سوريا - اقتصاد
مواجهة عشوائية مع الفقر السوري .. "الفزعات" لا تصنع استدامة
د. كوسا يقترح مشروع وطني حقيقي لتنظيم العمل الخيري
ن
ناظم عيد
نشر في: ٣١ مايو ٢٠٢٦، ١٠:٣١
3 دقيقة
32

يحاول خبراء الاقتصاد والتنمية بمختلف مساراتها، دوماً التقاط الارتسامات الواقعية للاستراتيجيات الحكومية في المضمار الاجتماعي، لاسيما في بلد كسوريا،أنهكته سنوات الحرب والترهل والفساد، وأوصلت نسبة الفقراء فيه إلى ما يقارب 90% من قوامه البشري.
وغالباً ما تتجه "وصفات الخبراء" إلى حزمة نصائح لا تستثني المسألة التكافلية كخيار لازم للخروج من المأزق الاجتماعي. وبعض الخبراء السوريين اختار مصطلح "اقتصاد الخير" في مقاربته لاستحقاقات التكافل وتطبيقات المسؤولية الاجتماعية للميسورين ولا سيما رجال الأعمال.
فزعات وجدانية

الواقع أن "اقتصاد الخير" السوري، على الرغم من كثرة تداول المصطلح، لم يقترب حتى اليوم من حالة المأسسة المطلوبة والملحّة في بيئة استثنائية تتطلب مأسسة وتنظيماً – يفترض أنهما غير مسبوقين – لاقتصاد الخير. بل على العكس، انطوت تحت هذا العنوان الجاذب استعراضات لرجال أعمال خلال سنوات ما قبل التحرير: "توزيع خبز.. سلال غذائية.. وجبات ومآدب إفطار في شهر رمضان" وغالباً الكاميرات هي العنصر الأهم في المشهد.
وعندما تكون الأمور في سياق خيري "صامت" تقتصر على "الفزعات" في الطوارئ أو المناسبات الدينية والأعياد.. لكن الوجبة والمنحة الواحدة لم تحل المشكلة بالتأكيد ولن تحلها.
التراحم في مواجهة المجاعة
لكن على الرغم من غياب التنظيم، يبقى "اقتصاد الخير" أو العمل الخيري والتطوعي في سوريا ذا أثر لا يمكن إنكاره على الفئات الأكثر هشاشة في بقائها، فتجليات أرقام الفقر الكبيرة المعلنة لم تنتج مشاهد المجاعة التي يفترض أن تشي بها نظرياً، والسبب هو الحالة التراحمية المتأصلة لدى السوريين بعيداً عن اعتبارات الملاءة المالية.
جمعيات
تبدو الجمعيات الخيرية – على الرغم من محدودية فعاليتها الظاهرة – الواجهة الأكثر تنظيماً في قطاع اقتصاد الخير. ووفق إحصاءات رسمية، تتوزع في سوريا 1700 جمعية خيرية معظمها في دمشق وريف دمشق وحلب "يرتبط تأسيس الجمعيات ببرجوازية المدن". لكن هذه الجمعيات تعتمد على التبرعات، وبالتالي تبقى رهينة حالة الارتجال والفزعات، أي ذات فعالية غير منتظمة التدفق، ويتركز حضورها في الحالات الطارئة "عمليات جراحية واستطباب.. وكفالة أيتام".
موسم التحويلات
يزدهر "اقتصاد الخير السوري" في الأعياد والمناسبات الدينية، وتصل الكتلة النقدية المتداولة تحت بند فعل الخير إلى ذروتها في شهر رمضان، وفي المرتبة الثانية تحويلات عيد الأضحى.

من الاستثماري إلى الاستهلاكي
يطرح الدكتور محمد كوسا، الخبير الاقتصادي والأكاديمي، فكرة الارتقاء بمخرجات "اقتصاد الخير" في سوريا من الاستهلاك الخيري إلى الاستثمار التنموي، وفق معادلة اقتصادية أساسية.
ويشير في حديث مع "العين السورية" إلى أن الوضع الحالي للتبرع الخيري يؤدي إلى استهلاك فوري لكن بأثر منعدم بعد نفاده. فالأهم والوضع المطلوب أن يفضي التبرع إلى تكوين أصل.. ينتج عائداً دورياً، وهنا سنحصل على أثر مضاعف ومستدام.
تحليل اقتصادي
يلفت الخبير كوسا إلى أن التناول الجديد لمفهوم العمل الخيري يكمن في مبادئ اقتصادية جوهرية.. تبدأ من تحويل التدفق إلى مخزون، فالأموال الموسمية هي "تدفقات استهلاكية" تزول بمجرد صرفها، وفي حال تمت المأسسة يتم تحويلها إلى مخزون رأسمالي (أصول وقفية أو استثمارية)، وهذا يولد دخلاً دورياً. أي ثمة مكسبٌ اقتصاديٌ أكيدٌ سيتبلور من حفظ رأس المال، إضافة إلى توليد عائد دائم، ونكون بذلك قد خلقنا مضاعفاً تنموياً.
ويُشدد د. كوسا على كفاءة تخصيص الموارد، إذ تواجهنا دائماً بعض المفردات التي تشتت القيمة، الجهد، الاستهداف، والنتيجة. فالعطاء الفردي العشوائي يعني تكرار الجهات المستفيدة وإهمال أخرى، وهدراً في التوزيع.
ويدعو إلى توطين مؤسسة مركزية تستخدم تحليل البيانات وتحديد الأولويات لتوجيه المال لأعلى عائد اجتماعي واقتصادي. والمكسب الاقتصادي هنا يتمثل بتقليل الهدر وتعظيم الأثر الحدي لكل ليرة. والنقلة النوعية تكون بضمان أن كل شيء يحصل بصرامة علمية وقانونية، ورقابة مستمرة.
فائدة أكبر وتكاليف أقل
مأسسة التبرعات تعني – من وجهة نظر الخبير كوسا – تحقيق وفورات الحجم، فتجميع التبرعات الصغيرة يتيح استثماراً مؤسسياً، وتفاوضاً أفضل، وتكاليف إدارية أقل نسبياً. أي خفض تكلفة الوحدة الخيرية، مضافاً إليه رفع القدرة التفاوضية والاستثمارية.
ما سبق يحفز رأس المال البشري والإنتاجي، عبر تحويل المستهدفين (المستفيد) من "متلق للمساعدة" إلى "طرف منتج" عبر تمويل مشاريع صغيرة أو تدريب مهني. وهذا يعني زيادة العرض الكلي، خفض الاعتماد على التحويلات، ورفع الدخل الوطني.
هيكلية احترافية
يرى د. كوسا أن مأسسة "اقتصاد الخير" تضمن إدارة المخاطر والتنويع، لأن "الوكالة الوطنية" أو الصندوق المؤسسي التابع لها ينوع استثماراته (عقارات، صكوك، مشاريع) ويخصص احتياطياً للطوارئ. وعندما يتحقق ذلك فإنه يعني استقرار التدفقات الخيرية، حتى في أوقات الركود أو انخفاض التبرعات.
ويقترح الدكتور محمد كوسا صوراً وأدوات مؤسسية متعددة بلغة اقتصادية أكاديمية.. والمفردات هنا هي: الأداة، الوظيفة الاقتصادية، العائد المتوقع.
ويعتبر أن صندوق التبرعات والتحويلات الاستثماري الذي يقترحه هو الأداة الأهم في تنظيم قطاع التبرعات. وظيفة الصندوق تكون عبر (تكوين أصول دائمة، فصل رأس المال عن الريع). ويتوقع عائداً حقيقياً سنوياً للصندوق بنسبة 4-7% يُعاد توزيعه تنموياً.
أيضاً الصكوك الاجتماعية/الوقفية، أداة بالغة الأهمية، من خلالها يمكن تعبئة مدخرات السوق المالي لأغراض تنموية، وتمويل كبير بتكلفة منخفضة بالإضافة إلى سيولة مستقرة.
تبرع رقمي
والأداة الأحدث التي يقترحها الخبير كوسا هي منصات التبرع الرقمي، التي تضمن خفض تكاليف المعاملات، ورفع مستوى الشفافية. طبعاً كل ما سبق يجب أن يترافق مع زيادة قاعدة المانحين وثقة المستثمرين.
كما يقترح شراكات خيرية، تتكفل بدمج الميزة النسبية لكل قطاع ومن ثم الوصول إلى مضاعفة الأثر عبر التكامل لا التكرار، وهذا أمر عامل هام وحاسم.
يعود د. كوسا إلى التأكيد أنه لا بد من التفكير ملياً بمسألة مأسسة العطاء الخيري، فهي عملية تحويل لرأس المال الاجتماعي من سلعة استهلاكية قصيرة الأجل إلى أصل إنتاجي طويل الأجل، يُولّد عائداً دورياً يُعيد إنتاج الرفاه الاقتصادي والاجتماعي دون استنزاف القاعدة الرأسمالية. ويضيف: بالمأسسة سنرفع روح التطوع، ونرفع كفاءته الاقتصادية ليحقق تنمية شاملة وعدالة في التوزيع، واستدامة مالية، وهي الأعمدة الثلاثة لأي اقتصاد ناجح ومجتمع متكامل متناغم.


