سوريا - اقتصاد
ترشيد الإنفاق الحكومي.. كيف توفر الدولة دون أن يدفع المواطن؟
ترشيد الإنفاق الحكومي يبدأ من ضبط الهدر.. المؤسسات العامة في صدارة المشهد
ن
نورا حربا
نشر في: ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٥٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
الهدر في المؤسسات العامة
تبدو بعض النفقات الإدارية واضحة وقابلة للضبط، إلا أن بنوداً أخرى قد يكون أثرها المالي والاقتصادي أكبر، وفي مقدمتها الهدر في قطاع الكهرباء، وطريقة شراء الدولة لاحتياجاتها، وكفاءة إدارة المؤسسات والشركات العامة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور "أنس الريس"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الوفر الحقيقي من ترشيد الإنفاق يمكن أن يتحقق من خلال تحسين آليات شراء الدولة لاحتياجاتها، ومعالجة الهدر في قطاع الكهرباء، وإعادة النظر في المؤسسات العامة التي تستهلك موارد أكبر من قدرتها على الإنتاج.
ويعتبر الريس أن هذه المجالات يمكن أن تحقق وفراً ملموساً من دون أن يشعر المواطن بتراجع في مستوى الخدمات، إذا جرت معالجتها من زاوية رفع الكفاءة بدلاً من تقليص الإنفاق بشكل مباشر.
خفض الهدر لا يعني خفض الدعم
ويؤكد الريس ضرورة التمييز بين خفض الهدر وخفض الدعم، موضحاً أن تحميل المواطن تكلفة إضافية لا يعني بالضرورة رفع كفاءة القطاع، وإنما قد يؤدي إلى نقل جزء من التكلفة من الخزينة العامة إلى الأسرة.
ويشير إلى أن فاقد الكهرباء الفني والتجاري يقدّر بأكثر من 30 إلى 35 بالمئة من الكهرباء المنتجة، نتيجة عوامل تشمل ضعف الشبكات والتعديات وضعف التحصيل.
ويشرح أن الفاقد الفني يرتبط بالكهرباء التي تضيع أثناء نقلها وتوزيعها نتيجة قدم الشبكات ومحدودية كفاءتها، بينما يتعلق الفاقد التجاري بكميات الكهرباء المستهلكة التي لا يجري تحصيل قيمتها، سواء بسبب التعديات أو ضعف أنظمة الجباية والتحصيل.
وبحسب الريس، فإن استعادة جزء من هذه الكميات تعني زيادة الكهرباء المتاحة من الموارد الإنتاجية القائمة، من دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة مماثلة في استهلاك الوقود، مشيراً إلى أن كل خمس نقاط مئوية تتم استعادتها من الفاقد تعني كمية إضافية من الكهرباء يمكن توفيرها من الموارد الإنتاجية القائمة.
تحسين كفاءة المحطات والشبكات
ولا يقتصر تحسين الكفاءة، وفق الريس، على معالجة الفاقد الفني والتجاري، بل يشمل أيضاً رفع كفاءة محطات التوليد، وتحسين آليات شراء الوقود، وخفض تكاليف نقله وتخزينه.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية في ظل توقيت سياسات الترشيد، ولا سيما بعد رفع أسعار عدد من المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 40 بالمئة لبعض المواد.
ومن هنا، يطرح الريس سؤالاً حول أولوية المعالجة: هل تبدأ الدولة بتحميل المستهلك تكاليف إضافية، أم بمعالجة الخسائر التي تنتج عن ضعف الكفاءة والهدر في مراحل الإنتاج والنقل والتحصيل؟
ويشير إلى أن تحسين الشبكات ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التحصيل يمكن أن يؤدي إلى زيادة كمية الكهرباء المتاحة من الموارد نفسها، ما يجعل الوفر الناتج عن هذه الإجراءات مختلفاً عن مجرد خفض بند من بنود الإنفاق.
المؤسسات العامة.. لا يمكن التعامل معها بمعيار واحد
من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي والإداري الدكتور حامد حسن، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ترشيد الإنفاق في المؤسسات والشركات العامة يتطلب التمييز بين طبيعة كل مؤسسة والدور الذي تؤديه.
ويشير إلى وجود مؤسسات تقدم خدمات عامة لا يمكن التعامل معها وفق معيار الربحية التجارية وحده، وقد يكون استمرار دعمها ضرورياً لضمان الخدمة، مقابل مؤسسات أخرى تتكبد خسائر بصورة مستمرة نتيجة عوامل مثل سوء الإدارة، أو العمالة الزائدة، أو ضعف التحصيل، أو التسعير غير الكفؤ.
ويرى حسن أن الحل لا يتمثل في الإغلاق الشامل، وإنما في إعادة الهيكلة، وإيقاف الأنشطة غير الضرورية، وتحسين التحصيل، ورفع كفاءة الإدارة، إلى جانب دراسة الشراكة مع القطاع الخاص عندما تكون أكثر جدوى.
الدعم ليس إنفاقاً يمكن إلغاؤه تلقائياً
ويحذر حسن من التعامل مع دعم المؤسسات العامة باعتباره إنفاقاً يمكن إلغاؤه تلقائياً لتحقيق وفر في الموازنة، موضحاً أن خفض الدعم لا يعني بالضرورة تحقيق وفر صافٍ للخزينة، إذ إن بعض الجهات العامة تؤدي أدواراً إنتاجية أو خدمية وتساهم في توليد إيرادات للدولة.
ويشير في هذا السياق إلى أن عوائد استثمارات الدولة بلغت نحو 763 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات وزارة المالية، إلا أن هذا الرقم يندرج ضمن بند إيرادات أوسع، ولا يعني بالضرورة أنه يمثل أرباح المؤسسات والشركات العامة وحدها.
وبالتالي، يرى حسن أن تقييم المؤسسات العامة يجب ألا يستند إلى حجم الدعم الذي تحصل عليه فقط، وإنما إلى طبيعة الدور الذي تؤديه، وحجم إنتاجها وإيراداتها، وكلفة استمرارها، ومدى قدرتها على تقديم الخدمة أو تحقيق قيمة اقتصادية مقابل الموارد التي تحصل عليها.
ويحذر من أن وقف التمويل عن مؤسسة منتجة بشكل عشوائي قد يؤدي إلى تراجع إنتاجها وإيراداتها بمقدار يفوق ما جرى توفيره من نفقاتها، ما يجعل إعادة الهيكلة ورفع الكفاءة وتحسين التحصيل خيارات أكثر دقة من خفض الإنفاق بصورة عامة.
الترشيد.. إنفاق أقل أم كفاءة أعلى؟
ويؤكد حسن أن معالجة الهدر في الكهرباء وإصلاح المؤسسات العامة يمثلان جزءاً أساسياً من مفهوم ترشيد الإنفاق، موضحاً أن الهدف لا ينبغي أن يكون تقليص الإنفاق بمعزل عن نتائجه، وإنما تحسين العلاقة بين الموارد التي تنفقها الدولة وما تحصل عليه مقابلها من خدمات وإنتاج وإيرادات.
فالترشيد الحقيقي، وفق هذا الطرح، لا يعني أن تنفق الدولة أقل على الكهرباء أو المؤسسات العامة لمجرد خفض الرقم في الموازنة، وإنما أن تحصل على كهرباء وخدمات وإنتاج أكبر من الموارد نفسها، وأن تتحول الأموال التي كانت تذهب إلى الهدر وضعف الكفاءة إلى إنفاق أكثر فاعلية واستدامة.
وبين خفض الإنفاق وتحسين كفاءة الإنفاق، يبقى التحدي في قدرة الدولة على تحديد مواطن الهدر، وقياس أداء كل جهة وفق طبيعة دورها ونتائجها، بما يتيح تحقيق وفر مالي من دون أن يتحول الترشيد إلى خفض في مستوى الخدمات أو الإيرادات.
بالنسبة إلى الأسرة التي تحاول ضبط مصروفها، يصبح الحديث عن ترشيد الإنفاق الحكومي سؤالاً عن أثره في حياتها اليومية: هل تتحسن الخدمات وتُضبط الموارد المهدورة، أم تنتقل تكاليف إضافية إلى فاتورتها؟
في ظل التوجه الحكومي نحو الحد من الإنفاق وترشيد الاستهلاك، يبرز قطاع الكهرباء والمؤسسات العامة ضمن المجالات التي يرى خبراء أن إصلاحها يمكن أن يحقق وفراً، مع الحفاظ على الخدمات والإنتاج. فالترشيد، بحسب هذا الطرح، لا يُقاس بحجم الأموال التي تتوقف الدولة عن إنفاقها فقط، بل بما تحصل عليه مقابل مواردها من كهرباء وخدمات وإيرادات.
وفي حديثين لـ«العين السورية»، يناقش الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور أنس الريس، والخبير الاقتصادي والإداري الدكتور حامد حسن، فرص تقليل الهدر، وحدود خفض الدعم، وأهمية تقييم المؤسسات وفق طبيعة عملها.
في ظل التوجه الحكومي نحو الحد من الإنفاق وترشيد الاستهلاك، يبرز قطاع الكهرباء والمؤسسات العامة ضمن المجالات التي يرى خبراء أن إصلاحها يمكن أن يحقق وفراً، مع الحفاظ على الخدمات والإنتاج. فالترشيد، بحسب هذا الطرح، لا يُقاس بحجم الأموال التي تتوقف الدولة عن إنفاقها فقط، بل بما تحصل عليه مقابل مواردها من كهرباء وخدمات وإيرادات.
وفي حديثين لـ«العين السورية»، يناقش الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور أنس الريس، والخبير الاقتصادي والإداري الدكتور حامد حسن، فرص تقليل الهدر، وحدود خفض الدعم، وأهمية تقييم المؤسسات وفق طبيعة عملها.
الهدر في المؤسسات العامة
تبدو بعض النفقات الإدارية واضحة وقابلة للضبط، إلا أن بنوداً أخرى قد يكون أثرها المالي والاقتصادي أكبر، وفي مقدمتها الهدر في قطاع الكهرباء، وطريقة شراء الدولة لاحتياجاتها، وكفاءة إدارة المؤسسات والشركات العامة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور "أنس الريس"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الوفر الحقيقي من ترشيد الإنفاق يمكن أن يتحقق من خلال تحسين آليات شراء الدولة لاحتياجاتها، ومعالجة الهدر في قطاع الكهرباء، وإعادة النظر في المؤسسات العامة التي تستهلك موارد أكبر من قدرتها على الإنتاج.
ويعتبر الريس أن هذه المجالات يمكن أن تحقق وفراً ملموساً من دون أن يشعر المواطن بتراجع في مستوى الخدمات، إذا جرت معالجتها من زاوية رفع الكفاءة بدلاً من تقليص الإنفاق بشكل مباشر.
خفض الهدر لا يعني خفض الدعم
ويؤكد الريس ضرورة التمييز بين خفض الهدر وخفض الدعم، موضحاً أن تحميل المواطن تكلفة إضافية لا يعني بالضرورة رفع كفاءة القطاع، وإنما قد يؤدي إلى نقل جزء من التكلفة من الخزينة العامة إلى الأسرة.
ويشير إلى أن فاقد الكهرباء الفني والتجاري يقدّر بأكثر من 30 إلى 35 بالمئة من الكهرباء المنتجة، نتيجة عوامل تشمل ضعف الشبكات والتعديات وضعف التحصيل.
ويشرح أن الفاقد الفني يرتبط بالكهرباء التي تضيع أثناء نقلها وتوزيعها نتيجة قدم الشبكات ومحدودية كفاءتها، بينما يتعلق الفاقد التجاري بكميات الكهرباء المستهلكة التي لا يجري تحصيل قيمتها، سواء بسبب التعديات أو ضعف أنظمة الجباية والتحصيل.
وبحسب الريس، فإن استعادة جزء من هذه الكميات تعني زيادة الكهرباء المتاحة من الموارد الإنتاجية القائمة، من دون الحاجة بالضرورة إلى زيادة مماثلة في استهلاك الوقود، مشيراً إلى أن كل خمس نقاط مئوية تتم استعادتها من الفاقد تعني كمية إضافية من الكهرباء يمكن توفيرها من الموارد الإنتاجية القائمة.
تحسين كفاءة المحطات والشبكات
ولا يقتصر تحسين الكفاءة، وفق الريس، على معالجة الفاقد الفني والتجاري، بل يشمل أيضاً رفع كفاءة محطات التوليد، وتحسين آليات شراء الوقود، وخفض تكاليف نقله وتخزينه.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية في ظل توقيت سياسات الترشيد، ولا سيما بعد رفع أسعار عدد من المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى 40 بالمئة لبعض المواد.
ومن هنا، يطرح الريس سؤالاً حول أولوية المعالجة: هل تبدأ الدولة بتحميل المستهلك تكاليف إضافية، أم بمعالجة الخسائر التي تنتج عن ضعف الكفاءة والهدر في مراحل الإنتاج والنقل والتحصيل؟
ويشير إلى أن تحسين الشبكات ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التحصيل يمكن أن يؤدي إلى زيادة كمية الكهرباء المتاحة من الموارد نفسها، ما يجعل الوفر الناتج عن هذه الإجراءات مختلفاً عن مجرد خفض بند من بنود الإنفاق.
المؤسسات العامة.. لا يمكن التعامل معها بمعيار واحد
من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي والإداري الدكتور حامد حسن، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ترشيد الإنفاق في المؤسسات والشركات العامة يتطلب التمييز بين طبيعة كل مؤسسة والدور الذي تؤديه.
ويشير إلى وجود مؤسسات تقدم خدمات عامة لا يمكن التعامل معها وفق معيار الربحية التجارية وحده، وقد يكون استمرار دعمها ضرورياً لضمان الخدمة، مقابل مؤسسات أخرى تتكبد خسائر بصورة مستمرة نتيجة عوامل مثل سوء الإدارة، أو العمالة الزائدة، أو ضعف التحصيل، أو التسعير غير الكفؤ.
ويرى حسن أن الحل لا يتمثل في الإغلاق الشامل، وإنما في إعادة الهيكلة، وإيقاف الأنشطة غير الضرورية، وتحسين التحصيل، ورفع كفاءة الإدارة، إلى جانب دراسة الشراكة مع القطاع الخاص عندما تكون أكثر جدوى.
الدعم ليس إنفاقاً يمكن إلغاؤه تلقائياً
ويحذر حسن من التعامل مع دعم المؤسسات العامة باعتباره إنفاقاً يمكن إلغاؤه تلقائياً لتحقيق وفر في الموازنة، موضحاً أن خفض الدعم لا يعني بالضرورة تحقيق وفر صافٍ للخزينة، إذ إن بعض الجهات العامة تؤدي أدواراً إنتاجية أو خدمية وتساهم في توليد إيرادات للدولة.
ويشير في هذا السياق إلى أن عوائد استثمارات الدولة بلغت نحو 763 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات وزارة المالية، إلا أن هذا الرقم يندرج ضمن بند إيرادات أوسع، ولا يعني بالضرورة أنه يمثل أرباح المؤسسات والشركات العامة وحدها.
وبالتالي، يرى حسن أن تقييم المؤسسات العامة يجب ألا يستند إلى حجم الدعم الذي تحصل عليه فقط، وإنما إلى طبيعة الدور الذي تؤديه، وحجم إنتاجها وإيراداتها، وكلفة استمرارها، ومدى قدرتها على تقديم الخدمة أو تحقيق قيمة اقتصادية مقابل الموارد التي تحصل عليها.
ويحذر من أن وقف التمويل عن مؤسسة منتجة بشكل عشوائي قد يؤدي إلى تراجع إنتاجها وإيراداتها بمقدار يفوق ما جرى توفيره من نفقاتها، ما يجعل إعادة الهيكلة ورفع الكفاءة وتحسين التحصيل خيارات أكثر دقة من خفض الإنفاق بصورة عامة.
الترشيد.. إنفاق أقل أم كفاءة أعلى؟
ويؤكد حسن أن معالجة الهدر في الكهرباء وإصلاح المؤسسات العامة يمثلان جزءاً أساسياً من مفهوم ترشيد الإنفاق، موضحاً أن الهدف لا ينبغي أن يكون تقليص الإنفاق بمعزل عن نتائجه، وإنما تحسين العلاقة بين الموارد التي تنفقها الدولة وما تحصل عليه مقابلها من خدمات وإنتاج وإيرادات.
فالترشيد الحقيقي، وفق هذا الطرح، لا يعني أن تنفق الدولة أقل على الكهرباء أو المؤسسات العامة لمجرد خفض الرقم في الموازنة، وإنما أن تحصل على كهرباء وخدمات وإنتاج أكبر من الموارد نفسها، وأن تتحول الأموال التي كانت تذهب إلى الهدر وضعف الكفاءة إلى إنفاق أكثر فاعلية واستدامة.
وبين خفض الإنفاق وتحسين كفاءة الإنفاق، يبقى التحدي في قدرة الدولة على تحديد مواطن الهدر، وقياس أداء كل جهة وفق طبيعة دورها ونتائجها، بما يتيح تحقيق وفر مالي من دون أن يتحول الترشيد إلى خفض في مستوى الخدمات أو الإيرادات.


