سوريا - اقتصاد
من البرتقال إلى الموز والأفوكادو.. هل يجد مزارعو الساحل مخرجاً من أزمة الدخل؟
من الحمضيات إلى الأفوكادو والموز.. مزارعو الساحل يبحثون عن الربح وسط تحديات المياه والتسويق
م
مجد محمد
نشر في: ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٧:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
لعقود طويلة، ارتبط الساحل السوري بزراعة الحمضيات، التي شكلت مصدر دخل لآلاف الأسر وواحدة من أهم ركائز القطاع الزراعي في اللاذقية وطرطوس. لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتذبذب الأسعار، وصعوبات التسويق، إلى جانب الجفاف والتغيرات المناخية، دفعت بعض المزارعين إلى البحث عن خيارات جديدة.
ومن هنا بدأت تظهر تجارب زراعة الأفوكادو والموز والمانغو والدراغون والكيوي والقشطة وغيرها من الفواكه الاستوائية، ليس باعتبارها بديلاً واسعاً للحمضيات حتى الآن، وإنما كمحاصيل جديدة يرى فيها بعض المزارعين فرصة لتحقيق عائد اقتصادي أفضل.
الحمضيات.. تراجع في الجدوى
تبلغ المساحة المزروعة بالحمضيات في سورية نحو 41 ألف هكتار، بإنتاج يقارب 597 ألف طن، تتركز غالبيتها في محافظتي اللاذقية وطرطوس، بإنتاج يقارب 440 ألف طن في اللاذقية و146 ألف طن في طرطوس.
وفي طرطوس وحدها تمتد زراعة الحمضيات على نحو 9200 هكتار، تضم قرابة 3.4 ملايين شجرة، بإنتاج يقدر بنحو 146 ألف طن سنوياً.
لكن هذه الأرقام تأتي في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطاً متزايدة، من ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والمازوت والعبوات وأجور اليد العاملة والنقل، وصولاً إلى صعوبة تصريف الإنتاج وتقلب الأسعار.
وبحسب مدير مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة حاتم مجر، تراجع إنتاج الحمضيات بنحو 38% مقارنة بمتوسط الإنتاج خلال السنوات العشر الماضية، في انعكاس لتداخل عوامل اقتصادية ومناخية ومائية.
ولا تتوقف المشكلة عند كمية الإنتاج، إذ يواجه المزارع الساحلي تحدياً إضافياً يتعلق بصغر الحيازات وتفتتها، ما يجعل تحقيق عائد مرتفع من كل وحدة مساحة أمراً أساسياً لاستمرار الأسرة الزراعية.
عندما يصبح السعر محركاً لقرار المزارع
في المقابل، بدأت زراعات مدارية تجد حضوراً متزايداً، وإن بقيت ضمن نطاق محدود حتى الآن، وتبلغ مساحة زراعة الكاكي نحو 1400 هكتار، بينما تصل مساحة الموز إلى نحو 250 هكتاراً بين الزراعات المكشوفة والمحمية، فيما تقل مساحة معظم الأنواع المدارية الأخرى عن 100 هكتار لكل محصول على مستوى البلاد.
وفي منطقة جبلة، تظهر أرقام لافتة في الزراعات المحمية، مع نحو 847 بيتاً محمياً للموز بمتوسط إنتاج يقارب 1.3 طن للبيت، إضافة إلى نحو 1568 بيتاً للدراغون فروت و17 بيتاً للمانغو.
أما في الزراعات المكشوفة، فتبلغ المساحات المسجلة نحو 8.7 هكتارات للموز، و19.64 هكتاراً للأفوكادو، و5.76 هكتارات للكيوي.
وتشير البيانات إلى أن إنتاج الزراعات المدارية في طرطوس بلغ نحو 10,146 طناً، وهو رقم لا يزال محدوداً مقارنة بإنتاج الحمضيات، لكنه يعكس اتجاهاً جديداً في خيارات بعض المزارعين.
الربحية.. لماذا يغامر المزارع؟
في بعض المواسم، تراوحت أسعار الأفوكادو في السوق المحلية بين 50 و70 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 90 ليرة جديدة للكيلوغرام المخصص للتصدير، بينما سجلت الأسعار في بداية بعض المواسم مستويات أعلى بكثير، وصلت إلى 250 و300 ليرة، وفي حالات محدودة إلى نحو 500 ليرة للكيلوغرام.
وهذه الأسعار توضح حجم الفارق المحتمل في العائد، فعلى سبيل المثال، بيع طن من الأفوكادو بسعر 250 ليرة جديدة للكيلوغرام يعني إيراداً إجمالياً يبلغ 250 ألف ليرة، ويرتفع إلى 500 ألف ليرة عند سعر 500 ليرة للكيلوغرام، وذلك قبل احتساب تكاليف الإنتاج والتسويق والنقل والخسائر.
أما الموز، فتشير تقديرات متداولة إلى أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام في الزراعات المحمية تتراوح بين 60 و80 ليرة، مقابل نحو 40 إلى 60 ليرة في الزراعة المكشوفة، فيما يمكن أن تتعرض هوامش الربح لضغوط كبيرة عندما تتراجع الأسعار أو ترتفع المنافسة نتيجة دخول المنتجات المستوردة.
وبالتالي، لا يعني السعر المرتفع بالضرورة ربحاً صافياً مرتفعاً، لكنه يفسر لماذا بدأ بعض المزارعين ينظرون إلى هذه الزراعات باعتبارها فرصة للحصول على عائد أكبر من المساحات المحدودة التي يمتلكونها.
صغر الحيازات يدفع المزارع إلى البحث عن أعلى عائد
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديث خاص لـ"العين السورية" ، أن التحول نحو الزراعات المدارية يرتبط بصورة مباشرة بالواقع الاقتصادي للحيازات الزراعية الساحلية الصغيرة والمفتتة.
ويقول عياش إن المزارع الساحلي يخضع لضغط اقتصادي شديد يدفعه للمغامرة؛ فبسبب صغر حجم الحيازات الزراعية المفتتة، يحتاج الفلاح إلى محصول يحقق أعلى عائد مالي ممكن للمتر المربع الواحد لكي يؤمّن معيشته.
ويضيف أن أسعار الحمضيات تدهورت بشكل حاد نتيجة فائض الإنتاج وضعف الاستهلاك المحلي والتصدير، مع تنويع كبير في وحدة المساحة، مما يجعل الفرز حسب الصنف مهمة صعبة لتلبية متطلبات الأسواق الخارجية، إضافة إلى متطلبات الزراعة المستدامة كالحدود المتبقية للأسمدة والمبيدات، والتي تحتاج وعياً وأساليب مناسبة للتعامل معها.
وبحسب عياش، فإن هذه العوامل جاءت في وقت تضخمت فيه تكاليف الإنتاج، من الأسمدة والمازوت والعبوات إلى النقل، الأمر الذي جعل الحمضيات، في بعض الحالات، غير قادرة على إعالة الأسر صاحبة الحيازات الصغيرة.
ويرى أن هذا الواقع، بالتوازي مع غياب التخطيط للإنتاج الزراعي والسياسات الموجهة، دفع المزارعين إلى ما وصفه بـ «الاجتهاد الشخصي»، عبر إدخال زراعات استوائية مثل الأفوكادو والموز والدراغون فروت كبديل سريع الربح.
ويشير إلى أن صغر الحيازة دفع بعض المزارعين إلى التنويع العشوائي داخل المزرعة الواحدة، من خلال خلط الحمضيات بالاستوائيات في بقعة ضيقة، كآلية دفاعية لتوزيع المخاطر وتأمين سيولة نقدية سريعة.
ماذا تقول وزارة الزراعة؟
وزارة الزراعة لا تنظر إلى الزراعات المدارية باعتبارها بديلاً عن الحمضيات، بل كمصدر دخل إضافي يمكن تطويره ضمن حدود الملاءمة البيئية والاقتصادية.
ويؤكد مدير مكتب الحمضيات في الوزارة حاتم مجر أن الزراعات المدارية لا تزال مكملة وليست بديلاً عن الحمضيات أو الخضار المحمية، وأن التوسع فيها يجب أن يرتبط بملاءمة البيئة والأسواق.
ويبدو الأفوكادو من أكثر الخيارات التي أثبتت قدرة على التكيف مع بعض مناطق الساحل، إذ جرى إدخال أصناف منه إلى المشاتل الحكومية بهدف دراسة وتوفير أصناف ملائمة للبيئة المحلية.
بدوره، يوضح مدير زراعة طرطوس الدكتور محمد عدنان أحمد أن أبرز الزراعات المدارية الموجودة في المحافظة تشمل الموز والأفوكادو والدراغون فروت والقشطة والكيوي، مع وجود مساحات محدودة من المانغو والبابايا والكاكاو والكاكي.
لكن هذه الزراعات تواجه، بحسب المعطيات الزراعية، تحديات مرتبطة بالظروف الجوية، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، والمنافسة مع المنتجات المستوردة.
الربح يفسر التحول.. لكنه لا يبرر التوسع العشوائي
ويرى الدكتور فادي عياش أن الربحية الحالية للزراعات المدارية تفسر من الناحية الاقتصادية سلوك المزارع، لكنها لا تكفي وحدها لتبرير توسع واسع وغير مدروس.
ويحذر عياش من أن الربحية الحالية المغرية للمحاصيل الاستوائية لا تعني بالضرورة استدامتها، وأن التوسع فيها يحمل مخاطر بنيوية إذا لم يسبقه تخطيط دقيق للمساحات والأسواق والمناخ والمياه.
ويضع الخبير ثلاثة مخاطر أساسية أمام هذا التوسع.
أولها عدم الملاءمة المناخية التامة، موضحاً أن مناخ الساحل السوري ليس استوائياً خالصاً، وهو عرضة لموجات الصقيع الشتوي والرياح الشديدة والانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة، وهي عوامل ترفع نسبة المخاطرة إلى حد إمكانية تعرض أشجار مثل الأفوكادو والموز لأضرار كبيرة، وصولاً إلى خسارتها بالكامل في موسم صقيع شديد.
أما الخطر الثاني، فيتمثل في تكرار أزمة التسويق وفخ فائض الإنتاج.
ويقول عياش إن غياب التخطيط والإحصاء الدقيق للمساحات المزروعة حديثاً يمهد لمشكلة اقتصادية محتملة، إذ إن وصول الأشجار الاستوائية إلى مرحلة الذروة الإنتاجية قد يؤدي إلى تضاعف المعروض محلياً بشكل مفاجئ، وفي ظل ضعف القدرة الشرائية المحلية يمكن أن يجد المزارع نفسه أمام مشكلة فائض إنتاج وضعف تسويق، ليتكرر سيناريو انهيار الأسعار الذي شهدته الحمضيات.
أما الخطر الثالث، فيرتبط بـالاستنزاف المائي، إذ يرى عياش أن الزراعات الاستوائية تتطلب كميات مياه ري مضاعفة مقارنة بالحمضيات، في وقت تعاني فيه مصادر المياه في الساحل أساساً من الجفاف وتراجع مخازين السدود والشبكات الحكومية.
المياه... تكلفة خفية في حسابات المزارع
المياه ليست تفصيلاً ثانوياً في حسابات التحول الزراعي، فالحمضيات تحتاج إلى كميات مهمة من الري، وكذلك معظم الزراعات المدارية، ولا سيما الموز والأفوكادو.
ومن هنا، لا يكفي مقارنة سعر طن من محصول بطن من محصول آخر، بل ينبغي احتساب كمية المياه اللازمة لإنتاج كل طن، والقيمة الاقتصادية التي يحققها كل متر مكعب من المياه، إلى جانب تكاليف الضخ والطاقة.
وتصبح كفاءة شبكات الري، وتوقيت السقاية، وتحليل التربة، واختيار الأصناف الملائمة، عوامل أساسية في تحديد الجدوى الحقيقية لأي محصول، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من ضغوط مائية.
ماذا نخسر إذا ربح المزارع؟
المعادلة لا تتعلق فقط بقدرة المزارع على تحقيق دخل أعلى، وإنما بما يمكن أن يترتب على انتقال واسع وغير منظم بين المحاصيل.
فمن منظور فردي، يبدو منطقياً أن يتجه المزارع إلى المحصول الذي يحقق له دخلاً أفضل، لكن على مستوى القطاع الزراعي ككل، يمكن أن يؤدي الانتقال الجماعي إلى محصول واحد إلى مشكلات جديدة، تبدأ من فائض الإنتاج ولا تنتهي عند استنزاف الموارد المائية.
وفي المقابل، يمكن أن يكون التنويع الزراعي المنظم فرصة لتقليل المخاطر، وفتح أسواق تصديرية جديدة، ورفع دخل المزارع، شرط ألا يؤدي إلى تقليص مفرط للمحاصيل الغذائية التقليدية أو زيادة الاعتماد على الاستيراد.
الإنقاذ يبدأ من التسويق والتصنيع وليس من منع التنويع
يطرح عياش مقاربة تقوم على الانتقال من العشوائية إلى التنظيم، عبر ثلاثة محاور رئيسية تبدأ بـكسر العقدة التسويقية للحمضيات.
ويشير إلى ضرورة معالجة ضعف التسويق الخارجي من خلال تفعيل دور مؤسسات المقايضة والاتفاقيات التجارية المباشرة، وتخفيض تكاليف الشحن والترانزيت، وفرض معايير توضيب متطورة تلبي متطلبات الأسواق الخارجية المستهدفة، بما يرفع تنافسية المنتج السوري.
أما المحور الثاني، فيتعلق بـتفعيل قطاع التصنيع الزراعي الشامل وصناعة القيمة المضافة.
ويرى عياش أن الحل الجذري لامتصاص فائض إنتاج الحمضيات لا يجب أن يتوقف عند معامل العصائر التقليدية، بل ينبغي تأسيس صناعات تحويلية تستفيد من كامل الثمرة.
ويكشف أن مشروعاً من هذا النوع وُضع له حجر أساس في عام 2014 لكنه لم يبصر النور، وأنه كان شخصياً من خبراء دراسة الجدوى الخاصة به.
ويشرح أن الصناعات الغذائية يمكن أن تحول الفائض إلى مركزات عصائر، واستخلاص المنكهات والمثخنات والملونات الغذائية الطبيعية من القشور والبذور، وهي منتجات تُستورد حالياً بالعملة الصعبة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يمكن للصناعات الثانوية، وفق عياش، أن تستفيد من المخلفات المتبقية بعد العصر لإنتاج أعلاف بروتينية عالية الجودة للمواشي وأسمدة عضوية «كومبوست» تغذي التربة الساحلية وتخفض تكاليف المدخلات على المزارع.
أما المحور الثالث، فيتمثل في حوكمة التنويع وضبط المساحات.
ويؤكد عياش ضرورة أن يكون التنويع مقيداً بالملاءمة البيئية، وأن يعمل الإرشاد الزراعي على توجيه أصحاب الحيازات الصغيرة نحو ما يسميه «التنويع الذكي والمحسوب»، بحيث تخصص نسبة محددة فقط من الحيازة للزراعات المدارية، كالأفوكادو الأكثر تحملاً، بما يضمن عدم تصفية بساتين الحمضيات بالكامل.
كما يدعو إلى ربط التراخيص بالخارطة المائية والمناخية، ومنع الزراعات الشرهة للمياه، مثل الموز المكشوف، في المناطق ذات العجز المائي المستمر، وحصر الدعم والترخيص في البؤر المناخية الأكثر دفئاً ووفرة مائية، بما يضمن استدامة الإنتاج.
الحمضيات تحتاج إلى إنقاذ اقتصادها
المشكلة إذاً لا تبدو في رغبة المزارع في تجربة محصول جديد، بقدر ما تكمن في غياب منظومة متكاملة تجعل قرار اختيار المحصول قائماً على بيانات واضحة تتعلق بالربحية والمياه والمناخ والسوق.
فالحمضيات تحتاج إلى معالجة اقتصادية متكاملة تبدأ من خفض كلفة الإنتاج، ولا تنتهي عند تحسين التسويق والتوضيب والتخزين والتصنيع والتصدير، فيما تحتاج الزراعات المدارية إلى تنظيم توسعها قبل أن تتحول من فرصة اقتصادية إلى أزمة فائض جديدة.
وبين إنقاذ محصول تقليدي وتنظيم محصول صاعد، تبدو الحاجة أكبر إلى سياسة زراعية تحدد أين يزرع كل محصول، وبأي مساحة، وبأي كلفة مائية، ولأي سوق، بحيث يصبح التنويع وسيلة لزيادة دخل المزارع لا سبباً في إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.
ومن هنا بدأت تظهر تجارب زراعة الأفوكادو والموز والمانغو والدراغون والكيوي والقشطة وغيرها من الفواكه الاستوائية، ليس باعتبارها بديلاً واسعاً للحمضيات حتى الآن، وإنما كمحاصيل جديدة يرى فيها بعض المزارعين فرصة لتحقيق عائد اقتصادي أفضل.
الحمضيات.. تراجع في الجدوى
تبلغ المساحة المزروعة بالحمضيات في سورية نحو 41 ألف هكتار، بإنتاج يقارب 597 ألف طن، تتركز غالبيتها في محافظتي اللاذقية وطرطوس، بإنتاج يقارب 440 ألف طن في اللاذقية و146 ألف طن في طرطوس.
وفي طرطوس وحدها تمتد زراعة الحمضيات على نحو 9200 هكتار، تضم قرابة 3.4 ملايين شجرة، بإنتاج يقدر بنحو 146 ألف طن سنوياً.
لكن هذه الأرقام تأتي في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطاً متزايدة، من ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والمازوت والعبوات وأجور اليد العاملة والنقل، وصولاً إلى صعوبة تصريف الإنتاج وتقلب الأسعار.
وبحسب مدير مكتب الحمضيات في وزارة الزراعة حاتم مجر، تراجع إنتاج الحمضيات بنحو 38% مقارنة بمتوسط الإنتاج خلال السنوات العشر الماضية، في انعكاس لتداخل عوامل اقتصادية ومناخية ومائية.
ولا تتوقف المشكلة عند كمية الإنتاج، إذ يواجه المزارع الساحلي تحدياً إضافياً يتعلق بصغر الحيازات وتفتتها، ما يجعل تحقيق عائد مرتفع من كل وحدة مساحة أمراً أساسياً لاستمرار الأسرة الزراعية.
عندما يصبح السعر محركاً لقرار المزارع
في المقابل، بدأت زراعات مدارية تجد حضوراً متزايداً، وإن بقيت ضمن نطاق محدود حتى الآن، وتبلغ مساحة زراعة الكاكي نحو 1400 هكتار، بينما تصل مساحة الموز إلى نحو 250 هكتاراً بين الزراعات المكشوفة والمحمية، فيما تقل مساحة معظم الأنواع المدارية الأخرى عن 100 هكتار لكل محصول على مستوى البلاد.
وفي منطقة جبلة، تظهر أرقام لافتة في الزراعات المحمية، مع نحو 847 بيتاً محمياً للموز بمتوسط إنتاج يقارب 1.3 طن للبيت، إضافة إلى نحو 1568 بيتاً للدراغون فروت و17 بيتاً للمانغو.
أما في الزراعات المكشوفة، فتبلغ المساحات المسجلة نحو 8.7 هكتارات للموز، و19.64 هكتاراً للأفوكادو، و5.76 هكتارات للكيوي.
وتشير البيانات إلى أن إنتاج الزراعات المدارية في طرطوس بلغ نحو 10,146 طناً، وهو رقم لا يزال محدوداً مقارنة بإنتاج الحمضيات، لكنه يعكس اتجاهاً جديداً في خيارات بعض المزارعين.
الربحية.. لماذا يغامر المزارع؟
في بعض المواسم، تراوحت أسعار الأفوكادو في السوق المحلية بين 50 و70 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 90 ليرة جديدة للكيلوغرام المخصص للتصدير، بينما سجلت الأسعار في بداية بعض المواسم مستويات أعلى بكثير، وصلت إلى 250 و300 ليرة، وفي حالات محدودة إلى نحو 500 ليرة للكيلوغرام.
وهذه الأسعار توضح حجم الفارق المحتمل في العائد، فعلى سبيل المثال، بيع طن من الأفوكادو بسعر 250 ليرة جديدة للكيلوغرام يعني إيراداً إجمالياً يبلغ 250 ألف ليرة، ويرتفع إلى 500 ألف ليرة عند سعر 500 ليرة للكيلوغرام، وذلك قبل احتساب تكاليف الإنتاج والتسويق والنقل والخسائر.
أما الموز، فتشير تقديرات متداولة إلى أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام في الزراعات المحمية تتراوح بين 60 و80 ليرة، مقابل نحو 40 إلى 60 ليرة في الزراعة المكشوفة، فيما يمكن أن تتعرض هوامش الربح لضغوط كبيرة عندما تتراجع الأسعار أو ترتفع المنافسة نتيجة دخول المنتجات المستوردة.
وبالتالي، لا يعني السعر المرتفع بالضرورة ربحاً صافياً مرتفعاً، لكنه يفسر لماذا بدأ بعض المزارعين ينظرون إلى هذه الزراعات باعتبارها فرصة للحصول على عائد أكبر من المساحات المحدودة التي يمتلكونها.
صغر الحيازات يدفع المزارع إلى البحث عن أعلى عائد
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، في حديث خاص لـ"العين السورية" ، أن التحول نحو الزراعات المدارية يرتبط بصورة مباشرة بالواقع الاقتصادي للحيازات الزراعية الساحلية الصغيرة والمفتتة.
ويقول عياش إن المزارع الساحلي يخضع لضغط اقتصادي شديد يدفعه للمغامرة؛ فبسبب صغر حجم الحيازات الزراعية المفتتة، يحتاج الفلاح إلى محصول يحقق أعلى عائد مالي ممكن للمتر المربع الواحد لكي يؤمّن معيشته.
ويضيف أن أسعار الحمضيات تدهورت بشكل حاد نتيجة فائض الإنتاج وضعف الاستهلاك المحلي والتصدير، مع تنويع كبير في وحدة المساحة، مما يجعل الفرز حسب الصنف مهمة صعبة لتلبية متطلبات الأسواق الخارجية، إضافة إلى متطلبات الزراعة المستدامة كالحدود المتبقية للأسمدة والمبيدات، والتي تحتاج وعياً وأساليب مناسبة للتعامل معها.
وبحسب عياش، فإن هذه العوامل جاءت في وقت تضخمت فيه تكاليف الإنتاج، من الأسمدة والمازوت والعبوات إلى النقل، الأمر الذي جعل الحمضيات، في بعض الحالات، غير قادرة على إعالة الأسر صاحبة الحيازات الصغيرة.
ويرى أن هذا الواقع، بالتوازي مع غياب التخطيط للإنتاج الزراعي والسياسات الموجهة، دفع المزارعين إلى ما وصفه بـ «الاجتهاد الشخصي»، عبر إدخال زراعات استوائية مثل الأفوكادو والموز والدراغون فروت كبديل سريع الربح.
ويشير إلى أن صغر الحيازة دفع بعض المزارعين إلى التنويع العشوائي داخل المزرعة الواحدة، من خلال خلط الحمضيات بالاستوائيات في بقعة ضيقة، كآلية دفاعية لتوزيع المخاطر وتأمين سيولة نقدية سريعة.
ماذا تقول وزارة الزراعة؟
وزارة الزراعة لا تنظر إلى الزراعات المدارية باعتبارها بديلاً عن الحمضيات، بل كمصدر دخل إضافي يمكن تطويره ضمن حدود الملاءمة البيئية والاقتصادية.
ويؤكد مدير مكتب الحمضيات في الوزارة حاتم مجر أن الزراعات المدارية لا تزال مكملة وليست بديلاً عن الحمضيات أو الخضار المحمية، وأن التوسع فيها يجب أن يرتبط بملاءمة البيئة والأسواق.
ويبدو الأفوكادو من أكثر الخيارات التي أثبتت قدرة على التكيف مع بعض مناطق الساحل، إذ جرى إدخال أصناف منه إلى المشاتل الحكومية بهدف دراسة وتوفير أصناف ملائمة للبيئة المحلية.
بدوره، يوضح مدير زراعة طرطوس الدكتور محمد عدنان أحمد أن أبرز الزراعات المدارية الموجودة في المحافظة تشمل الموز والأفوكادو والدراغون فروت والقشطة والكيوي، مع وجود مساحات محدودة من المانغو والبابايا والكاكاو والكاكي.
لكن هذه الزراعات تواجه، بحسب المعطيات الزراعية، تحديات مرتبطة بالظروف الجوية، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، والمنافسة مع المنتجات المستوردة.
الربح يفسر التحول.. لكنه لا يبرر التوسع العشوائي
ويرى الدكتور فادي عياش أن الربحية الحالية للزراعات المدارية تفسر من الناحية الاقتصادية سلوك المزارع، لكنها لا تكفي وحدها لتبرير توسع واسع وغير مدروس.
ويحذر عياش من أن الربحية الحالية المغرية للمحاصيل الاستوائية لا تعني بالضرورة استدامتها، وأن التوسع فيها يحمل مخاطر بنيوية إذا لم يسبقه تخطيط دقيق للمساحات والأسواق والمناخ والمياه.
ويضع الخبير ثلاثة مخاطر أساسية أمام هذا التوسع.
أولها عدم الملاءمة المناخية التامة، موضحاً أن مناخ الساحل السوري ليس استوائياً خالصاً، وهو عرضة لموجات الصقيع الشتوي والرياح الشديدة والانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة، وهي عوامل ترفع نسبة المخاطرة إلى حد إمكانية تعرض أشجار مثل الأفوكادو والموز لأضرار كبيرة، وصولاً إلى خسارتها بالكامل في موسم صقيع شديد.
أما الخطر الثاني، فيتمثل في تكرار أزمة التسويق وفخ فائض الإنتاج.
ويقول عياش إن غياب التخطيط والإحصاء الدقيق للمساحات المزروعة حديثاً يمهد لمشكلة اقتصادية محتملة، إذ إن وصول الأشجار الاستوائية إلى مرحلة الذروة الإنتاجية قد يؤدي إلى تضاعف المعروض محلياً بشكل مفاجئ، وفي ظل ضعف القدرة الشرائية المحلية يمكن أن يجد المزارع نفسه أمام مشكلة فائض إنتاج وضعف تسويق، ليتكرر سيناريو انهيار الأسعار الذي شهدته الحمضيات.
أما الخطر الثالث، فيرتبط بـالاستنزاف المائي، إذ يرى عياش أن الزراعات الاستوائية تتطلب كميات مياه ري مضاعفة مقارنة بالحمضيات، في وقت تعاني فيه مصادر المياه في الساحل أساساً من الجفاف وتراجع مخازين السدود والشبكات الحكومية.
المياه... تكلفة خفية في حسابات المزارع
المياه ليست تفصيلاً ثانوياً في حسابات التحول الزراعي، فالحمضيات تحتاج إلى كميات مهمة من الري، وكذلك معظم الزراعات المدارية، ولا سيما الموز والأفوكادو.
ومن هنا، لا يكفي مقارنة سعر طن من محصول بطن من محصول آخر، بل ينبغي احتساب كمية المياه اللازمة لإنتاج كل طن، والقيمة الاقتصادية التي يحققها كل متر مكعب من المياه، إلى جانب تكاليف الضخ والطاقة.
وتصبح كفاءة شبكات الري، وتوقيت السقاية، وتحليل التربة، واختيار الأصناف الملائمة، عوامل أساسية في تحديد الجدوى الحقيقية لأي محصول، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من ضغوط مائية.
ماذا نخسر إذا ربح المزارع؟
المعادلة لا تتعلق فقط بقدرة المزارع على تحقيق دخل أعلى، وإنما بما يمكن أن يترتب على انتقال واسع وغير منظم بين المحاصيل.
فمن منظور فردي، يبدو منطقياً أن يتجه المزارع إلى المحصول الذي يحقق له دخلاً أفضل، لكن على مستوى القطاع الزراعي ككل، يمكن أن يؤدي الانتقال الجماعي إلى محصول واحد إلى مشكلات جديدة، تبدأ من فائض الإنتاج ولا تنتهي عند استنزاف الموارد المائية.
وفي المقابل، يمكن أن يكون التنويع الزراعي المنظم فرصة لتقليل المخاطر، وفتح أسواق تصديرية جديدة، ورفع دخل المزارع، شرط ألا يؤدي إلى تقليص مفرط للمحاصيل الغذائية التقليدية أو زيادة الاعتماد على الاستيراد.
الإنقاذ يبدأ من التسويق والتصنيع وليس من منع التنويع
يطرح عياش مقاربة تقوم على الانتقال من العشوائية إلى التنظيم، عبر ثلاثة محاور رئيسية تبدأ بـكسر العقدة التسويقية للحمضيات.
ويشير إلى ضرورة معالجة ضعف التسويق الخارجي من خلال تفعيل دور مؤسسات المقايضة والاتفاقيات التجارية المباشرة، وتخفيض تكاليف الشحن والترانزيت، وفرض معايير توضيب متطورة تلبي متطلبات الأسواق الخارجية المستهدفة، بما يرفع تنافسية المنتج السوري.
أما المحور الثاني، فيتعلق بـتفعيل قطاع التصنيع الزراعي الشامل وصناعة القيمة المضافة.
ويرى عياش أن الحل الجذري لامتصاص فائض إنتاج الحمضيات لا يجب أن يتوقف عند معامل العصائر التقليدية، بل ينبغي تأسيس صناعات تحويلية تستفيد من كامل الثمرة.
ويكشف أن مشروعاً من هذا النوع وُضع له حجر أساس في عام 2014 لكنه لم يبصر النور، وأنه كان شخصياً من خبراء دراسة الجدوى الخاصة به.
ويشرح أن الصناعات الغذائية يمكن أن تحول الفائض إلى مركزات عصائر، واستخلاص المنكهات والمثخنات والملونات الغذائية الطبيعية من القشور والبذور، وهي منتجات تُستورد حالياً بالعملة الصعبة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يمكن للصناعات الثانوية، وفق عياش، أن تستفيد من المخلفات المتبقية بعد العصر لإنتاج أعلاف بروتينية عالية الجودة للمواشي وأسمدة عضوية «كومبوست» تغذي التربة الساحلية وتخفض تكاليف المدخلات على المزارع.
أما المحور الثالث، فيتمثل في حوكمة التنويع وضبط المساحات.
ويؤكد عياش ضرورة أن يكون التنويع مقيداً بالملاءمة البيئية، وأن يعمل الإرشاد الزراعي على توجيه أصحاب الحيازات الصغيرة نحو ما يسميه «التنويع الذكي والمحسوب»، بحيث تخصص نسبة محددة فقط من الحيازة للزراعات المدارية، كالأفوكادو الأكثر تحملاً، بما يضمن عدم تصفية بساتين الحمضيات بالكامل.
كما يدعو إلى ربط التراخيص بالخارطة المائية والمناخية، ومنع الزراعات الشرهة للمياه، مثل الموز المكشوف، في المناطق ذات العجز المائي المستمر، وحصر الدعم والترخيص في البؤر المناخية الأكثر دفئاً ووفرة مائية، بما يضمن استدامة الإنتاج.
الحمضيات تحتاج إلى إنقاذ اقتصادها
المشكلة إذاً لا تبدو في رغبة المزارع في تجربة محصول جديد، بقدر ما تكمن في غياب منظومة متكاملة تجعل قرار اختيار المحصول قائماً على بيانات واضحة تتعلق بالربحية والمياه والمناخ والسوق.
فالحمضيات تحتاج إلى معالجة اقتصادية متكاملة تبدأ من خفض كلفة الإنتاج، ولا تنتهي عند تحسين التسويق والتوضيب والتخزين والتصنيع والتصدير، فيما تحتاج الزراعات المدارية إلى تنظيم توسعها قبل أن تتحول من فرصة اقتصادية إلى أزمة فائض جديدة.
وبين إنقاذ محصول تقليدي وتنظيم محصول صاعد، تبدو الحاجة أكبر إلى سياسة زراعية تحدد أين يزرع كل محصول، وبأي مساحة، وبأي كلفة مائية، ولأي سوق، بحيث يصبح التنويع وسيلة لزيادة دخل المزارع لا سبباً في إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.


