سوريا - محليات
من إشعارٍ عابر إلى خسائر موجعة.. "التكنولوجيا الغادرة" تلتهم مدخرات شباب في درعا
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٩ يونيو ٢٠٢٦، ٠٨:١٤
3 دقيقة

قد تبدأ القصة في لحظة عادية تماماً.. أثناء احتساء فنجان قهوة، أو خلال تصفح سريع للهاتف قبل النوم، أو حتى في وقت فراغ يمر دون أهمية. يظهر إشعار صغير على الشاشة يحمل كلمات مألوفة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها فرصة لا تُعوّض: "اربح آلاف الدولارات"، "ضاعف دخلك"، "استثمر اليوم وابدأ الربح فوراً". في تلك اللحظة، لا يبدو الأمر خطيراً؛ فكل ما يراه المستخدم مجرد رسالة عابرة أو رابط صغير. لكنه لا يدرك أن ضغطة واحدة قد تكون بداية طريق مختلف تماماً، طريق يبدأ بالأمل وينتهي بالخسارة.
المشكلة أن المحتالين لم يعودوا يبيعون خدمات أو منتجات وهمية فقط، بل أصبحوا يتاجرون بأشياء أكثر حساسية: الأمل، والحاجة، والطموح، والخوف، وحتى العاطفة الإنسانية.
وهكذا تبدأ القصة في كثير من الأحيان بإشعار عابر، لكنها نادراً ما تنتهي عنده.
وفي درعا، كما في أماكن كثيرة، تتكرر الحكايات نفسها تقريباً: وعود صغيرة، أرباح أولية، ثقة تتسلل بهدوء إلى الضحية، ثم خسائر مالية ونفسية تترك آثاراً أكبر بكثير من قيمة المال المفقود.
استدراج بغيض
سيف محمد الأحمد، شاب يعمل مع والده في محل لبيع الساعات، كان واحداً من الشباب الذين دخلوا عالم التداول بحثاً عن مصدر دخل إضافي وتحسين وضعه المادي. يتحدث عن تجربته مع منصة تحمل اسم Pocket Option (بوكت أوبشن)، قائلاً إنه دخل إليها بهدف التجربة وتحقيق بعض الأرباح.
وقال لـ"العين السورية": "في البداية كنت أدخل مبالغ بسيطة تتراوح بين 30 و35 دولاراً، وبعد فترة كنت أرى أن المبلغ يرتفع إلى 50 ثم 60 ثم 75 دولاراً، فبدأ شعور الطمع يكبر تدريجياً."
الأرباح الأولية كانت وسيلة لجذبه وإبقائه داخل دائرة التطبيق، ويضيف: "كلما رأيت المبلغ يرتفع، كنت أفكر أن بإمكاني تحقيق المزيد، حتى بدأت أقول لنفسي: لماذا لا أدخل مبلغاً أكبر لأربح بسرعة؟".
ويشير إلى أنه وصل لاحقاً إلى مرحلة بدأ فيها بإيداع 200 دولار دفعة واحدة، على أمل مضاعفة المبلغ خلال وقت قصير، مضيفاً: "كنت أريد أن أحصل على المال بسرعة، وأعتقد أن ضربة واحدة قد تغير كل شيء، لكنني اكتشفت في النهاية أنني كنت أقع في فخ مدروس يعتمد على استغلال الطمع وإغراء الضحية بأرباح أولية قبل خسارة مبالغ أكبر."
ما بدأ بمبلغ صغير تحول لاحقاً إلى حالة من التعلق والملاحقة المستمرة لفكرة الربح السريع، حتى وصلت خسارته إلى 1449 دولاراً.
أما الشاب خليل النصيرات، خريج كلية اقتصاد (28 عاماً)، فلم يكن مختلفاً كثيراً عن عشرات الشباب الذين دخلوا عالم التداول. كانت البداية بالنسبة له مجرد تجربة ظن أنها قد تمنحه فرصة جديدة للدخل، لكن مع مرور الوقت تحولت التجربة إلى متابعة يومية للأرقام والإشعارات والوعود بالأرباح. أصبح يترقب أي ارتفاع جديد، ويقنع نفسه في كل مرة بأن الخسارة السابقة يمكن تعويضها، وأن الفرصة القادمة ستكون مختلفة عن سابقاتها، حتى انتهى به الأمر إلى خسارة ما يقارب 700 دولار.
أما يزن الضاحي، وهو خريج إدارة أعمال، فقد كانت قصته مختلفة بعض الشيء. إذ تلقى رسالة تحمل قصة مغرية تتحدث عن ميراث وحقوق مالية وإجراءات مطلوبة لاستكمالها. ومع اندفاعه الأولي نحو تصديق الرواية، بدأت الشكوك تتسلل إليه بعد تلقيه نصائح وتحذيرات من أشخاص مقربين منه، الأمر الذي دفعه للتراجع قبل استكمال الخطوات المطلوبة، في تجربة كادت أن تتحول إلى خسارة مالية جديدة لولا التنبيه المبكر.
عزف على وتر الحاجة
ومن منظور الحسابات والأرقام، يوضح المدير المالي في شركة "ميثاق" للصرافة والحوالات المالية في مدينة درعا، رامي أبازيد، حجم تعقيد هذه العمليات واتساع رقعتها. فبين بالأدلة أن الشركة تتعامل بشكل متكرر مع ضحايا تعرضوا لأساليب احتيال متعددة ومتغيرة، مشيراً إلى أن المحتالين باتوا يمتلكون قدرة كبيرة على قراءة احتياجات الناس واستغلالها، سواء عبر الطمع، أو الحاجة، أو حتى الخوف والضغط النفسي.
وأوضح أن من أحدث الأساليب التي رُصدت مؤخراً استهداف الطلاب عبر إيهامهم بامتلاك نسخ مسربة من أسئلة الامتحانات، وطلب مبالغ مالية تتراوح بين 300 و400 دولار مقابل الحصول عليها.
وأضاف: "يقع بعض الطلاب أو الأهالي في هذا الفخ تحت ضغط الخوف والرغبة في ضمان النجاح، فالغريق يتعلق بقشة، ليكتشفوا في النهاية أنهم وقعوا ضحية عملية نصب جديدة."
خسائر قاصمة
وبين أن الشركة سجلت حالات أخرى خسر فيها أشخاص مبالغ مالية كبيرة بعد تصديق عروض تدعي مضاعفة الأموال أو إرسال "دولارات مجمدة" من خارج البلاد، فيما تعرض آخرون لعمليات احتيال أثناء تحويل أثمان بضائع أو التعامل مع حسابات ومنصات وهمية.
مؤكداً أن الشركة تعمل بشكل مستمر على توعية المواطنين بمخاطر الاحتيال الإلكتروني عبر نشر التحذيرات في المجموعات العامة ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف رفع مستوى الوعي وتقليل حالات الوقوع في الفخاخ الرقمية. إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن نسبة كبيرة من الناس لا تزال لا تستجيب لهذه التحذيرات، وتتعامل مع الرسائل والعروض الوهمية بدافع الثقة أو الاستعجال أو الانجراف خلف الإغراءات المالية، ما يؤدي إلى استمرار تسجيل حالات جديدة من النصب رغم جهود التوعية.
وأكد أن المشكلة الأكثر تعقيداً تكمن في أن منفذي كثير من هذه العمليات يعملون من خارج البلاد ويستخدمون هويات وأسماء غير حقيقية، ما يجعل إمكانية استعادة الأموال شبه مستحيلة في كثير من الأحيان.
إغواء مالي وإنساني
بدوره، أوضح صاحب محل جوالات، وسام شحادات، أن الرسائل التي تعد المستخدمين بأرباح سريعة عبر التداول والعملات الرقمية أو ما يُسمى "البوتات الإلكترونية" أصبحت من أكثر وسائل الاحتيال انتشاراً.
وأشار إلى أن المحتالين لا يعتمدون فقط على الإغراء المالي، بل يستغلون الجانب الإنساني أيضاً عبر نشر قصص عن أشخاص بحاجة إلى عمليات جراحية أو مساعدات عاجلة، ما يدفع البعض إلى تحويل الأموال بدافع التعاطف قبل أن يكتشفوا لاحقاً أنهم كانوا يتعاملون مع حسابات وهمية.
المحتال لا يخترق الهاتف أولاً.. بل يخترق العقل
وفي الوقت الذي تتطور فيه أساليب الاحتيال يوماً بعد آخر، يرى مختصون أن المسألة لم تعد مجرد اختراقات تقنية أو برامج خبيثة، بقدر ما أصبحت عملية استهداف نفسي مدروسة. فالمحتال لا يحاول الدخول إلى الهاتف أولاً، بل يبحث عن نقطة ضعف لدى الضحية: الخوف أحياناً، والحاجة أحياناً أخرى، أو الرغبة في تحقيق ربح سريع دون انتظار.
"الجنائية" تحذّر
وفي السياق ذاته، كان فرع المباحث الجنائية في محافظة درعا (قسم الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية) قد أصدر تحذيراً من تزايد جرائم الاحتيال والاختراق الإلكتروني، وخاصة عمليات النصب المرتبطة بروابط تطبيق "شام كاش"، داعياً المواطنين إلى تجنب الضغط على أي روابط مشبوهة يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد حصراً على القنوات الرسمية للتطبيقات والخدمات المالية.
كما شدد على ضرورة الحذر عند تلقي رسائل أو اتصالات تطلب تحويل أموال أو مشاركة معلومات شخصية ومالية، مع الإبلاغ الفوري عن أي محاولة احتيال أو اختراق.
احذروا التقنية الغادرة
ربما لا تبدو الرسالة التي تصل إلى الهاتف خطيرة في البداية... مجرد كلمات عابرة وإشعار صغير يمكن تجاهله. لكن بالنسبة لكثيرين، كانت تلك الرسالة بداية قصة مختلفة تماماً: حسابات فارغة، ومدخرات تبخرت، وأسئلة متأخرة من نوع: كيف حدث ذلك؟.
وفي زمن أصبحت فيه الشاشات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الخطر الحقيقي في الرابط الذي يصل إلى الهاتف، بل في اللحظة التي يسبق فيها الطمع أو الخوف أو العاطفة صوت العقل بثوانٍ قليلة فقط.


