سوريا - اقتصاد
قرار مرتقب لإنهاء دولرة المحروقات في سوريا.. ضبط للسوق أم إعادة توزيع لأعباء العجز؟
ه
هبة الكل
نشر في: ٢٣ يونيو ٢٠٢٦، ١٤:١٦
3 دقيقة

تترقب الأوساط الاقتصادية صدور قرار عن وزارة الطاقة، يقضي بحظر استخدام أي عملة غير الليرة السورية في تسعير وبيع المشتقات النفطية داخل الأسواق المحلية، في خطوة تندرج ضمن توجه حكومي لتشديد الرقابة على قطاع الطاقة، وتعزيز التعامل بالعملة الوطنية.
يعيدنا هذا التوجه نحو سياسات التسعير المحلية المعتمدة في قطاع المحروقات، ودور ما يُعرف بـ الدولار النفطي في السوق السورية، لا سيما وأن القرار المرتقب يأتي بعد أشهر قليلة من اعتماد سياسة معاكسة، تمثلت في إلزام أصحاب محطات الوقود بتسديد قيمة التوريدات النفطية بالدولار الأمريكي في آذار الماضي، وذلك قبل أن تتجه الشركة السورية للبترول إلى السماح بالتسديد بالليرة السورية لاحقاً.
قرار تنظيمي أم توجه نقدي
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم العكلة أنّ صدور القرار عن وزارة الطاقة، يعكس طبيعته الإجرائية والتنفيذية، باعتباره مرتبطاً مباشرة بقطاع يخضع لإشراف الوزارة واختصاصها، بشكل يوحي بأن الحكومة تتعامل معه بوصفه إجراءً قطاعياً، يهدف إلى تنظيم السوق، وليس تحولاً شاملاً في السياسة النقدية أو الاقتصادية.
في السياق ذاته، تؤكد عميدة كلية الاقتصاد بجامعة الفرات، الدكتورة مروى بيوض، على أنّ القرار لا يحمل طابعاً سياسياً أو تخطيطياً، بقدر ما يمثل إجراءً تنفيذياً يهدف إلى معالجة الاختلالات في قطاع توزيع المحروقات، إذ أنّ وزارة الطاقة تمتلك صلاحيات الترخيص والتوريد والرقابة على المحطات، ما يمنحها القدرة على تطبيق القرار بسرعة وفعالية من خلال ربطه بشروط التوزيع والتموين، بعيداً عن التعقيدات المرتبطة بالتشريعات النقدية والآليات المصرفية.
دوافع القرار
تتباين التفسيرات بشأن دوافع الحكومة لاتخاذ هذا القرار، فالدكتور العكلة يشير إلى أنّ القرار يندرج ضمن مساعي الحد من ظاهرة الدولرة التي توسعت خلال الأشهر الماضية، وإعادة الاعتبار للعملة الوطنية في التعاملات الاقتصادية، خصوصاً في قطاع استراتيجي كالمحروقات، ويضيف أنّ تسعير الوقود بالليرة السورية قد يحدّ من انتقال تقلبات سعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى، نظراً لانعكاس تكاليف الطاقة على النقل والإنتاج، ومختلف الأنشطة الاقتصادية، كما يرى أنّ الخطوة تحمل بعداً سيادياً ورمزياً، يعكس رغبة الدولة في تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، واستعادة جزء من سيادتها النقدية، بوصفها أداة تسعير أساسية.
بالمقابل، تطرح بيوض قراءة تتمثل في أنّ القرار لا ينبغي تفسيره كسياسة نقدية شاملة، بل إجراءً تصحيحياً لهيكل التمويل في قطاع التوزيع، موضحة أنّ أصحاب المحطات كانوا يتحملون سابقاً عبء تأمين الدولار من السوق الموازية لتسديد قيمة التوريدات، بينما سينتقل هذا العبء بموجب الآلية الجديدة إلى الجهة المستوردة، أي الشركة السورية للبترول، ومضيفة أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان استقرار سلسلة التوزيع، واستمرار تدفق المشتقات النفطية إلى الأسواق، أكثر من كونه محاولة لمعالجة مشكلة الدولرة على مستوى الاقتصاد الكلي.
مستقبل التسعير
تكشف تصريحات رسمية مؤخراً اعتماد الشركة السورية للمحروقات، آلية تسعير خاصة للمحروقات تُعرف بـ الدولار النفطي، وهو سعر صرف مستقل عن نشرات مصرف سوريا المركزي أو السوق السوداء، والذي بدوره يخضع لتحديثات دورية عبر المنصات الرسمية، لكن مع غياب نشرات رسمية منتظمة منذ نيسان الماضي وتقلبات سعر الصرف، تطرح تساؤلات حول استقرار آلية التسعير ومستقبلها في حال اعتماد الليرة السورية حصراً في عمليات البيع والتسعير.
ويعتبر الدكتور العكلة أنّ التحدي الأبرز أمام القرار يتمثل في قدرة الدولة على الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف، فاستمرار تراجع قيمة الليرة سيجعل تسعير المشتقات النفطية بالعملة المحلية أكثر صعوبة، خاصة أن عمليات الاستيراد تتم بالعملات الأجنبية بينما تُباع المنتجات محلياً بالليرة.
كما يحذر من اتساع الفجوة بين تكاليف الاستيراد والإيرادات المحلية، ما قد يفاقم الأعباء المالية على الخزينة العامة، وأنّ نجاح القرار مرتبط بدرجة كبيرة بثقة السوق والأفراد والشركات بالعملة الوطنية وقدرتها على الحفاظ على قيمتها، مؤكداً أن تطبيقه ضمن إطار اقتصادي متكامل قد يساهم في تخفيف التقلبات الحادة في أسعار الوقود، وتحسين القدرة على التخطيط لدى الفعاليات الاقتصادية، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى استمرار الضغوط على سعر الصرف، قد يدفع الحكومة إلى تعديل الأسعار بشكل متكرر، ما قد يحدّ من الآثار الإيجابية المرجوة من القرار.
أثر محدود
وحول تأثير القرار على سعر الصرف، ترى الدكتورة بيوض أنه سيكون محدوداً، لا بل، قد يتحول إلى أثر سلبي على المدى المتوسط، وذلك لأنه وإن انخفض الضغط عن الطلب اليومي على الدولار لدى محطات الوقود، إلا أنّ جوهر المشكلة يبقى قائماً، فتكاليف الاستيراد ما تزال مقومة بالدولار.
وتضيف أنّ القرار لا يلغي الحاجة إلى النقد الأجنبي، بل ينقل الطلب عليه من أصحاب المحطات إلى الجهة المستوردة الرسمية، من دون إحداث تغيير حقيقي في معادلة العرض والطلب على الدولار، ومحذرة من خطر تحمل الدولة لفروقات سعر الصرف، والذي قد يؤدي إلى ضغوط مالية إضافية، قد تُغطى في نهاية المطاف عبر التوسع النقدي، بما ينعكس سلباً على قيمة الليرة ومستويات التضخم.
وتشير بيوض إلى أن تثبيت الأسعار إدارياً لا يلغي التحديات الاقتصادية، بل قد ينقلها إلى أشكال أخرى، ومن أبرزها، احتمال زيادة تهريب المشتقات النفطية، نتيجة اتساع الفجوة بين الأسعار المحلية والأسعار السائدة في الدول المجاورة، إضافة إلى تفاقم خسائر المؤسسات الحكومية المستوردة للمحروقات في حال ارتفاع أسعار النفط عالمياً أو تراجع سعر صرف الليرة، ما قد ينعكس مستقبلاً إما من خلال زيادات سعرية كبيرة أو عبر ضغوط تضخمية ناتجة عن تمويل العجز.
امتداد مشروط
وحول إمكانية تعميم التجربة على قطاعات أخرى، يعتقد العكلة أنه قد يكون ممكناً في مجالات مثل النقل والاتصالات، وبعض الخدمات الحكومية، شريطة تحقيق قدر من الاستقرار النقدي والمالي، إلا أنّه يؤكد على أنّ القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد والمدخلات الأجنبية، ستظل مرتبطة بالدولار بدرجات متفاوتة، ما يجعل فصلها الكامل عنه أمراً صعباً في الظروف الحالية.
في المقابل، تستبعد بيوض إمكانية تعميم القرار على نطاق واسع، معتبرة أن خصوصية قطاع المحروقات تكمن في كونه قطاعاً تحتكر الدولة استيراده وتوزيعه، ما يسهل فرض الرقابة عليه، أمّا في القطاعات المفتوحة أمام المنافسة والقطاع الخاص، فإن فرض قيود مماثلة قد يؤدي إلى ظهور أسعار مزدوجة، واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والفعلية، ما يفاقم حالة عدم الاستقرار في الأسواق.


