سوريا - محليات
مدينة سورية تستعيد "صوت الحجر" بعد صمتٍ طويلٍ
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ٥ مايو ٢٠٢٦، ١٠:١٤عدل في: ٥ مايو ٢٠٢٦، ١٠:١٤
3 دقيقة
3

لم تكن بصرى الشام يوماً مدينةً عاديةً في سجل التاريخ، بل كانت وما تزال كتاباً مفتوحاً على حضارات تعاقبت وتركت بصمتها على حجارتها؛ من المسرح الروماني إلى الأزقة القديمة التي تحفظ ذاكرة آلاف السنين.
اليوم، ومع عودة الحركة السياحية إليها تدريجياً، تبدو المدينة وكأنها تستعيد أنفاسها بعد صمتٍ طويلٍ، وتفتح أبوابها من جديدٍ لزوارٍ يبحثون عن التاريخ لا في الكتب، بل بين جدرانٍ حقيقيةٍ ما زالت واقفةً رغم كل ما مر عليها.
في هذه العودة الهادئة، لا تبدو بصرى الشام مجرد وجهةٍ سياحيةٍ، بل حالةً من النهوض البطيء لمدينةٍ تعيد ترتيب علاقتها مع الحياة. الحركة في أسواقها القديمة بدأت تتغير، والوفود الداخلية والخارجية تعود بخطواتٍ مترددةٍ لكنها متزايدةٌ، وكأن المكان نفسه يختبر عودة الزمن إليه.
تعافٍ تدريجي
يصف مدير سياحة درعا، جهاد قويدر، هذا المشهد بأنه "تعافٍ تدريجيٌّ واضحٌ"، لكنه لم يصل بعد إلى الاستقرار الكامل، وهو توصيفٌ لا يبتعد كثيراً عن الواقع؛ فالسياحة هنا خرجت من الجمود، لكنها ما تزال تبحث عن توازنها بين ما كان وما يمكن أن يكون. أرقام الوفود الأجنبية التي بدأت بالظهور، ونشاط الرحلات المدرسية والعائلية، ليست سوى إشاراتٍ أولى على أن المدينة بدأت تستعيد دورها كمتحفٍ مفتوحٍ، على حد وصفه.
ويضيف قويدر في حديثه لـ " العين السورية"، أن أكثر من خمسين مجموعةً سياحيةً أجنبيةً زارت المواقع الأثرية منذ بداية العام، إلى جانب ازديادٍ واضحٍ في الرحلات المدرسية والجامعية والعائلية، خصوصاً في مواسم العطل. مؤكداً أن تحسن الخدمات الأساسية في المواقع السياحية من نظافةٍ وتنظيمٍ ورقابةٍ ساهم في تعزيز الحركة تدريجياً.
عودة الروح
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لرسم صورة بصرى الشام اليوم؛ فهناك ما يقوله المكان وما يقوله الناس أيضاً.
المواطن عبد الغفار عليان، من أبناء بصرى الشام، يرى أن ما يحدث اليوم هو بداية استعادةٍ حقيقيةٍ لروح المدينة، قائلاً: «نشعر أن بصرى بدأت تعود إلى الحياة من جديدٍ، لم نعد نرى القلعة والمسرح صامتين كما في السابق، هناك زوارٌ وحركةٌ، وهناك إحساسٌ بأن المدينة تتنفس مرةً أخرى». ويضيف: «هذا ليس مجرد نشاطٍ سياحيٍّ، بل عودةٌ للروح التي غابت طويلاً عن المكان».
أما الزائرة بلقيس الشيخ علي من دمشق، والتي زارت قلعة بصرى، فتصف تجربتها بعباراتٍ أقرب إلى الانطباع العاطفي، تقول لـ "العين السورية": «عندما تدخل القلعة، تشعر أنك أمام زمنٍ مختلفٍ تماماً، المكان يفرض عليك الصمت قبل أن تتكلم. كل حجرٍ هناك يبدو وكأنه يحكي قصةً لم تُكتب بعد». وتضيف: «بصرى ليست مجرد موقعٍ أثريٍّ، بل تجربةٌ شعوريةٌ كاملةٌ، تشعرك بثقل التاريخ وجماله في آنٍ واحدٍ».
مقومات بلا استثمار
ويرى الزائر منتجب الرباع أن المدينة تمتلك مقوماتٍ سياحيةً كبيرةً، لكنها تحتاج إلى استثمارٍ حقيقيٍّ، قائلاً: «بصرى الشام يمكن أن تكون من أهم الوجهات السياحية في المنطقة، لكنها بحاجةٍ إلى اهتمامٍ أكبر بالبنية التحتية والخدمات السياحية حتى توازي قيمة هذا الإرث التاريخي العظيم». ويضيف: «ما نراه اليوم هو بدايةٌ جيدةٌ، لكن الطريق ما زال طويلاً».
ضبط وتنظيم
وفي المشهد الميداني، يوضح رئيس فرع الشرطة السياحية بمحافظة درعا، عادل إسماعيل النوفل في حديثه مع " العين السورية"، أن مدينة بصرى شهدت في الفترة الأخيرة تحسناً ملحوظاً في الحركة السياحية، مع استقبال وفودٍ سياحيةٍ من داخل سوريا وخارجها، إلى جانب رحلاتٍ مدرسيةٍ وجامعيةٍ تنشط بشكلٍ خاصٍّ في عطل نهاية الأسبوع والأعياد.
ويشير إلى أن وحدات الشرطة السياحية تقوم بتسيير دورياتٍ في المواقع الحيوية، بهدف تنظيم الحركة السياحية وتقديم الإرشاد والدعم للزوار، بما يعزز انسيابية الزيارة ويحافظ على الطابع الحضاري للمدينة.
ويضيف النوفل أن تزايد أعداد الزوار في بعض الفترات، خاصةً في المواسم والعطل، يعكس عودة الاهتمام بالمواقع الأثرية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب جهداً أكبر في التنظيم وتطوير الخدمات السياحية المرافقة.
سياح من الخارج
أما على مستوى الإدارة المحلية، فيؤكد رئيس مجلس مدينة بصرى الشام، محمد مقداد، لـ " العين السورية" أن المدينة تشهد نشاطاً سياحياً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد الوفود والزوار من مختلف المحافظات السورية، إضافةً إلى بعض الزيارات الخارجية. ويضيف: «نقوم في مجلس المدينة بأعمال تأهيل للحدائق والمناطق المحيطة بالقلعة الأثرية، بهدف تحسين الواقع الخدمي وتهيئة المدينة لاستقبال الزوار بشكلٍ أفضل».
ويشير مقداد إلى أن الهدف اليوم ليس فقط استقبال السياح، بل تحسين تجربة الزائر داخل المدينة، بما يعكس قيمة بصرى الشام التاريخية والحضارية، مؤكداً أن العمل ما زال في بدايته، لكنه يتقدم خطوةً بعد أخرى نحو الأفضل.
بين زمنين
في خلاصة المشهد، تبدو بصرى الشام اليوم وكأنها تقف على حافة زمنين: زمنٍ قديمٍ لم يغادر حجارتها، وزمنٍ جديدٍ يحاول أن يجد طريقه إليها من جديدٍ. هي مدينةٌ لا تعود دفعةً واحدةً، بل تتنفس ببطءٍ وتستعيد ذاتها كما لو أنها تذكر اسمها بعد طول غياب.
وبين زائرٍ يلتقط صورةً، وحجرٍ رومانيٍّ لا يزال واقفاً منذ قرونٍ، تُكتب الآن حكايةٌ مختلفةٌ، عنوانها: أن بصرى الشام حين تصحو، لا تستيقظ وحدها، بل تعيد الحياة إلى كل ما حولها.


