سوريا - محليات
من صخور سوداء ثقيلة إلى واجهات تنبض بالجمال.. رحلة بازلت درعا
«العين السورية» تتابع رحلة البازلت من مقالع درعا إلى واجهات المنازل، وترصد تزايد الطلب وتراجع الإنتاج، وسط ارتفاع تكاليف التشغيل ومخاطر استخراج كتل يصل وزنها إلى 50 طناً.
ل
ليلى حسين
نشر في: ٣ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٣:٢٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
ليس البازلت في درعا مجرد حجر أسود يُقصّ ويُصقل ليغطي أرضية منزل أو يزيّن واجهة بناء، إنه جزء من ذاكرة المكان، ومن صورة البيوت التي قاومت الزمن، ومن علاقة قديمة بين الإنسان والأرض التي يسكنها.
واليوم، يعود هذا الحجر إلى واجهة المشهد العمراني في المحافظة، مع تزايد الطلب عليه في أعمال البناء والإكساء. تبدأ حكايته من المقالع، حيث تُستخرج كتلته من باطن الأرض، وتنتهي في تفاصيل المنازل التي يبحث أصحابها عن الجمال والمتانة والكلفة المقبولة.
وفي ورش البناء وعلى واجهات الأبنية الجديدة، يستعيد البازلت حضوره بلونه الداكن وطابعه الطبيعي. لكن خلف هذا الحضور رحلة إنتاج ليست سهلة، تبدأ باستخراج كتل قد يصل وزن الواحدة منها إلى عشرات الأطنان، وتمر بعمليات القص والتشكيل والصقل، وسط تحديات تتعلق بالوقود والتجهيزات وتكاليف التشغيل وسلامة العمال.
طلب يتزايد وإنتاج يتراجع
بيّن محمد الخطيب، صاحب مجموعة شركات الخطيب العاملة في مجال البازلت بمحافظة درعا، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الطلب على الحجر يشهد تزايداً، وأن منتجات المعمل لا تقتصر على أسواق درعا، بل تصل إلى محافظات سورية أخرى، بينها دمشق والقنيطرة.
ويوضح أن العمل يشمل إنتاج البازلت وبيع الكتل الخام إلى معامل أخرى، إلى جانب تجهيز الحجر لاستخدامه في الأرضيات والسلالم والواجهات.
ويشير الخطيب إلى أن الإنتاج اليومي للشركة يتراوح حالياً بين 250 و300 متر، بعدما كان يصل إلى نحو 500 متر في فترة سابقة. ويعزو جانباً من التحديات إلى تكاليف الوقود وتشغيل الآليات وصيانتها، والرسوم المرتبطة بالمقالع، وهي عوامل تؤثر في كلفة الإنتاج وقدرة المعامل على تلبية الطلب.
أما سعر المتر المربع، فيتراوح في بعض الحالات بين 10 و12 دولاراً، تبعاً لنوع الحجر ومقاساته وطريقة تشطيبه.
التوريد المنتظم شرط لحركة السوق
على مستوى السوق، يشكّل تاجر الحجر سليمان الفروخ، أحد المشترين الذين يحصلون على كميات كبيرة من المعمل، حلقة وصل بين الإنتاج واحتياجات مشاريع البناء.
ويقول إن شراء كميات كبيرة من البازلت يرتبط باستمرار الطلب عليه وتعدد استخداماته، من الأرضيات والسلالم إلى الواجهات والإكساء.
ويوضح أن السعر وجودة التجهيز وتوافر الكميات عوامل أساسية في قرار الشراء، فالمتعهد أو المشتري يحتاج إلى حجر بمواصفات جيدة وتوريد منتظم يساعده على الالتزام بمواعيد العمل. وأي ارتفاع في تكاليف النقل أو التجهيز ينعكس، في النهاية، على الكلفة التي يتحملها المشتري والزبون.
المتانة والمظهر في حسابات المستهلك
من وجهة نظر المستهلك، لا ترتبط جاذبية البازلت بلونه الأسود ومظهره الطبيعي فحسب، بل بقدرته على الجمع بين المتانة وتعدد الاستخدامات.
ويقول موفق محمد المصري، أحد سكان بلدة الطيبة، إنه يفضّل استخدام البازلت في الأرضيات والواجهات وإطارات الأبواب والنوافذ والسلالم، لما يمنحه من مظهر مميز وصلابة.
ويرى أن لونه وطابعه الطبيعي يجعلان منه خياراً مناسباً لأصحاب المنازل الراغبين في إضفاء طابع خاص على أبنيتهم، مع بقاء الكلفة عاملاً مؤثراً في اختيار النوع والتشطيب المناسبين.
كتل بعشرات الأطنان ومخاطر ترافق الاستخراج
لكن الصورة التي تظهر في المنازل بعد اكتمال الإكساء تخفي وراءها عملاً شاقاً ومخاطر تبدأ منذ استخراج الحجر من المقالع.
ويوضح حسن الخطيب، العامل في استخراج البازلت، أن التعامل مع الكتل الصخرية الكبيرة يتطلب حذراً شديداً، إذ يمكن أن تتحرك أو تنقلب أثناء العمل، ما يشكّل خطراً على العمال والآليات.
ويشير إلى أن وزن الكتلة الواحدة قد يتراوح بين 20 و30 طناً، وقد يصل أحياناً إلى نحو 50 طناً، فيما تُستخدم الحفارات والجرافات ومناشير الأسلاك لفصل الحجر ونقله إلى مراحل التجهيز.

وتحتاج هذه العمليات إلى دقة في التعامل مع المعدات، خصوصاً عند فصل الكتل وتحريكها، لأن أي خطأ قد يعرّض العاملين للخطر، ويتسبب بخسائر مادية أو تعطّل العمل.
ويصف سامر سعيفان، أحد العاملين في قطاع البازلت، طبيعة عمله بأنها تحتاج إلى جهد وتركيز، بسبب التعامل مع كتل حجرية كبيرة وآليات ثقيلة، مشيراً إلى أن أي خطأ قد يعرّض العامل للخطر.
ويضيف أن مراحل الإنتاج تتطلب متابعة مستمرة، من استخراج الحجر إلى قصّه وتجهيزه، وأن أي عطل في الآليات قد يؤخر العمل ويزيد الأعباء. لذلك، تبقى سلامة العمال وتوافر المعدات المناسبة من المتطلبات المهمة لاستمرار العمل بصورة أفضل.
جودة الحجر تبدأ بالاختيار وتكتمل بالتركيب
من الناحية الهندسية، لا تتحدد جودة البازلت بلونه وصلابته وحدهما، بل ترتبط أيضاً بمواصفاته وطريقة تجهيزه ومكان استخدامه.
وتوضح المهندسة المدنية سلام الأكراد أن اختيار الحجر ينبغي أن يراعي طبيعة الاستخدام، وجودة القص والتشطيب، وسماكة القطع وطريقة تثبيتها، ولا سيما في الواجهات والسلالم والأرضيات.
كما تؤكد أن جودة التركيب لا تقل أهمية عن جودة الحجر نفسه، إذ يؤثر التنفيذ في متانة العمل وسلامته ومدى تحمّله للاستخدام على المدى الطويل.
ومن هنا، تبرز أهمية الاختيار المدروس، بحيث لا يستند قرار الشراء إلى اللون والسعر فقط، بل يراعي أيضاً ملاءمة البازلت للغرض المطلوب وجودة تجهيزه وتركيبه. فالتنفيذ غير المناسب قد يؤدي إلى مشكلات لاحقة وتكاليف إصلاح إضافية، حتى عندما تكون المادة المستخدمة جيدة.
صناعة تتداخل فيها الكلفة والجودة والسلامة
بحسب محمد الخطيب، تعتمد الشركة على مقالع خاصة بها، وتعمل وفق إجراءات الترخيص والموافقات المطلوبة من الجهات المختصة.
ويقدّر عدد الشركات العاملة في قطاع البازلت في درعا بأكثر من عشرين شركة، ما يعكس حجم النشاط المرتبط بهذه الصناعة، وما توفره من فرص عمل في الاستخراج والتصنيع والنقل والتركيب.
وبين أصحاب المعامل الذين يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل، والمشترين الذين يحتاجون إلى كميات تلبي متطلبات السوق، والمستهلكين الباحثين عن الجودة والسعر المناسب، والعمال الذين يتحملون مشقة الاستخراج والتجهيز، تتضح صورة قطاع تتداخل فيه اعتبارات الإنتاج والسلامة والجدوى الاقتصادية.
فاستمرار الطلب على البازلت لا يعني أن الطريق أمام العاملين فيه خالٍ من التحديات، كما أن مكانته في العمارة المحلية تتطلب الاهتمام بجودة المنتج وظروف العمل وإدارة المقالع.
ويبقى البازلت جزءاً من هوية البناء في درعا، وحجراً يصل بين ذاكرة المكان ومتطلبات العمران الحديث. لكن الحفاظ على حضوره لا يتوقف عند زيادة إنتاجه أو تسويقه، بل يحتاج إلى صناعة قادرة على الاستمرار، توازن بين كلفة الإنتاج وجودة المنتج وسلامة العاملين، ليواصل هذا الحجر رحلته من باطن الأرض إلى تفاصيل المنازل وواجهاتها.
ليس البازلت في درعا مجرد حجر أسود يُقصّ ويُصقل ليغطي أرضية منزل أو يزيّن واجهة بناء، إنه جزء من ذاكرة المكان، ومن صورة البيوت التي قاومت الزمن، ومن علاقة قديمة بين الإنسان والأرض التي يسكنها.
واليوم، يعود هذا الحجر إلى واجهة المشهد العمراني في المحافظة، مع تزايد الطلب عليه في أعمال البناء والإكساء. تبدأ حكايته من المقالع، حيث تُستخرج كتلته من باطن الأرض، وتنتهي في تفاصيل المنازل التي يبحث أصحابها عن الجمال والمتانة والكلفة المقبولة.
وفي ورش البناء وعلى واجهات الأبنية الجديدة، يستعيد البازلت حضوره بلونه الداكن وطابعه الطبيعي. لكن خلف هذا الحضور رحلة إنتاج ليست سهلة، تبدأ باستخراج كتل قد يصل وزن الواحدة منها إلى عشرات الأطنان، وتمر بعمليات القص والتشكيل والصقل، وسط تحديات تتعلق بالوقود والتجهيزات وتكاليف التشغيل وسلامة العمال.طلب يتزايد وإنتاج يتراجع
بيّن محمد الخطيب، صاحب مجموعة شركات الخطيب العاملة في مجال البازلت بمحافظة درعا، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الطلب على الحجر يشهد تزايداً، وأن منتجات المعمل لا تقتصر على أسواق درعا، بل تصل إلى محافظات سورية أخرى، بينها دمشق والقنيطرة.
ويوضح أن العمل يشمل إنتاج البازلت وبيع الكتل الخام إلى معامل أخرى، إلى جانب تجهيز الحجر لاستخدامه في الأرضيات والسلالم والواجهات.
ويشير الخطيب إلى أن الإنتاج اليومي للشركة يتراوح حالياً بين 250 و300 متر، بعدما كان يصل إلى نحو 500 متر في فترة سابقة. ويعزو جانباً من التحديات إلى تكاليف الوقود وتشغيل الآليات وصيانتها، والرسوم المرتبطة بالمقالع، وهي عوامل تؤثر في كلفة الإنتاج وقدرة المعامل على تلبية الطلب.
أما سعر المتر المربع، فيتراوح في بعض الحالات بين 10 و12 دولاراً، تبعاً لنوع الحجر ومقاساته وطريقة تشطيبه.
التوريد المنتظم شرط لحركة السوق
على مستوى السوق، يشكّل تاجر الحجر سليمان الفروخ، أحد المشترين الذين يحصلون على كميات كبيرة من المعمل، حلقة وصل بين الإنتاج واحتياجات مشاريع البناء.
ويقول إن شراء كميات كبيرة من البازلت يرتبط باستمرار الطلب عليه وتعدد استخداماته، من الأرضيات والسلالم إلى الواجهات والإكساء.
ويوضح أن السعر وجودة التجهيز وتوافر الكميات عوامل أساسية في قرار الشراء، فالمتعهد أو المشتري يحتاج إلى حجر بمواصفات جيدة وتوريد منتظم يساعده على الالتزام بمواعيد العمل. وأي ارتفاع في تكاليف النقل أو التجهيز ينعكس، في النهاية، على الكلفة التي يتحملها المشتري والزبون.المتانة والمظهر في حسابات المستهلك
من وجهة نظر المستهلك، لا ترتبط جاذبية البازلت بلونه الأسود ومظهره الطبيعي فحسب، بل بقدرته على الجمع بين المتانة وتعدد الاستخدامات.
ويقول موفق محمد المصري، أحد سكان بلدة الطيبة، إنه يفضّل استخدام البازلت في الأرضيات والواجهات وإطارات الأبواب والنوافذ والسلالم، لما يمنحه من مظهر مميز وصلابة.
ويرى أن لونه وطابعه الطبيعي يجعلان منه خياراً مناسباً لأصحاب المنازل الراغبين في إضفاء طابع خاص على أبنيتهم، مع بقاء الكلفة عاملاً مؤثراً في اختيار النوع والتشطيب المناسبين.
كتل بعشرات الأطنان ومخاطر ترافق الاستخراج
لكن الصورة التي تظهر في المنازل بعد اكتمال الإكساء تخفي وراءها عملاً شاقاً ومخاطر تبدأ منذ استخراج الحجر من المقالع.
ويوضح حسن الخطيب، العامل في استخراج البازلت، أن التعامل مع الكتل الصخرية الكبيرة يتطلب حذراً شديداً، إذ يمكن أن تتحرك أو تنقلب أثناء العمل، ما يشكّل خطراً على العمال والآليات.
ويشير إلى أن وزن الكتلة الواحدة قد يتراوح بين 20 و30 طناً، وقد يصل أحياناً إلى نحو 50 طناً، فيما تُستخدم الحفارات والجرافات ومناشير الأسلاك لفصل الحجر ونقله إلى مراحل التجهيز.

وتحتاج هذه العمليات إلى دقة في التعامل مع المعدات، خصوصاً عند فصل الكتل وتحريكها، لأن أي خطأ قد يعرّض العاملين للخطر، ويتسبب بخسائر مادية أو تعطّل العمل.
ويصف سامر سعيفان، أحد العاملين في قطاع البازلت، طبيعة عمله بأنها تحتاج إلى جهد وتركيز، بسبب التعامل مع كتل حجرية كبيرة وآليات ثقيلة، مشيراً إلى أن أي خطأ قد يعرّض العامل للخطر.
ويضيف أن مراحل الإنتاج تتطلب متابعة مستمرة، من استخراج الحجر إلى قصّه وتجهيزه، وأن أي عطل في الآليات قد يؤخر العمل ويزيد الأعباء. لذلك، تبقى سلامة العمال وتوافر المعدات المناسبة من المتطلبات المهمة لاستمرار العمل بصورة أفضل.
جودة الحجر تبدأ بالاختيار وتكتمل بالتركيب
من الناحية الهندسية، لا تتحدد جودة البازلت بلونه وصلابته وحدهما، بل ترتبط أيضاً بمواصفاته وطريقة تجهيزه ومكان استخدامه.
وتوضح المهندسة المدنية سلام الأكراد أن اختيار الحجر ينبغي أن يراعي طبيعة الاستخدام، وجودة القص والتشطيب، وسماكة القطع وطريقة تثبيتها، ولا سيما في الواجهات والسلالم والأرضيات.
كما تؤكد أن جودة التركيب لا تقل أهمية عن جودة الحجر نفسه، إذ يؤثر التنفيذ في متانة العمل وسلامته ومدى تحمّله للاستخدام على المدى الطويل.
ومن هنا، تبرز أهمية الاختيار المدروس، بحيث لا يستند قرار الشراء إلى اللون والسعر فقط، بل يراعي أيضاً ملاءمة البازلت للغرض المطلوب وجودة تجهيزه وتركيبه. فالتنفيذ غير المناسب قد يؤدي إلى مشكلات لاحقة وتكاليف إصلاح إضافية، حتى عندما تكون المادة المستخدمة جيدة.صناعة تتداخل فيها الكلفة والجودة والسلامة
بحسب محمد الخطيب، تعتمد الشركة على مقالع خاصة بها، وتعمل وفق إجراءات الترخيص والموافقات المطلوبة من الجهات المختصة.
ويقدّر عدد الشركات العاملة في قطاع البازلت في درعا بأكثر من عشرين شركة، ما يعكس حجم النشاط المرتبط بهذه الصناعة، وما توفره من فرص عمل في الاستخراج والتصنيع والنقل والتركيب.
وبين أصحاب المعامل الذين يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل، والمشترين الذين يحتاجون إلى كميات تلبي متطلبات السوق، والمستهلكين الباحثين عن الجودة والسعر المناسب، والعمال الذين يتحملون مشقة الاستخراج والتجهيز، تتضح صورة قطاع تتداخل فيه اعتبارات الإنتاج والسلامة والجدوى الاقتصادية.
فاستمرار الطلب على البازلت لا يعني أن الطريق أمام العاملين فيه خالٍ من التحديات، كما أن مكانته في العمارة المحلية تتطلب الاهتمام بجودة المنتج وظروف العمل وإدارة المقالع.
ويبقى البازلت جزءاً من هوية البناء في درعا، وحجراً يصل بين ذاكرة المكان ومتطلبات العمران الحديث. لكن الحفاظ على حضوره لا يتوقف عند زيادة إنتاجه أو تسويقه، بل يحتاج إلى صناعة قادرة على الاستمرار، توازن بين كلفة الإنتاج وجودة المنتج وسلامة العاملين، ليواصل هذا الحجر رحلته من باطن الأرض إلى تفاصيل المنازل وواجهاتها.


