سوريا - اقتصاد
قريباً "بيوت تمويل" تحت الطلب.. رهان على النجاح في هندسة إعمار سوريا
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٤ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٥٦
3 دقيقة

في الوقت الذي يبحث فيه الاقتصاد السوري عن قنوات تمويلية غير تقليدية تكسر جمود المشهد المالي، تتجه الأنظار نحو الخطوات الأخيرة التي تقودها هيئة الأوراق والأسواق المالية لإصدار تشريع الصناديق الاستثمارية. هذا التوجه التشريعي أثار انقساماً في القراءة الاقتصادية؛ بين من يراه مجرد "تحديث روتيني" للمنظومة القانونية، ومن يصفه "بمحاولة إنقاذ طارئة".
إلا أن تفكيك أبعاد الخطوة يكشف عن رغبة في التأسيس لبنية تحتية تمويلية متكاملة تتزامن مع الملامح الأولى للاستقرار الاقتصادي المنشود، لتمثل هذه الصناديق " مدّاً للسكة الحديدية قبل وصول القطار، وتهيئة للأداة قبل نضوج بيئتها تماماً".
تحدي التوقيت
لإدراك أبعاد هذا التحول، يضعنا الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أمام صدمة الأرقام التي تفسر توقيت التشريع الحالي؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة إعادة الإعمار في سوريا تناهز 216 مليار دولار، وهو رقم هائل يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (والذي انكمش بحدة من 67.5 مليار دولار عام 2011 ليصل إلى قرابة 21.4 مليار دولار لعام 2024). هذه الفجوة التمويلية الضخمة تعني ببساطة استحالة الاعتماد على موارد الدولة التقليدية بمفردها، وتفرض البحث عن أوعية مالية ذكية تجمع أموال آلاف المدّخرين الصغار في محفظة واحدة يديرها محترفون ويوزّعونها على سلّة أصول متنوعة.
الحوالات المشتتة
يعاني المشهد الادخاري في سوريا من اختناق هيكلي حاد، فالمواطن السوري محاصر اليوم بين قناتين لا ثالث لهما: الإيداعات المصرفية، أو سوق دمشق للأوراق المالية التي تعاني ضيقاً واضحاً برأسمال سوقي لا يتخطى 1.5 مليار دولار، ولا تضم سوى 27 شركة مدرجة، وسط تداولات يومية خجولة تتأرجح بين 7 و36 مليون ليرة سورية. في المقابل، يتدفق خارج المنظومة الرسمية نهر مالي غير مستغل يصفه الدكتور عبد الكريم بـ"الأموال الخاملة"، المتمثلة في الذهب المكتنز، والنقد الأجنبي المخبوء "تحت الوسائد"، والحوالات الخارجية المفتتة.
وهنا يبرز الرقم الأكثر إثارة للدهشة في قراءة الدكتور عبد الكريم؛ إذ تكشف البيانات أن قيمة الحوالات الخارجية المتدفقة إلى البلاد بلغت نحو 4 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم لافت. المفارقة تكمن في أن متوسط الحوالة الواحدة لا يتجاوز 75 إلى 100 دولار للأسرة، وهي تُصرف فورياً على الاستهلاك المعيشي اليومي وتمر عبر شركات الصرافة الخاصة بدلاً من الجهاز المصرفي.
صناديق عقارية
هنا يأتي الدور المحوري للصناديق العقارية (REITs) كأداة قادرة على تحويل هذا النهر التمويلي المتبدد إلى تيار تنموي منتج. فالصندوق العقاري — وهو وعاء يمتلك أصولاً عقارية كبرى كالأبراج السكنية والمراكز التجارية ويوزع نحو 90% من أرباح إيجاراتها دورياً على حملة الوحدات مع إتاحة تداولها في البورصة كأية أسهم مالية — يتيح ما يمكن تسميته بـ"ديمقراطية الاستثمار". فبدلاً من اشتراط مبالغ فلكية لشراء عقار كامل يعجز صاحبه عن تسييله، تتيح الصناديق للمواطن شراء "شريحة" متواضعة بمبلغ بسيط والبيع متى شاء، ليجمع بين أمان العقار وسيولة السهم، ويسهم في دمج هذه الكتل المالية الصغيرة لصناعة مليارات تموّل بناء مدن جديدة تسد الفجوة السكنية في البلاد والمقدرة بـ 75 مليار دولار.
كيف نتفادى فخ "الفقاعة العقارية"؟
مع اندفاع السيولة المتوقع نحو القطاع العقاري، يبرز مخاوف مشروعة من ولادة "فقاعة عقارية" تفصل الأسعار عن أساسها الاقتصادي وتؤدي لانهيارها، أو إشعال موجات تضخم تقضم الرواتب. وفي هذا الصدد، يشدد الدكتور محمود عبد الكريم على ضرورة أن يتضمن التشريع تفريقاً حاسماً بين مسارين: مسار إنتاجي يوجه أموال الصناديق لتشييد وحدات جديدة مما يرفع المعروض ويكبح الأسعار، ومسار مضاربي يركز على تداول العقارات القائمة وإعادة بيعها مما يؤجج الأسعار دون قيمة مضافة.
ولتحقيق التوازن الاستثماري وحماية الاستقرار النقدي — الذي تحقق بصعوبة بعد تراجع التضخم من ذروته البالغة 170% ليستقر عند 15% بالتوازي مع تحسن الليرة بنحو 30% والدمج التدريجي للمصارف عالمياً — يقترح عبد الكريم فرض أربعة كوابح تشريعية صارمة:
. سقف للرافعة المالية: يحدد نسبة الاقتراض القصوى للصندوق مقارنة بأصوله لمنع الانهيار عند الهزات الماليّة.
. تقييم دوري إلزامي: يعتمد على خبراء تثمين مستقلين لمنع المبالغة المصطنعة في تقييم الأصول.
. تنويع استثماري إجباري: يحظر تركيز المحفظة العقارية في مدينة واحدة أو نمط عقاري محدد.
. فترات حظر التسييل (Lock-up) :تمنع التدفق والنزوح المفاجئ لـ"الأموال الساخنة" المربكة لاستقرار السوق.
حوكمة
ينقلنا التحليل إلى المربع الأكثر تعقيداً؛ وهو فجوة الحوكمة والرقابة. يرى الدكتور عبد الكريم أن الحوكمة هي منظومة القواعد الضامنة لتصرّف مديري الأموال لصالح المستثمرين بشفافية ومساءلة. ويوضح بصراحة أن "الفجوة الأكبر لا تكمن إطلاقاً في صياغة نصوص القوانين التي يمكن إعدادها في أسابيع، بل في غياب المنظومة المؤسسية الداعمة الحاضنة للصناديق".
وتصطدم أركان الحوكمة الدولية الأربعة (الفصل التام بين المدير وأمين الحفظ المستقل، التسعير اليومي الشفاف لصافي قيمة الأصول NAV، التدقيق المحاسبي الدولي، ومرونة السوق الثانوية) بواقع محلي يكشف عمق الهوة الهيكلية؛ حيث تفتقر البيئة الحالية لأمناء حفظ متخصصين، ومديري أصول محترفين، وسجلات أداء تراكمية. وتتعمق الأزمة بمعضلة تسعير الأصول الناتجة عن ازدواجية سعر الصرف (نحو 11,350 ليرة للدولار رسمياً مقابل أكثر من 14,300 ليرة في السوق الموازية، بفجوة تناهز 26%)، مما يربك احتساب العائد الحقيقي للمستثمر، ويترافق مع أزمة مأسسة تنعكس في تفضيل الجمهور لشركات الصرافة على القنوات المصرفية الرسمية لتمرير الكتلة النقدية.
كيف يستفيد المواطن؟
رغم هذه التعقيدات الفنية، فإن نجاح الصناديق يحمل أثراً مباشراً يلمسه المواطن العادي البسيط الذي قد لا يمتلك يوماً وحدة استثمارية واحدة، وذلك على المدى المتوسط (بين سنتين إلى أربع سنوات) عبر أربع قنوات رئيسة:
قناة السكن: زيادة المعروض العقاري الناتجة عن تمويل الصناديق للمشاريع ستؤدي لتخفيف الضغط الحاد وتلطيف أسعار الإيجارات والشراء التي تثقل كاهل الأسر اليوم.
قناة التشغيل: قطاع التشييد كثيف العمالة بطبيعته؛ وكل مشروع جديد يعني تشغيل مهندسين، فنيين، وعمال، وتحفيز مصانع مواد البناء وسلاسل التوريد، مما يرفد شرائح واسعة بدخل إضافي لا علاقة له بالاستثمار المباشر.
قناة استقرار النقد: جذب الكتلة النقدية المكتنزة والسوق الموازية إلى قنوات نظامية شفافة سيخفف الضغط على العملة المحلية؛ الأمر الذي يدعم كبح التضخم ويحمي القيمة الشرائية للأجور والرواتب.
قناة المالية العامة: تنشيط الادخار الرسمي يوسّع الوعاء الضريبي ويزيد الإيرادات العامة للدولة الموجهة لتمويل الخدمات الأساسية والبنى التحتية، مما يقلص الارتهان للمساعدات الخارجية والتمويلات غير المستقرة.
وصايا العبور الآمن
وفي ختام هذا الاستعراض التحليلي المعمق، يقدم الدكتور محمود عبد الكريم خارطة طريق للهيئة لتضمينها في التعليمات التنفيذية القادمة لضمان نجاح القانون، تتلخص في ست ركائز تجمع بين التدرج في التطبيق والانضباط في القواعد:
. التدرج التشغيلي: البدء بطرح صناديق استثمارية بسيطة ومفهومة كصناديق الأوراق المالية، قبل الانتقال إلى الصناديق العقارية الأكثر تعقيداً لاختبار المنظومة بثقة.
. مأسسة الحوكمة الصارمة: فرض الفصل الهيكلي التام بين مدير الصندوق وأمين الحفظ، وتحديد حدود إلزامية للتنويع وسقوف واضحة للرافعة المالية والإفصاح الدوري.
. اشتراطات الكفاءة والترخيص: وضع ضوابط صارمة لكفاءة مديري الصناديق وتحديد حد أدنى مرتفع لرأس المال يضمن جدية التأسيس، وصياغة قواعد شفافة لحماية صغار المدخرين.
. حسم التشوهات النقدية والسيولة: وضوح المعاملة الضريبية وسعر الصرف لتمكين المستثمر من قياس عائده الحقيقي، مع إدراج الصناديق المغلقة في سوق دمشق لتأمين سيولة ثانوية مرنة.
. تلبية الهوية الادخارية المحلية: تطوير صناديق استثمارية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بالتوازي مع قانون الصكوك المرتقب، استقطاباً لشريحة واسعة وعميقة من المدخرين المحليين.
. التوعية والنهج التشاركي: إطلاق حملات توعية شاملة تبسط مفاهيم المال والاستثمار للشارع المالي، معتبراً طرح مشروع القانون لاستطلاع الرأي العام خطوة ممتازة تؤسس لهذا النهج التشاركي المنشود.
ليس ترفاً
إن قانون الصناديق الاستثمارية المطروح ليس مجرد حبر على ورق أو ترف تشريعي، بل هو أداة تمويلية جراحية قادرة على تحويل الرساميل المبددة إلى كتل إنتاجية تقود قاطرة الإعمار. إلا أن نجاح هذا التشريع لن يقاس بجمالية صياغة نصوصه، بل بمدى جدية الهيئة في "بناء العضلات المؤسسية" الحاضنة له، وحسم تشوهات الصرف والسيولة، وبناء جسور الثقة مع المدخر العادي؛ فالقوانين الاقتصادية لا تنجح إلا إذا فهمها الشارع المالي ووثق بها، ليتحول المواطن البسيط من متفرج على الأزمة إلى شريك في إعمار بلاده وحصاد عوائدها.


