سوريا - اقتصاد
هل تدفع رسوم تسجيل المشاريع المرتفعة إلى توسّع اقتصاد الظل في سوريا؟
اقتصاد الظل في سوريا.. أعباء التسجيل تدفع المشاريع خارج الإطار الرسمي وتحرم الخزينة من إيرادات
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
في سوق تتراجع فيها القدرة الشرائية وتتزايد فيها الضغوط على أصحاب الأعمال، لا يبدو العمل خارج الاقتصاد الرسمي مجرد مخالفة للإجراءات القانونية، بل ظاهرة ترتبط بتعقيدات التسجيل، وارتفاع تكاليف الالتزام، وضعف الدخل، وتراجع النشاط الاقتصادي. وبينما تجد بعض الورش والمحال الصغيرة صعوبة في تحمل الأعباء الإدارية والمالية، تواجه الشركات المسجلة منافسة غير متكافئة، فيما تخسر الخزينة العامة إيرادات تحتاج إليها لتمويل الخدمات والإنفاق العام.
ويطرح اتساع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا تساؤلات حول قدرة التشريعات والإجراءات الحالية على استيعاب الأنشطة الصغيرة، ومدى الحاجة إلى تغيير طريقة التعامل معها، من التركيز على الملاحقة والعقوبات إلى توفير حوافز تجعل التسجيل الرسمي خيارًا مجديًا لأصحاب المشاريع.
البيروقراطية وضعف الدخل.. عوامل توسّع اقتصاد الظل
تتعدد أسباب انتشار الاقتصاد غير الرسمي، ولا يمكن حصرها في التهرب الضريبي وحده، إذ تتداخل العوامل الإدارية والمالية والمعيشية مع تراجع النشاط الاقتصادي الرسمي.
ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد لـ«العين السورية» أن الرسوم والمتطلبات الإدارية تشكل أحد أبرز العوائق أمام تسجيل الأنشطة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق بحجم الرسوم فقط، بل تشمل أيضًا تعدد الإجراءات والمستندات المطلوبة، من الاشتراك في التأمينات الاجتماعية، والحصول على سجل تجاري أو صناعي وتجديده، إلى الانتساب إلى غرف التجارة أو الصناعة أو الزراعة.
وبالنسبة إلى الورش الصغيرة وبعض المحال التجارية، قد تبدو هذه الإجراءات مرهقة أو غير متناسبة مع حجم النشاط وإيراداته، ما يدفع بعض أصحابها إلى مواصلة العمل خارج الإطار الرسمي، بدلًا من تحمل التكاليف المرتبطة بالتسجيل والالتزامات المستمرة.
ولا تنفصل هذه العوامل عن ضعف الدخول. فبحسب الأرقام الواردة، يبلغ الحد الأدنى للأجور في سوريا نحو 12,365 ليرة، بما يعادل قرابة 103 دولارات وفق سعر الصرف الرسمي، ونحو 90 دولارًا وفق سعر الصرف الموازي. وفي ظل محدودية الدخل، قد يضطر بعض الأفراد إلى ممارسة أعمال إضافية لتأمين احتياجاتهم، فيما تتجه أنشطة أخرى إلى العمل خارج الأطر الرسمية لتقليل التكاليف.
ويشير الدكتور محمد أيضًا إلى ضعف النظام المصرفي ومحدودية الاعتماد عليه في التعاملات الاقتصادية، إلى جانب الضرائب والرسوم التي قد تدفع بعض أصحاب الأعمال في مختلف البلدان إلى تجنب التسجيل الرسمي بهدف تخفيف الأعباء المالية.
كما يسهم تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الاقتصاد الرسمي في توسيع هذه الظاهرة، مع تقلص فرص العمل المنظمة وتزايد لجوء الأفراد إلى أنشطة خارج الأطر القانونية لتأمين مصادر دخلهم.
ويضيف محمد أن تراجع الوضع الأمني خلال السنوات الماضية أسهم بدوره في تعقيد الظروف التي يعمل فيها الاقتصاد السوري.
منافسة غير عادلة وخسائر للخزينة العامة
لا تقف آثار الاقتصاد غير الرسمي عند حدود عدم التسجيل، بل تمتد إلى طبيعة المنافسة داخل السوق وقدرة الدولة على تحصيل إيراداتها.
ويوضح الدكتور محمد أن الشركات المسجلة في الاقتصاد الرسمي تتحمل التزامات تشمل الضرائب والرسوم والاشتراكات التأمينية، إلى جانب متطلبات الجهات الرسمية، بينما لا تتحمل الأنشطة غير المسجلة الأعباء نفسها بالدرجة ذاتها.
وينتج عن ذلك تفاوت في التكاليف بين الشركات العاملة في السوق، إذ تجد المنشآت الملتزمة نفسها في مواجهة منافسين لا يتحملون الالتزامات المالية والإدارية ذاتها، ما يضعها أمام منافسة غير عادلة، ولا سيما عندما تكون هوامش الربح محدودة.
وفي هذا السياق، لا تتعلق المشكلة بمخالفة القواعد التنظيمية فحسب، بل أيضًا بقدرة الاقتصاد على توفير بيئة تنافسية متوازنة، لا تتحول فيها الالتزامات القانونية إلى عبء إضافي على الشركات التي تسعى إلى العمل بصورة نظامية.
أما على مستوى المالية العامة، فيحرم اتساع الاقتصاد غير الرسمي الخزينة من إيرادات تشمل الضرائب والرسوم، إلى جانب الاشتراكات في التأمينات الاجتماعية والإيرادات الأخرى المرتبطة بتسجيل الأنشطة الاقتصادية والتزامها بالمتطلبات القانونية.
وبحسب محمد، كلما اتسع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، تراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المستحقة، ما ينعكس على موارد الخزينة العامة.
لكن معالجة هذه المشكلة لا تعني بالضرورة رفع الأعباء على جميع الأنشطة القائمة، إذ إن زيادة الالتزامات على المشاريع الصغيرة التي تواجه صعوبات مالية قد تدفع بعضها إلى مزيد من التهرب بدلًا من الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
من العقوبات إلى الحوافز.. كيف يمكن دمج المشاريع؟
يرى الخبير محمد أن الخطوة الأولى لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي تتمثل في إصدار تشريعات واضحة وشاملة تنظم المشاريع بمختلف قطاعاتها وأحجامها، من متناهية الصغر والصغيرة إلى المتوسطة، مع تحديد تصنيفاتها ورؤوس أموالها والمتطلبات اللازمة لعملها.
ويشمل ذلك، وفق طرحه، وضع إطار قانوني يراعي الفروق بين الأنشطة الاقتصادية، بحيث لا تخضع ورشة صغيرة للمتطلبات نفسها المفروضة على منشأة متوسطة أو كبيرة، مع ضمان وضوح الإجراءات والالتزامات المطلوبة من كل فئة.
ولا يقتصر الدمج على تعديل التشريعات، بل يتطلب أيضًا تبسيط إجراءات التسجيل، والحد من الروتين والبيروقراطية، واعتماد معاملات ضريبية تفضيلية تتدرج بحسب حجم المشروع، إلى جانب تخفيض الرسوم وتقديم إعفاءات لبعض الأنشطة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
ويشير محمد إلى أهمية دعم مشاريع التصنيع الغذائي وبعض الصناعات التحويلية، من خلال تسهيلات تشجعها على التسجيل والاستمرار ضمن الاقتصاد الرسمي، فضلًا عن مساعدة المنشآت التي تنتقل إلى هذا القطاع على الارتباط بالنظام المصرفي والاستفادة من المدفوعات الرقمية وأدوات التحول الرقمي.
ويعني هذا التوجه أن التسجيل ينبغي ألا يقتصر على إضافة اسم المنشأة إلى السجلات الرسمية، بل يجب أن يتيح لها الاستفادة من خدمات وتسهيلات تساعدها على تطوير أعمالها، والوصول إلى الخدمات المصرفية، وتوسيع نشاطها بصورة قانونية.
ويؤكد أن تحقيق منفعة حقيقية لأصحاب الأعمال هو الأساس في عملية الدمج، معتبرًا أن التحفيز أكثر فاعلية من الاعتماد على العقوبات وحدها، مع ضرورة العمل على إلغاء الأنشطة غير المشروعة.
هل يؤدي دمج الاقتصاد غير الرسمي إلى زيادة الإيرادات؟
قد يبدو توسيع قاعدة المكلفين وتسجيل المزيد من الأنشطة الاقتصادية طريقًا مباشرًا لزيادة إيرادات الدولة، لكن عملية الدمج تتطلب، وفق رؤية الخبير محمد، التعامل مع المرحلة الانتقالية وما تستلزمه من حوافز وتسهيلات.
ففي البداية، قد تحتاج الدولة إلى تخفيض بعض الضرائب والرسوم الجمركية، وتقديم تسهيلات مصرفية وتبسيط إجراءات العمل، بهدف تشجيع أصحاب المشاريع على التسجيل والانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
وبالتالي، فإن زيادة الإيرادات لا ينبغي أن تُقاس فقط بما يمكن تحصيله فور تسجيل المنشآت، بل بما يمكن أن ينتج عن توسيع قاعدة الأنشطة النظامية، واستمرار المشاريع في العمل، وتحسن قدرتها على الإنتاج والنمو.
ويتوقع محمد أن يسهم تنظيم الاقتصاد غير الرسمي في تحسين الإيرادات العامة تدريجيًا، على أن يظهر الأثر بصورة أساسية على المدى البعيد، مع انتقال المزيد من الأنشطة إلى الاقتصاد الرسمي.
وهنا تبرز معادلة أساسية أمام صانعي السياسات الاقتصادية: كيف يمكن توسيع قاعدة التسجيل والامتثال القانوني من دون فرض أعباء تدفع المشاريع الصغيرة إلى الانسحاب أو الاستمرار في العمل خارج النظام؟
تنظيم اقتصاد الظل يبدأ بمعالجة أسباب انتشاره
إن اتساع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا يضع السياسات الاقتصادية أمام تحدٍّ يتجاوز مسألة تحصيل الضرائب والرسوم، ليشمل طبيعة العلاقة بين الدولة وأصحاب الأعمال، ومدى قدرة التشريعات على استيعاب المشاريع الصغيرة وتوفير بيئة تسمح لها بالعمل والنمو.
فإذا كانت تعقيدات الإجراءات وتكاليف التسجيل وضعف الدخل ومحدودية الخدمات المصرفية من العوامل التي تدفع بعض الأنشطة إلى العمل خارج الإطار الرسمي، فإن معالجة الظاهرة تتطلب التعامل مع هذه الأسباب بالتوازي مع تطبيق القواعد القانونية.
ولا يعني ذلك إعفاء الأنشطة الاقتصادية من التزاماتها، بل بناء نظام أكثر وضوحًا وتدرجًا، يوازن بين قدرة أصحاب المشاريع على الامتثال وحق الدولة في تحصيل الإيرادات، ويضمن ألا تتحمل الشركات الملتزمة وحدها كلفة العمل وفق القانون.
ولا يتوقف نجاح دمج الاقتصاد غير الرسمي على عدد المنشآت التي تدخل السجلات الرسمية، بل على قدرتها على الاستمرار ضمنها. فكلما أصبح التسجيل أقل تعقيدًا وأكثر تناسبًا مع حجم النشاط، وارتبط بمنافع ملموسة لأصحاب الأعمال، ازدادت فرص توسيع الاقتصاد الرسمي وتعزيز المنافسة وتحسين موارد الخزينة العامة.
شركاء حقيقيون
من جانبه، يؤكد عضو غرفة تجارة ريف دمشق بسام سلطان أن اقتصاد الظل يشغل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في سورية، وقد يفاجأ المرء بحجم هذه الأعمال والإيرادات التي تحققها.
ويرى أن النهوض بالواقع الاقتصادي الوطني يحتاج إلى مشاركة هذه الأعمال، ولكن بعد اتخاذ إجراءات تجعل رواد اقتصاد الظل شركاء حقيقيين، بعيدًا عن الاقتصار على مطالبتهم بتسديد ما يترتب عليهم من التزامات للخزينة العامة.
ويضيف أن من يملك عملًا أو استثمارًا سيكون مهتمًا بتسجيله والحصول على ترخيص، وأن ذلك يجب أن يقوم على الشراكة وبناء الثقة.
ويوضح أن الإجراءات التي فرضت سابقًا بعض الاشتراطات على التجار وأصحاب المحال للحصول على ترخيص أو سجل تجاري لم تحقق النتيجة المرجوة، فلا يمكن فرض عدد محدد من العمال على التاجر لتسجيلهم، فهو أقدر على تحديد حاجته من العمالة.
ويضيف أن رفع الرسوم والبدلات ربما دفع كثيرين إلى الابتعاد عن الترخيص وتفضيل العمل ضمن اقتصاد الظل، ما فوّت على الخزينة العامة إيرادات ليست بالقليلة، داعيًا إلى اعتماد معادلة «رسوم أقل وتسجيل أعلى».
في سوق تتراجع فيها القدرة الشرائية وتتزايد فيها الضغوط على أصحاب الأعمال، لا يبدو العمل خارج الاقتصاد الرسمي مجرد مخالفة للإجراءات القانونية، بل ظاهرة ترتبط بتعقيدات التسجيل، وارتفاع تكاليف الالتزام، وضعف الدخل، وتراجع النشاط الاقتصادي. وبينما تجد بعض الورش والمحال الصغيرة صعوبة في تحمل الأعباء الإدارية والمالية، تواجه الشركات المسجلة منافسة غير متكافئة، فيما تخسر الخزينة العامة إيرادات تحتاج إليها لتمويل الخدمات والإنفاق العام.
ويطرح اتساع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا تساؤلات حول قدرة التشريعات والإجراءات الحالية على استيعاب الأنشطة الصغيرة، ومدى الحاجة إلى تغيير طريقة التعامل معها، من التركيز على الملاحقة والعقوبات إلى توفير حوافز تجعل التسجيل الرسمي خيارًا مجديًا لأصحاب المشاريع.
البيروقراطية وضعف الدخل.. عوامل توسّع اقتصاد الظل
تتعدد أسباب انتشار الاقتصاد غير الرسمي، ولا يمكن حصرها في التهرب الضريبي وحده، إذ تتداخل العوامل الإدارية والمالية والمعيشية مع تراجع النشاط الاقتصادي الرسمي.
ويوضح الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد لـ«العين السورية» أن الرسوم والمتطلبات الإدارية تشكل أحد أبرز العوائق أمام تسجيل الأنشطة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق بحجم الرسوم فقط، بل تشمل أيضًا تعدد الإجراءات والمستندات المطلوبة، من الاشتراك في التأمينات الاجتماعية، والحصول على سجل تجاري أو صناعي وتجديده، إلى الانتساب إلى غرف التجارة أو الصناعة أو الزراعة.
وبالنسبة إلى الورش الصغيرة وبعض المحال التجارية، قد تبدو هذه الإجراءات مرهقة أو غير متناسبة مع حجم النشاط وإيراداته، ما يدفع بعض أصحابها إلى مواصلة العمل خارج الإطار الرسمي، بدلًا من تحمل التكاليف المرتبطة بالتسجيل والالتزامات المستمرة.
ولا تنفصل هذه العوامل عن ضعف الدخول. فبحسب الأرقام الواردة، يبلغ الحد الأدنى للأجور في سوريا نحو 12,365 ليرة، بما يعادل قرابة 103 دولارات وفق سعر الصرف الرسمي، ونحو 90 دولارًا وفق سعر الصرف الموازي. وفي ظل محدودية الدخل، قد يضطر بعض الأفراد إلى ممارسة أعمال إضافية لتأمين احتياجاتهم، فيما تتجه أنشطة أخرى إلى العمل خارج الأطر الرسمية لتقليل التكاليف.
ويشير الدكتور محمد أيضًا إلى ضعف النظام المصرفي ومحدودية الاعتماد عليه في التعاملات الاقتصادية، إلى جانب الضرائب والرسوم التي قد تدفع بعض أصحاب الأعمال في مختلف البلدان إلى تجنب التسجيل الرسمي بهدف تخفيف الأعباء المالية.
كما يسهم تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الاقتصاد الرسمي في توسيع هذه الظاهرة، مع تقلص فرص العمل المنظمة وتزايد لجوء الأفراد إلى أنشطة خارج الأطر القانونية لتأمين مصادر دخلهم.
ويضيف محمد أن تراجع الوضع الأمني خلال السنوات الماضية أسهم بدوره في تعقيد الظروف التي يعمل فيها الاقتصاد السوري.
منافسة غير عادلة وخسائر للخزينة العامة
لا تقف آثار الاقتصاد غير الرسمي عند حدود عدم التسجيل، بل تمتد إلى طبيعة المنافسة داخل السوق وقدرة الدولة على تحصيل إيراداتها.
ويوضح الدكتور محمد أن الشركات المسجلة في الاقتصاد الرسمي تتحمل التزامات تشمل الضرائب والرسوم والاشتراكات التأمينية، إلى جانب متطلبات الجهات الرسمية، بينما لا تتحمل الأنشطة غير المسجلة الأعباء نفسها بالدرجة ذاتها.
وينتج عن ذلك تفاوت في التكاليف بين الشركات العاملة في السوق، إذ تجد المنشآت الملتزمة نفسها في مواجهة منافسين لا يتحملون الالتزامات المالية والإدارية ذاتها، ما يضعها أمام منافسة غير عادلة، ولا سيما عندما تكون هوامش الربح محدودة.
وفي هذا السياق، لا تتعلق المشكلة بمخالفة القواعد التنظيمية فحسب، بل أيضًا بقدرة الاقتصاد على توفير بيئة تنافسية متوازنة، لا تتحول فيها الالتزامات القانونية إلى عبء إضافي على الشركات التي تسعى إلى العمل بصورة نظامية.
أما على مستوى المالية العامة، فيحرم اتساع الاقتصاد غير الرسمي الخزينة من إيرادات تشمل الضرائب والرسوم، إلى جانب الاشتراكات في التأمينات الاجتماعية والإيرادات الأخرى المرتبطة بتسجيل الأنشطة الاقتصادية والتزامها بالمتطلبات القانونية.
وبحسب محمد، كلما اتسع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، تراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات المستحقة، ما ينعكس على موارد الخزينة العامة.
لكن معالجة هذه المشكلة لا تعني بالضرورة رفع الأعباء على جميع الأنشطة القائمة، إذ إن زيادة الالتزامات على المشاريع الصغيرة التي تواجه صعوبات مالية قد تدفع بعضها إلى مزيد من التهرب بدلًا من الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
من العقوبات إلى الحوافز.. كيف يمكن دمج المشاريع؟
يرى الخبير محمد أن الخطوة الأولى لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي تتمثل في إصدار تشريعات واضحة وشاملة تنظم المشاريع بمختلف قطاعاتها وأحجامها، من متناهية الصغر والصغيرة إلى المتوسطة، مع تحديد تصنيفاتها ورؤوس أموالها والمتطلبات اللازمة لعملها.
ويشمل ذلك، وفق طرحه، وضع إطار قانوني يراعي الفروق بين الأنشطة الاقتصادية، بحيث لا تخضع ورشة صغيرة للمتطلبات نفسها المفروضة على منشأة متوسطة أو كبيرة، مع ضمان وضوح الإجراءات والالتزامات المطلوبة من كل فئة.
ولا يقتصر الدمج على تعديل التشريعات، بل يتطلب أيضًا تبسيط إجراءات التسجيل، والحد من الروتين والبيروقراطية، واعتماد معاملات ضريبية تفضيلية تتدرج بحسب حجم المشروع، إلى جانب تخفيض الرسوم وتقديم إعفاءات لبعض الأنشطة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
ويشير محمد إلى أهمية دعم مشاريع التصنيع الغذائي وبعض الصناعات التحويلية، من خلال تسهيلات تشجعها على التسجيل والاستمرار ضمن الاقتصاد الرسمي، فضلًا عن مساعدة المنشآت التي تنتقل إلى هذا القطاع على الارتباط بالنظام المصرفي والاستفادة من المدفوعات الرقمية وأدوات التحول الرقمي.
ويعني هذا التوجه أن التسجيل ينبغي ألا يقتصر على إضافة اسم المنشأة إلى السجلات الرسمية، بل يجب أن يتيح لها الاستفادة من خدمات وتسهيلات تساعدها على تطوير أعمالها، والوصول إلى الخدمات المصرفية، وتوسيع نشاطها بصورة قانونية.
ويؤكد أن تحقيق منفعة حقيقية لأصحاب الأعمال هو الأساس في عملية الدمج، معتبرًا أن التحفيز أكثر فاعلية من الاعتماد على العقوبات وحدها، مع ضرورة العمل على إلغاء الأنشطة غير المشروعة.
هل يؤدي دمج الاقتصاد غير الرسمي إلى زيادة الإيرادات؟
قد يبدو توسيع قاعدة المكلفين وتسجيل المزيد من الأنشطة الاقتصادية طريقًا مباشرًا لزيادة إيرادات الدولة، لكن عملية الدمج تتطلب، وفق رؤية الخبير محمد، التعامل مع المرحلة الانتقالية وما تستلزمه من حوافز وتسهيلات.
ففي البداية، قد تحتاج الدولة إلى تخفيض بعض الضرائب والرسوم الجمركية، وتقديم تسهيلات مصرفية وتبسيط إجراءات العمل، بهدف تشجيع أصحاب المشاريع على التسجيل والانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
وبالتالي، فإن زيادة الإيرادات لا ينبغي أن تُقاس فقط بما يمكن تحصيله فور تسجيل المنشآت، بل بما يمكن أن ينتج عن توسيع قاعدة الأنشطة النظامية، واستمرار المشاريع في العمل، وتحسن قدرتها على الإنتاج والنمو.
ويتوقع محمد أن يسهم تنظيم الاقتصاد غير الرسمي في تحسين الإيرادات العامة تدريجيًا، على أن يظهر الأثر بصورة أساسية على المدى البعيد، مع انتقال المزيد من الأنشطة إلى الاقتصاد الرسمي.
وهنا تبرز معادلة أساسية أمام صانعي السياسات الاقتصادية: كيف يمكن توسيع قاعدة التسجيل والامتثال القانوني من دون فرض أعباء تدفع المشاريع الصغيرة إلى الانسحاب أو الاستمرار في العمل خارج النظام؟
تنظيم اقتصاد الظل يبدأ بمعالجة أسباب انتشاره
إن اتساع الاقتصاد غير الرسمي في سوريا يضع السياسات الاقتصادية أمام تحدٍّ يتجاوز مسألة تحصيل الضرائب والرسوم، ليشمل طبيعة العلاقة بين الدولة وأصحاب الأعمال، ومدى قدرة التشريعات على استيعاب المشاريع الصغيرة وتوفير بيئة تسمح لها بالعمل والنمو.
فإذا كانت تعقيدات الإجراءات وتكاليف التسجيل وضعف الدخل ومحدودية الخدمات المصرفية من العوامل التي تدفع بعض الأنشطة إلى العمل خارج الإطار الرسمي، فإن معالجة الظاهرة تتطلب التعامل مع هذه الأسباب بالتوازي مع تطبيق القواعد القانونية.
ولا يعني ذلك إعفاء الأنشطة الاقتصادية من التزاماتها، بل بناء نظام أكثر وضوحًا وتدرجًا، يوازن بين قدرة أصحاب المشاريع على الامتثال وحق الدولة في تحصيل الإيرادات، ويضمن ألا تتحمل الشركات الملتزمة وحدها كلفة العمل وفق القانون.
ولا يتوقف نجاح دمج الاقتصاد غير الرسمي على عدد المنشآت التي تدخل السجلات الرسمية، بل على قدرتها على الاستمرار ضمنها. فكلما أصبح التسجيل أقل تعقيدًا وأكثر تناسبًا مع حجم النشاط، وارتبط بمنافع ملموسة لأصحاب الأعمال، ازدادت فرص توسيع الاقتصاد الرسمي وتعزيز المنافسة وتحسين موارد الخزينة العامة.
شركاء حقيقيون
من جانبه، يؤكد عضو غرفة تجارة ريف دمشق بسام سلطان أن اقتصاد الظل يشغل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في سورية، وقد يفاجأ المرء بحجم هذه الأعمال والإيرادات التي تحققها.
ويرى أن النهوض بالواقع الاقتصادي الوطني يحتاج إلى مشاركة هذه الأعمال، ولكن بعد اتخاذ إجراءات تجعل رواد اقتصاد الظل شركاء حقيقيين، بعيدًا عن الاقتصار على مطالبتهم بتسديد ما يترتب عليهم من التزامات للخزينة العامة.
ويضيف أن من يملك عملًا أو استثمارًا سيكون مهتمًا بتسجيله والحصول على ترخيص، وأن ذلك يجب أن يقوم على الشراكة وبناء الثقة.
ويوضح أن الإجراءات التي فرضت سابقًا بعض الاشتراطات على التجار وأصحاب المحال للحصول على ترخيص أو سجل تجاري لم تحقق النتيجة المرجوة، فلا يمكن فرض عدد محدد من العمال على التاجر لتسجيلهم، فهو أقدر على تحديد حاجته من العمالة.
ويضيف أن رفع الرسوم والبدلات ربما دفع كثيرين إلى الابتعاد عن الترخيص وتفضيل العمل ضمن اقتصاد الظل، ما فوّت على الخزينة العامة إيرادات ليست بالقليلة، داعيًا إلى اعتماد معادلة «رسوم أقل وتسجيل أعلى».


