سوريا - اقتصاد
جدل اقتصادي... ما الذي يصنع قوة الليرة السورية.. الطلب أم الإنتاج؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في الاقتصادات التي تمر بمراحل تحول، لا يقتصر النقاش على سعر صرف العملة أو مستويات التضخم، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الذي يمنح العملة الوطنية قوتها واستقرارها؟ وهل يتحقق ذلك عبر توسيع استخدامها في التعاملات اليومية، أم أن قوة العملة تبقى انعكاساً مباشراً لقوة الاقتصاد والإنتاج؟
هذا السؤال عاد اليوم إلى واجهة النقاش الاقتصادي في سورية، مع تباين آراء عدد من الخبراء حول العلاقة بين التسعير بالعملات الأجنبية، والطلب على الليرة السورية، ودور الإنتاج في تحديد قيمتها.
ورغم اختلاف المقاربات، يتفق الجميع على هدف واحد يتمثل في تعزيز مكانة الليرة السورية، وترسيخ استقرارها باعتبارها الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي.
خطر العملة الوافدة
يرى الخبير الاقتصادي د. رازي محي الدين أن توسيع التعامل أو التسعير بالعملات الأجنبية داخل السوق المحلية ينعكس سلباً على الليرة السورية، لأن ذلك يقلل الطلب عليها ويجعل المتعاملين أكثر ميلاً للاحتفاظ بالعملات الأجنبية، وهو ما يضعف مكانة العملة الوطنية في التداول اليومي. ومن هذا المنطلق، واعتبر في حديثه لـ"العين السورية "، أن أي خطوة تؤدي إلى زيادة الاعتماد على الليرة في عمليات البيع والشراء من شأنها أن تعزز الطلب عليها، بما ينعكس إيجاباً على قيمتها، ما دامت السياسة النقدية تحافظ في الوقت ذاته على توازن الكتلة النقدية.
العامل الحاسم
في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي د. جورج خزام قراءة مختلفة، إذ يرى أن التركيز على عملة التسعير وحدها لا يكفي لتفسير حركة سعر الصرف. ويشير إلى أن التاجر أو المستورد، حتى وإن باع بالليرة السورية، سيعود في نهاية المطاف إلى شراء العملات الأجنبية لتمويل مستورداته، وبالتالي فإن تغيير عملة التسعير لا يعالج بمفرده العوامل الأساسية المؤثرة في السوق.
ويؤكد خزام أن العامل الأكثر تأثيراً في دعم العملة الوطنية يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على المستوردات، لأن الاقتصاد المنتج يحتفظ بالأموال داخل السوق، ويولد قيمة مضافة حقيقية، ويحد من الحاجة المستمرة إلى القطع الأجنبي، وهو ما ينعكس بصورة أكثر استدامة على استقرار العملة.
تباين وجهات نظر
ويعكس هذا التباين وجود مقاربتين اقتصاديتين مختلفتين في تفسير العوامل المؤثرة في قوة العملة الوطنية. فبينما تمنح المقاربة الأولى أولوية لزيادة الطلب على الليرة السورية عبر توسيع استخدامها في التعاملات المحلية، ترى المقاربة الثانية أن استقرار العملة يبدأ من الاقتصاد الحقيقي، من خلال رفع الإنتاج، وتحسين القدرة التنافسية، وتعزيز الصادرات، وتقليص الاعتماد على الواردات، باعتبار أن قوة العملة تبقى في نهاية المطاف انعكاساً لقوة الاقتصاد الذي تستند إليه.
من جانبه، يشير رئيس اتحاد غرف الصناعة مازن ديروان، لـ"العين السورية"، إلى أن أي نقاش يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية واحدة، مؤكداً أن ملفات مثل إدارة أصول القطاع العام أو آليات الشراكة مع القطاع الخاص، تحتاج إلى نقاش اقتصادي موسع يوازن بين الحفاظ على الأصول العامة وتعظيم العائد الاقتصادي منها، بما يحقق مصلحة الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
تعزيز الطلب
ويتقاطع هذا الطرح مع رأي خبير اقتصادي آخر يرى أن زيادة الطلب على الليرة السورية تبقى عاملاً مهماً في دعم قيمتها، لافتاً إلى أن توسيع استخدامها في التعاملات المحلية يمكن أن يسهم في تعزيز مكانتها، شريطة أن يترافق ذلك مع إدارة مدروسة للكتلة النقدية، لأن أي توسع غير محسوب في الإصدار النقدي قد يحد من الأثر الإيجابي المتوقع.
منظومة مؤثرات
ويرى مراقبون أن اختلاف وجهات النظر بين الاقتصاديين، لا يعكس تناقضاً بقدر ما يعبر عن تعدد المدارس الاقتصادية في تفسير حركة العملات وأساليب تحقيق الاستقرار النقدي. فاستقرار العملة الوطنية لا يرتبط بعامل واحد، بل يتأثر بمنظومة متكاملة تشمل السياسة النقدية، وحجم الإنتاج، ومعدلات الاستثمار، والثقة بالاقتصاد، ومستوى الطلب على العملة المحلية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، يبقى الهدف المشترك هو الوصول إلى سياسات تعزز مكانة الليرة السورية وتدعم النشاط الإنتاجي في آن واحد، بما يرسخ الاستقرار النقدي ويهيئ بيئة أكثر قدرة على استقطاب الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي المستدام.


