سوريا - اقتصاد
كيف ترتفع وتنخفض أسعار الذهب في سوريا.. ولماذا التباين مع السوق العالمية؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٣٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عندما ينظر المواطن السوري إلى واجهات محلات الصاغة، يجد سعر غرام الذهب قد تغير منذ الصباح، ربما صعد أو هبط. كثيرون يربطون هذه الحركة مباشرة بما يحدث في الأسواق العالمية، لكن الحقيقة أن الذهب في سوريا يتحرك في مضمار يختلف قليلاً أو كثيراً عن الأسواق العالمية المستقرة.
والواقع أن هذا التباين طالما أثار تساؤلات لدى المواطن والمتابع لمؤشرات حركة أسعار الذهب.
يتحدث أحد خبراء النقد في إجابته على سؤال "العين السورية" على سؤال يتعلق بالأسباب التي تدفع سوق الذهب المحلية للتحرك صعوداً وهبوطاً بشكل لا يعكس تأثراً كلياً بالمؤشرات العالمية.
ويؤكد الخبير أن الذهب في سوريا يتحرّك وفق معادلة أكثر تعقيداً مما هو عالمي، تتشابك فيها العوامل العالمية مع أوضاع محلية فريدة تجعل السوق السورية، أشبه بمرآة تعكس الواقع الاقتصادي الداخلي بكل تفاصيله.
سعر الصرف
ويرى أن العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب داخل سوريا، والذي يفوق في أهميته أحياناً تقلبات الأسواق العالمية، هو سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار . فسعر الذهب العالمي يُحدد بالدولار، وعندما يتراجع سعر صرف الليرة، ترتفع تكلفة استيراد الذهب، مما ينعكس تلقائياً على السعر المحلي .
ويؤكد أن العلاقة هنا مباشرة وتقريباً طردية.. فإذا ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية بنسبة 10%، فمن المرجح أن يشهد سعر الذهب المحلي ارتفاعاً مماثلاً، حتى لو بقي السعر العالمي ثابتاً تماماً . هذه الآلية تفسر لماذا قد نشهد ارتفاعاً في الذهب محلياً في وقت تستقر فيه الأسواق العالمية أو حتى تنخفض.
الذهب كملاذ آمن
ويُلفت الخبير النقدي، إلى أنه وفي ظل انعدام الثقة بالعملة المحلية، وتآكل قيمة المدخرات بسبب التضخم، يتحول الذهب إلى وعاء ادخار رئيسي للسوريين . هذا الطلب المحلي الكبير على المعدن الأصفر، بدافع الحفاظ على القيمة الشرائية، يضغط على الأسعار صعوداً بغض النظر عن تحركات السوق العالمية .
وفي تصريحات سابقة بيّن الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف بجامعة حماة، أن ضعف القوة الشرائية للمواطنين دفع كثيرين إلى اقتناء الذهب كوسيلة لحفظ القيمة، مشيراً إلى أن المعدن الأصفر أصبح الخيار الأكثر مرونة وسهولة للمستثمرين السوريين، خاصة أنه لا يتطلب رؤوس أموال كبيرة ويسهل تداوله .
فجوة السوقين الرسمي والموازي
وبالعودة إلى الخبير النقدي في حديثة لـ " العين السورية"، فإنه يرى أن عامل آخر يمنح السوق السورية خصوصيتها، وهو وجود فجوة سعرية بين السوق الرسمية والسوق الموازية للدولار، ما يخلق حالة من المضاربة اليومية تنعكس مباشرة على أسعار الذهب . هذه الفجوة، التي لا وجود لها في الأسواق المستقرة، تضيف طبقة إضافية من التقلب تجعل حركة الذهب في سوريا تختلف كمّاً وكيفاً عن حركته العالمية.
العرض المحدود وتكاليف الاستيراد
من الناحية العملية، يواجه سوق الذهب السوري مشكلة في العرض بسبب تراجع الاستيراد وصعوبات التمويل، فضلاً عن تكاليف النقل والضرائب المفروضة على الذهب الخام والمصنّع . هذه المعوقات اللوجستية ترفع التكلفة النهائية للمستهلك، وتجعل السعر المحلي أكثر ارتفاعاً مما قد يوحي به السعر العالمي وحده.
التحديات الاجتماعية والاقتصادية
هذه العوامل المحلية المتداخلة تنتج آثاراً اجتماعية ملموسة. فمع قفزات الأسعار غير المسبوقة، أصبح الزواج، المرتبط تقليدياً بشراء الذهب، هدفاً بعيد المنال للكثيرين .
ويقول أحد العاملين في متجر ذهب إن الزبون الذي كان يأتي بـ3 آلاف دولار ويشتري كمية جيدة، أصبح يحصل الآن على "محبس" فقط وقطعتين أخريين . ويلجأ بعض الأسر إلى الاتفاق مع أهل العروس على التنازل عن شراء الذهب، أو قبول ذهب بجودة وسعر أقل .
أي يرتفع ينخفض الذهب في سوريا وفق معادلة معقدة، الطرف الأول فيها هو السوق العالمية، والطرف الثاني الأكثر ثقلاً هو الواقع النقدي المحلي المتمثل في سعر صرف الليرة، ومستوى الثقة بالعملة، وفجوة الأسعار بين السوقين الرسمي والموازي، وتكاليف الاستيراد، والطلب المحلي الكبير للتحوط. هذه العوامل مجتمعة تجعل حركة الذهب في سوريا أشبه بانعكاس للوضع الاقتصادي الداخلي أكثر من كونها مجرد تابع للأسواق العالمية .


