سوريا - محليات
لماذا وصلت مخرجات الجامعات السورية إلى حالة الجفاء مع سوق العمل ؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٤ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

إن كانت جامعة دمشق، احتفلت قبل سنوات بمرور مئة عام على تأسيسها، كجامعة هي الأقدم والأعرق على مستوى المنطقة. فإن ذاك الاحتفال ينطوي على إرث وحقائق يشهد لها التاريخ، إذ لم تصل إلى شكلها الحالي إلا بعد وجود نواة أُسست لها، كمعاهد للطب وإعداد المعلّمين. وربما لا يعرف الكثيرون أن هناك طلبة من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والآسيوية، تخرجوا من جامعة دمشق، ناهيك عن عشرات الآلاف من الطلبة العرب وملايين السوريين. ليظل السؤال الملح اليوم: هل ما زالت الجامعة قادرة على تقديم الخريج الذي يحتاجه سوق العمل، بالكفاءة والمهارة اللائقة؟
تحدٍّ كبير
برزت في السنوات الأخيرة، مسألة ربط منظومة التعليم العالي بمتطلبات سوق العمل، وأصبحت اليوم تحدياً لا يواجه جامعة دمشق وحدها، بل منظومة التعليم العالي برمّتها. فالخريج الجامعي اليوم غير قادر على دخول غمار العمل بشكل مباشر، بل هو بحاجة إلى تدريب عملي تفتقر إليه الجامعات السورية، باستثناء طلاب الطب الذين يلتحقون بالمشافي خلال سنوات دراستهم لتلقي التدريب العملي المناسب والضروري. ولكن ماذا عن بقية المجالات والاختصاصات؟
معلومات نظرية
ترى الطالبة لجين محمد، وهي طالبة في هندسة العمارة، أن المشكلة الأساسية تكمن في اعتماد التعليم الجامعي بدرجة كبيرة على الجانب النظري، فالطالب يتخرج وهو يمتلك معلومات نظرية، لكنه يحتاج إلى أن يبدأ من جديد تقريباً عندما يدخل سوق العمل حتى يكتسب الخبرة المطلوبة.
كذلك الأمر بالنسبة لخريج الحقوق، وفق ما يؤكده الطالب بشار سليمان، فمن يريد ممارسة المحاماة من الخريجين، يتوجب عليه أن يتدرب تحت إشراف محامٍ أستاذ لمدة عامين تقريباً، وبالتالي فهو غير قادر على ممارسة المهنة مباشرة بعد تخرجه وحصوله على الشهادة، على خلاف غالبية جامعات دول العالم التي تتيح لطلاب الحقوق التدريب العملي خلال سنوات الدراسة.
طالب قريب من المهنة
يلفت الدكتور عمر أسعد في حديثه مع " العين السورية"، إلى أن طلاب الطب يحصلون خلال سنوات دراستهم على تدريب عملي داخل المشافي، وهو أمر مهم جداً، لأنه يجعل الطالب قريباً من طبيعة المهنة قبل أن يحمل لقب الطبيب. ورغم ذلك، يحتاجون لدورات تدريبية في بعض الأمور الحديثة بعد التخرج.
كما يرى أغلب الطلاب أن المشكلة ليست في المناهج نفسها، فهي تحتوي على كمية كبيرة من المعلومات، لكن المشكلة تكمن في غياب الجانب التطبيقي الذي يساعد الطالب على تحويل هذه المعلومات إلى مهارات حقيقية.
ارتفاع أعداد الطلبة
تبدو المشكلة بنيوية أعمق من شكلها الظاهر، فالدكتور منير محمد، الأستاذ في كلية العلوم، يرى في حديث مع " العين السورية"، أن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى طبيعة النظام الجامعي نفسه، وخاصة ارتفاع أعداد الطلاب مقارنة بالإمكانات المتاحة.
فسوريا تستقبل أكثر من 200 ألف طالب سنوياً في منظومة التعليم العالي، وهو رقم كبير يجعل من الصعب تأمين تدريب عملي كافٍ لكل طالب.
ويشير إلى أن سياسة القبول الجامعي خلال السنوات الماضية كانت تقوم على مبدأ الدعم الاجتماعي، أي إتاحة التعليم الجامعي لأكبر عدد ممكن من الحاصلين على الشهادة الثانوية، ضمن سياسة مجانية التعليم التي اعتمدتها الدولة السورية رغم تكاليفها الكبيرة.
فرصة أكبر
هنا نصل إلى سؤال يتعلق بما تمتلكه الجامعات الخاصة، لاستدراك فجوة التدريب التي تعتري الجامعات الحكومية؟؟
في الجواب، يعتبر الدكتور فراس بجاري، في حديثه لـ"العين السورية"، أن الجامعات السورية الخاصة تمتلك فرصة أكبر نسبياً للاهتمام بالجانب العملي، بسبب انخفاض أعداد الطلاب مقارنة بالجامعات الحكومية. فالتجهيزات وأعداد الطلاب التي لا تتجاوز في بعض الأقسام خمسين طالباً، تسمح بتطبيق التدريب والتأهيل.
وفي الوقت نفسه يؤكد بجاري أن ذلك لا يكفي، لأن الطالب يجب أن يحصل على فرصة للعمل والتدريب داخل المؤسسات والشركات المرتبطة بمجاله قبل التخرج. وهذا ما تقوم به كثير من الجامعات العالمية، حيث يصبح التدريب جزءاً من الخطة الدراسية، وليس نشاطاً إضافياً اختيارياً.
تجربة ما قبل التخرج
وبدوره، يرى الخبير الأكاديمي الدكتور أحمد واصل، في حديثه لـ"العين السورية"، أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير المخابر أو زيادة عدد التجهيزات داخل الجامعات، على الرغم من أهمية ذلك، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة لطريقة بناء التعليم الجامعي نفسه. فبحسب رأيه، المطلوب هو الانتقال من التعليم الذي يعتمد بشكل كبير على الجانب النظري إلى تعليم يمنح الطالب فرصة حقيقية لتجربة ما تعلّمه قبل التخرج.
ويطرح واصل فكرة أن يصبح التدريب الميداني جزءاً أساسياً من المنهاج الجامعي، بحيث تُخصص السنوات الأخيرة للعمل داخل المؤسسات والشركات والجهات المرتبطة باختصاصه، ويكون هذا التدريب جزءاً من التقييم والتحصيل العلمي، وليس مجرد نشاط جانبي.
مراجعة نظام الامتحانات
كما يدعو الدكتور واصل إلى ضرورة مراجعة نظام الامتحانات الجامعية، لأن معظم الاختبارات الحالية تعتمد على قياس قدرة الطالب على حفظ المعلومات واسترجاعها، وليس على مدى فهمه وقدرته على استخدامها. فالطالب المتميز يجب أن يكون قادراً على التحليل وحل المشكلات، وليس فقط على حفظ أكبر كمية من المعلومات.
الشهادة الجامعية لم تعد ضماناً للعمل
كانت الشهادة الجامعية تمثل طريقاً شبه مضمون للحصول على وظيفة مستقرة، لكن هذا الواقع تغير كثيراً خلال السنوات الأخيرة. إذ يشير الخبير الاقتصادي الدكتور شفيق عربش إلى أن التعامل مع الشهادة الجامعية بمعزل عن الاختصاص لم يعد صحيحاً، لأن فرص العمل تختلف بشكل كبير بين مجال وآخر. فالطالب قد يقضي سنوات من عمره يدرس فرعاً غير مطلوب بشكل كبير في سوق العمل.
تراجع القدرة الإنتاجية
أما الخبير الاقتصادي وائل الحسن فيقول: إن المشكلة مرتبطة بتراجع القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري، وانخفاض عدد فرص العمل مقارنة بأعداد الخريجين سنوياً، عدا عن أن القطاع العام لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد الكبيرة كما كان في السابق.
مبادرات للربط
بدأت تظهر محاولات باتجاه تعزيز العلاقة بين الجامعات وسوق العمل. فمؤخراً.. بحث رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى صائم الدهر مع لجنة سيدات أعمال غرفة تجارة دمشق آليات التعاون المشترك، وتوفير فرص تدريب عملي للخريجين المتفوقين في شركات ومعامل القطاع الخاص.
تطوير البيئة التعليمية
كما وقّعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، اتفاقية تعاون مع المجلس السوري الأوروبي الاقتصادي لمدة ثلاث سنوات، بهدف تطوير البيئة التعليمية وربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل.
لكن هذه الخطوات تبقى جزئية وناقصة. لذلك اقترح تيار المستقبل السوري خطة تقوم على عدة محاور، أولها إنشاء وحدة لتحليل سوق العمل خلال ستة أشهر، تكون مهمتها إصدار تقارير نصف سنوية تحدد الاختصاصات المطلوبة والمشبعة، للمساعدة في توجيه القبول الجامعي.
أما المحور الثاني فيقوم على إطلاق برنامج "سوريا تتدرب" بهدف تدريب 30 ألف خريج في السنة الأولى، بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، مع التركيز على المهارات الرقمية والتقنية مثل البرمجة وتحليل البيانات والكهرباء والميكانيك.
بينما تعتمد المرحلة الثالثة على تحويل خمس جامعات حكومية خلال خمس سنوات إلى جامعات تكنولوجية تطبيقية، بحيث تصبح نسبة التعليم العملي نحو 60% مقابل 40% للنظري في الاختصاصات الهندسية والإدارية.
مشروع متكامل
إن معالجة الفجوة بين المناهج الدراسية وسوق العمل لا تعتمد على حل جزء من المشكلة وترك الباقي، بل هي مشروع متكامل يجب أن تُحلّ جوانبه المتعثرة. وإلا فسنجد المزيد من البطالة، والمزيد من الشهادات المعلقة على حيطان بيوت أصحابها.


