمراكز البيانات التي تحتاجها هذه الصناعة. وبحسب استطلاع حديث، لا يرضى عن تعامل ترامب مع هذا الملف سوى ربع الناخبين الأميركيين، ويفضّل نحو ثمانية من كل عشرة منهم الأمان على السباق. ويرى خبراء في التسويق أن الرهان على اسم جديد لتبديد هذا القلق «تفكير بالتمنّي»، وأن الكلمة قد ترتد عكسياً، لأنها توحي بتقنية تفلت من السيطرة، وهو ما يخشاه الناس أصلاً. حتى الشركات انقسمت بين من سارع إلى تبنّي الاسم، ومن تردد، ومن يشكك، بعيداً عن الأضواء، في أن يصمد.
ولم يُرِد ترامب للاسم أن يبقى أميركياً؛ إذ قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إنه يأمل أن تتغير «وثائق العالم أيضاً». وقد وصل المصطلح فعلاً إلى إعلامنا العربي، الذي انقسم في ترجمته بين «الفائق» و«الخارق». لكنّ التشريعات لا تتعامل مع هذه التقنية بالطريقة نفسها. فالاتحاد الأوروبي يعرّفها بما يكاد يطابق التعريف الأميركي، ثم يرتّب على التعريف التزامات بحسب درجة الخطر، وعقوبات على المخالفة. وقد أقرّ البرلمان الأوروبي في حزيران الماضي تأجيل التزامات الأنظمة عالية الخطورة إلى أواخر 2027، استجابةً لشكاوى الشركات، من دون أن يلغيها. التقنية واحدة تقريباً؛ يربطها القانون الأوروبي بالمسؤولية، وتكتفي الإدارة الأميركية بربطها بتعهّد أخلاقي.
أما في سوريا، فبينما يتجادل العالم على الاسم، لا نجد بعد نصاً منشوراً يعرّف هذه التقنية. ففي السابع من تشرين الأول، صدر المرسوم رقم 183 بإحداث «المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة»، الذي يضع بين أهدافه توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية. قررنا إذاً أن نعلّم هذه التقنية، قبل أن نحدد ما هي في القانون، ومن يتحمّل الضرر حين يقع. وهي، في صيغتها المحلية، المعادلة ذاتها: الطموح يسبق المسؤولية. وحين يلتفت المشرّع السوري إليها، فأيّ الطريقين سيختار: أن يستورد الاسم البرّاق ويترك السوق بلا قيود، أم أن يبدأ مما تفعله هذه الأنظمة وما قد تُلحقه بالناس من ضرر، أيّاً كان الاسم؟
يُبقي القرار صراحةً على التعريف الوارد في قانون المبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي لعام 2020، وهو نظامٌ آليّ يستطيع، لأهداف يُحددها البشر، أن يُنتج توقعات أو توصيات أو قرارات تؤثّر في بيئات حقيقية أو افتراضية؛ فلا يمسّ نطاق ما يسميه. وبهذا المعنى، يدخل نظام توصيات عادي، كالذي يقترح عليك فيلماً أو أغنية، تحت الاسم الجديد بلغة الإدارة الأميركية. لكنّ القرار يطلب أيضاً، خلال ستين يوماً، صياغة تشريعية لتعريف فدرالي جديد، تقول ورقة الحقائق المرافقة له إنه يجب أن يعكس «تكنولوجيا استثنائية رائدة»، أي إنّ الاسم يسبق التعريف، وقد يأتي التعريف لاحقاً على مقاس الاسم.

والاسم نفسه لا يصف شيئاً قائماً. فحين تحدّث عالم الرياضيات البريطاني آي. جيه. غود عام 1965 عن «آلة فائقة الذكاء» (ultraintelligent machine)، كان يقصد آلة تتجاوز بكثير كل النشاطات الفكرية لأي إنسان، وحين عرّف الفيلسوف نيك بوستروم «الذكاء الفائق» عام 2014، وصفه بأنه عقل يتجاوز بكثير الأداء المعرفي للبشر في كل المجالات تقريباً. ويتفق المختصون على أن هذا المستوى لا يزال افتراضياً. ومع ذلك، حُسم اعتماد المصطلح باستطلاع طرحه ترامب على متابعيه في أيلول، عارضاً بدائل بينها «الذكاء المتفوّق» و«الذكاء الأسمى»، قبل أن تختار الأغلبية «الفائق».
وقبل القرار، كانت الكلمة تداولها خطابان متعاكسان. ففي تشرين الأول عام 2025، وقّع علماء بارزون، بينهم جيفري هينتون، بياناً يُطالب بحظر تطوير الذكاء الفائق إلى أن يتحقق إجماع علمي على أمانه وقبول شعبي واسع به. وقبلها بأشهر، كان رئيس «ميتا» مارك زوكربيرغ قد أعلن أن تطويره بات «في الأفق». والبيت الأبيض أخذ الكلمة من الخطاب الثاني. وفي يوم صدور القرار نفسه، وقّع رؤساء ست من كُبرى شركات التكنولوجيا «اتفاقاً» للأمان، لا يتضمن عقوبات ولا جهة رقابية، وصفه الرئيس بأنه «ملزم أخلاقياً» ولا يتجاوز نصه القول إن هذه الخطوات «قد تُقنَّن مستقبلاً». وكان بعض هذه الشركات قد دعا الكونغرس، في الشهر نفسه، إلى معايير أمان إلزامية. فاتّسع الاسم لطموحات السوق، فيما ضاق القيد حتى اقتصر على النوايا.
قد يُقال إن الاسم الجديد أقرب إلى الواقع، فهذه الأنظمة باتت تحيط بمعارف تفوق ما يحيط به أي فرد، وقد رأى أحد الباحثين أن التسمية وصف «معقول إلى حد ما» لبعض قدراتها. لا أجادل في أن هذه القدرات تتسع. لكنّ القانون، كما تعلّمناه، يعرّف الأشياء بما تفعله وبما قد تُلحقه من ضرر، أما ما تَعِد به فشأن آخر. فالطبيب لا يصير جرّاحاً لأن لقبه تغيّر، والآلة لا تصبح أقل خطراً لأن اسمها صار أجمل. وحين يُبنى التعريف على الطموح، يصبح من يسأل عن الضرر كأنه يشكك في المستقبل.
وهذا ما يظهر في خطاب الإدارة نفسها. فورقة الحقائق المرافقة للقرار تقدّم خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي بوصفها خطة «للفوز بسباق الذكاء الفائق»، وتمدّ الاسم إلى الماضي، فتصف سياسات الإدارة السابقة بأنها «سياسات ذكاء فائق» ضارة، رغم أن المصطلح لم يكن قد اعتُمد بعد. وكان ترامب قد وصف الحديث عن مخاطر هذه التقنية بأنه «خدعة»، فيما دعا مساعده للعلوم والتكنولوجيا مجلس الأمن الدولي إلى تجنّب إنشاء هياكل حوكمة دولية جديدة قد تقيّد الابتكار. ومن يملك سلطة التسمية يملك جزءاً من سلطة التنظيم؛ فما دام الاسم «فائقاً»، يبدو كل قيد عليه عائقاً. ولهذه التسمية كلفتها القانونية أيضاً؛ إذ ينبّه محامون في مكتب أميركي إلى أن العقود وبرامج الامتثال بُنيت على المصطلح القديم، فيما أصدر حاكم كاليفورنيا أمراً يُلزم وكالات ولايته بالتمسك بعبارة «الذكاء الاصطناعي»، فصار للتقنية نفسها، داخل البلد نفسه، اسمان رسميان.
ولا يبدو أن الاسم أقنع من وُجّه إليهم. فقد صدر القرار قبل أسابيع من الانتخابات النصفية، في وقت يتسع فيه الرفض المحلي لمراكز البيانات التي تحتاجها هذه الصناعة. وبحسب استطلاع حديث، لا يرضى عن تعامل ترامب مع هذا الملف سوى ربع الناخبين الأميركيين، ويفضّل نحو ثمانية من كل عشرة منهم الأمان على السباق. ويرى خبراء في التسويق أن الرهان على اسم جديد لتبديد هذا القلق «تفكير بالتمنّي»، وأن الكلمة قد ترتد عكسياً، لأنها توحي بتقنية تفلت من السيطرة، وهو ما يخشاه الناس أصلاً. حتى الشركات انقسمت بين من سارع إلى تبنّي الاسم، ومن تردد، ومن يشكك، بعيداً عن الأضواء، في أن يصمد.
ولم يُرِد ترامب للاسم أن يبقى أميركياً؛ إذ قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إنه يأمل أن تتغير «وثائق العالم أيضاً». وقد وصل المصطلح فعلاً إلى إعلامنا العربي، الذي انقسم في ترجمته بين «الفائق» و«الخارق». لكنّ التشريعات لا تتعامل مع هذه التقنية بالطريقة نفسها. فالاتحاد الأوروبي يعرّفها بما يكاد يطابق التعريف الأميركي، ثم يرتّب على التعريف التزامات بحسب درجة الخطر، وعقوبات على المخالفة. وقد أقرّ البرلمان الأوروبي في حزيران الماضي تأجيل التزامات الأنظمة عالية الخطورة إلى أواخر 2027، استجابةً لشكاوى الشركات، من دون أن يلغيها. التقنية واحدة تقريباً؛ يربطها القانون الأوروبي بالمسؤولية، وتكتفي الإدارة الأميركية بربطها بتعهّد أخلاقي.
أما في سوريا، فبينما يتجادل العالم على الاسم، لا نجد بعد نصاً منشوراً يعرّف هذه التقنية. ففي السابع من تشرين الأول، صدر المرسوم رقم 183 بإحداث «المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة»، الذي يضع بين أهدافه توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية. قررنا إذاً أن نعلّم هذه التقنية، قبل أن نحدد ما هي في القانون، ومن يتحمّل الضرر حين يقع. وهي، في صيغتها المحلية، المعادلة ذاتها: الطموح يسبق المسؤولية. وحين يلتفت المشرّع السوري إليها، فأيّ الطريقين سيختار: أن يستورد الاسم البرّاق ويترك السوق بلا قيود، أم أن يبدأ مما تفعله هذه الأنظمة وما قد تُلحقه بالناس من ضرر، أيّاً كان الاسم؟


