سوريا - اقتصاد
ماذا تغير.. هل تقترب الليرة السورية من دائرة الاستقرار؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٢٩ يونيو ٢٠٢٦، ١٠:٣٨
3 دقيقة

في تحول لافت في أداء العملة السورية، نجحت الليرة في استعادة جزء من قيمتها مقابل الدولار في السوق الموازي، كاسرةً حاجز الـ 13 ألفاً لتستقر دون مستويات الـ 12,900 ليرة.
هذا التحرك السريع أثار نقاشاً واسعاً بين الخبراء الاقتصاديين، حيث تباينت القراءات التحليلية حول ما إذا كان هذا المسار يعكس تحولاً بنيوياً في إدارة السياسة النقدية، أم أنه مجرد تذبذب وقتي ناتج عن تقاطعات نفسية ومضاربات أرهقتها تقلبات السوق العنيفة.
انتصار نقدي أم تكتيك وقتي؟
في قراءة رقمية للمشهد، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، في تصريح لـ" العين السورية"، أن الإنجاز الأهم في الفترة الأخيرة ليس في قيمة التراجع الرقمي فحسب، بل في تقلص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى نحو 8% فقط، بعد أن كانت تتأرجح متجاوزة الـ 25%. هذا التقارب في الأسعار يوجه ضربة مباشرة للمضاربين الذين طالما استغلوا "الفجوة" لاقتناص الأرباح السريعة وتخزين العملة الصعبة. ويوضح عبد الكريم أن المصرف المركزي نجح في امتصاص جزء من الصدمة عبر رفع السعر الرسمي تدريجياً، مما عزز من مصداقية المنصة الرسمية وخفف من حدة "الطلب الدفاعي" لدى المواطنين، الذين باتوا أقل خوفاً على سيولتهم النقدية بعد تمديد فترات استبدال العملة، وهو ما أسهم في تهدئة حالة الهلع النقدي.
عوامل جيواقتصادية
من زاوية أوسع، يضع الخبير المالي الدكتور رازي محي الدين تحسن الليرة في سياق "سلة عوامل" تتجاوز الإجراءات النقدية الضيقة. وفي تصريحه للعين السورية يربط محي الدين صعود العملة المحلية بمتغيرات جيواقتصادية بدأت تلوح في الأفق؛ منها إجراءات ضبط المستوردات ومحاربة "المستورد الوهمي" التي حدت من استنزاف القطع الأجنبي، بالتوازي مع مؤشرات إيجابية كالهدنة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة، وعودة تدفقات السياحة والمغتربين خلال فصل الصيف، فضلاً عن تحركات في ملفات الترانزيت وحركة الملاحة الجوية. ويؤكد محي الدين أن هذا التحسن يعكس وعياً متنامياً لدى القطاع الخاص بضرورة كبح المضاربة التي تضر بالاقتصاد الكلي، محذراً في الوقت ذاته من أن سوق الصرف السورية، لكونها محدودة الحجم، تظل شديدة التأثر بأي طلبيات فجائية، مما يستدعي يقظة مستمرة.
أفق التوقعات
بين هذه الرؤى المتعددة، يبقى التحدي الأكبر هو استدامة هذا التحسن. إذ يتفق الخبراء على أن الوصول إلى مستويات سعرية أكثر استقراراً، كالوصول إلى 11 ألف ليرة، يتطلب ما هو أبعد من "العامل النفسي". فهو يستلزم سيولة دولارية مستدامة تدخل عبر قنوات الإنتاج، والتصدير، والاستثمار الحقيقي، وليس مجرد دولار "نفسي" يرتفع ويهبط مع الأخبار. وفي حين نجحت السياسة النقدية مؤخراً في كبح جماح المضاربة، يظل الاختبار الحقيقي للاقتصاد السوري هو تحويل هذا الاستقرار "اللحظي" إلى استقرار "هيكلي".
إن استعادة الليرة لقوتها الحقيقية مرتبطة بملفات ثقيلة؛ منها تحسين أداء المصارف، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم الصناعات الوطنية لتقليص عجز الميزان التجاري. لذا فإن المسار نحو 10 آلاف ليرة، الذي يراه البعض مستبعداً حالياً، لن يتحقق إلا إذا حدث تغير جوهري في ميزان العرض والطلب، مدعوماً بتدفقات نقدية مستدامة، وهو المسار الوحيد الذي يضمن لليرة الخروج من دوامة التذبذب اليومي إلى رحاب استقرار اقتصادي حقيقي.


