سوريا - اقتصاد
تمويل بلا تضخم أم اختبار جديد للثقة.. كيف ستتحول الصكوك السيادية في سوريا لأداة تنموية ؟
ح
حلب – همام فيض الله
نشر في: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٣٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتجه أنظار الاقتصاديين إلى الصكوك السيادية بوصفها إحدى الأدوات المالية التي تعوّل عليها الحكومات في ردم فجوات العجوزات التمويلية بدلاً من اللجوء إلى التيسير الكمي واستنساخ العملة.
وتزداد أهمية الصكوك في سوريا خاصة بعدما نصت الموازنة العامة للدولة لعام 2026 على إمكانية اللجوء إلى الصكوك كمصدر رئيسي لتمويل العجز، حيث بدأت وزارة المالية خلال تموز الماضي مناقشة مسودة خطة استراتيجية لإطلاق أول إصدار سيادي، ضمن برنامج أوسع يشمل أذون الخزينة والسندات الحكومية .
وباعتبار سوريا تحتاج عمليات مالية لتمويل احتياجاتها في مرحلة تتطلب موارد كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحريك عجلة الإنتاج، وتمويل المشاريع التنموية، من دون العودة إلى التوسع في طباعة النقد وما يرافقه من ضغوط تضخمية.
تشريع قيد الإنشاء
الصكوك السيادية أوراق مالية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، تمثل حصة في ملكية أصل أو منفعة أو مشروع، ويحصل المكتتب من خلالها على عائد مرتبط بالأصل أو النشاط الممول، بخلاف السندات التقليدية القائمة على إقراض الجهة المصدرة مقابل فائدة، لكن إطلاقها لا يقتصر على اتخاذ قرار مالي، إذ يحتاج إلى منظومة قانونية وتنظيمية تحدد طبيعة الأصول التي ستُستخدم في التصكيك، والجهة المصدرة، وآلية حفظ حقوق المستثمرين، وطرق توزيع العوائد، وشروط الاسترداد والتداول في السوق الثانوية.
ويرى بنجامين فيف – مستشار أول في شركة استشارات اقتصادية في حديثه لـ" العين السورية" أنه يمكن للصكوك أن توفر تمويلاً أقل تضخمياً لعجز الموازنة، لكن ذلك يعتمد على مصدر التمويل، فإذا اعتمدت على مدخرات قائمة، قد تحدّ من الأثر التضخمي، أما إذا موّلت عبر خلق نقود أو توسع ائتماني جديد فقد يبقى الأثر التضخمي قائماً " مشيراً إلى أن الصكوك تبقى أداة تمويل وليست بديلاً عن ضبط عجز الموازنة.
ويعتبر أن تأثير الصكوك السيادية في الاقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرة على حجم الإصدار وكيفية توظيف حصيلته، فإذا استقطبت الصكوك مدخرات وسيولة موجودة أصلاً في السوق، فقد يكون أثرها التضخمي محدوداً، ويمكن أن تسهم في تخفيف الاعتماد على التمويل النقدي ودعم استقرار سعر الصرف " محذراً من أن إصداراتها تؤدي لزيادة الدين العام ما يتطلب إدارة حذرة لحجم الإصدارات وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ونصح بنجامين فيف، بالبدء بإصدار صكوك ذات قيمة صغيرة لتجنب منافسة الدولة للقطاع الخاص على السيولة المحدودة، ثم زيادة حجم الإصدار تدريجياً وفقاً لحجم السيولة والطلب الفعلي في السوق، موضحاً أن صيغة الإجارة قد تكون الأنسب للإصدار الأول، بشرط توافر أصول حكومية واضحة وقابلة للفصل قانونياً، لما تتميز به من بساطة وشفافية ووضوح في العوائد والمخاطر وتساعد هذه الصيغة على بناء الثقة في سوق الصكوك من خلال هيكل بسيط ومدعوم بأصول حقيقية.
من جهته يقول منهل العثمان – خبير اقتصادي – لـ "العين السورية": يجب تحديث الإطار التشريع الحالي أو إنشاء إطار تشريعي جديد " مؤكداً على تشريع للضرائب والإعفاءات الضريبية بالإضافة لإنشاء شركات خاصة لهذه الصكوك مشيراً إلى أن صكوك الإجارة أفضل باعتبارها قابلة للتداول وسهولة تطبيقها وقلة مخاطرها.
إطار قانوني
تستهدف الصكوك، من حيث المبدأ، المدخرات الموجودة لدى الأفراد والمؤسسات والمصارف، عبر نقل جزء منها من التداول النقدي أو الأنشطة غير المنظمة إلى استثمارات يمكن توجيهها نحو الموازنة والمشاريع العامة.
وهنا يؤكد الخبير الاقتصادي منهل العثمان ضرورة فصل الصكوك السيادية عن الموازنة العامة، من خلال إنشاء شركات ذات غرض خاص تتولى حيازة أصول الصكوك وإدارتها، إلى جانب تخصيص حسابات مصرفية مستقلة وواضحة لإدارة حصيلتها.
وشدد العثمان على أهمية وجود هيئة شرعية تابعة لرئاسة مجلس الوزراء، تتولى الإشراف على صيغ العقود الإسلامية والتأكد من توافقها مع الضوابط الشرعية، بالتوازي مع وجود جهة رقابية مالية مستقلة تتمتع بصلاحيات واضحة لمراقبة أصول الدولة وممتلكاتها المرتبطة بإصدارات الصكوك.
بالتوازي مع تصريحات العثمان يقول بنجامين فيف: " إذا تمكنت الحكومة من استخدام أموال الصكوك بصورة عامة لتمويل نفقات الموازنة، ستفقد الصكوك عملياً إحدى أهم ميزاتها، وهي ارتباطها بأصل واستخدام محدد وواضح " مؤكداً على ضرورة وجود كيان قانوني مستقل، أو ما يُعرف بشركة ذات غرض خاص، تُنقل إليه الأصول المرتبطة بالصكوك بصورة واضحة ومنفصلة، كما يجب إيداع أموال المكتتبين في حسابات مخصصة، وألا تختلط بأموال الموازنة العامة، ولا بد من وجود رقابة مستقلة وتدقيق مالي وإفصاح واضح للمستثمرين.
كما يمكن أن تمثل الصكوك فرصة للمواطن الذي يبحث عن أداة استثمارية منتظمة، وللمصارف التي تحتاج إلى توظيف سيولتها، ولشركات التأمين وصناديق الاستثمار التي تبحث عن أدوات طويلة أو متوسطة الأجل.
هل ستُعالج الصكوك التضخم؟
لا تبدأ جاهزية السوق عند الإعلان عن الاكتتاب، بل من توفر بنية تقنية وتشريعية قادرة على تسجيل الملكيات، وتسوية العمليات، ونشر الأسعار، وتوفير سوق ثانوية يستطيع المستثمر من خلالها بيع الصكوك وشراءها، حيث تضع الموازنة العامة الصكوك ضمن أدوات تمويل العجز، بينما تشير التصريحات الرسمية إلى إمكانية توجيه حصيلتها نحو استثمارات ذات أولوية ومشاريع إنتاجية وبنى تحتية، بما يسمح بتحويل المدخرات إلى نشاط اقتصادي يوفر فرص عمل ويولد قيمة مضافة.
ويرى منهل العثمان: " إن الصكوك أو السندات هي أحد أدوات معالجة التضخم بشكل مباشر " لأنها تمتص السيولة الفائضة من السوق، وبالتالي يتم علاج التضخم بشكل مباشر، حيث يمكن اعتباره كعلاج فوري يساهم في تحقيق النمو بشرط أن تكون الأموال المستخدمة لمشاريع استثمارية وليست لتغطية نفقات حكومية.
وعلى مستوى النمو الاقتصادي، أشار بنجامين فيف إلى أن الأثر الإيجابي بوجهة استخدام الأموال يكون أكبر عندما تُوجَّه حصيلة الصكوك إلى البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية والاستثمارات التي تولّد قيمة مضافة وفرص عمل، وليس إلى تمويل النفقات الجارية.
وفي حال أرادت الحكومة استقطاب صغار المدخرين، فإن نجاح الإصدار سيتطلب تحديد فئات اسمية مناسبة، وإتاحة الاكتتاب عبر المصارف والمنصات الإلكترونية، ونشر معلومات مبسطة توضح للمواطن طبيعة الاستثمار والمخاطر المرتبطة به، أما جذب المستثمرين السوريين في الخارج أو المؤسسات الأجنبية، فيحتاج إلى ترتيبات أكثر تعقيداً، تتعلق بتحويل الأموال، وتسوية المدفوعات، وإمكانية تحويل العوائد إلى الخارج، إضافة إلى تعزيز الثقة بالمؤسسات المالية والقانونية، حيث يمكن لإصدارات الصكوك والسندات الحكومية أن تساعد على بناء مؤشر عائد مرجعي، تستخدمه المصارف والمؤسسات المالية في تسعير التمويل والخدمات الائتمانية، إضافة إلى منح مصرف سوريا المركزي أدوات جديدة لإدارة السيولة وتنفيذ عمليات السوق المفتوحة.


