سوريا - محليات
فقراء ينتظرون مفاجآت سارّة قد لا تأتي.. "اقتصاد الخير" على المحكّ
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٢ مايو ٢٠٢٦، ١١:٤٣
3 دقيقة
8

في درعا، لم يعد الفقر خبراً عابراً في نشرات الأخبار، ولا رقماً جامداً يُكتب في تقارير المنظمات، بل أصبح وجهاً يومياً للحياة؛ حاضراً في البيوت الباردة، وفي طوابير الخبز، وفي عيون الآباء الذين يعودون كل مساء حاملين عجزهم بدل حاجات أطفالهم.
هنا، لم تعد المعاناة استثناءً، بل تحولت إلى القاعدة.
مدينة كاملة تتآكل بصمت، فيما يلتهم الغلاء ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال، وتتلاشى الرواتب قبل منتصف الشهر، وتتحول الأحلام البسيطة — كتعليم الأبناء، أو شراء دواء، أو تأمين وجبة كريمة — إلى رفاهية بعيدة المنال.
الأكثر تضرراً
مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل، المهندسة دانيا مفعلاني، تؤكد أن الواقع المعيشي في درعا صعب للغاية، مشيرة إلى أن الفئات الأكثر تضرراً اليوم هي الأرامل وذوو الإعاقة وكبار السن والفئات الهشة، في ظل اتساع دائرة الفقر وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

وتقول في حديثها لـ"العين السورية": إن الظروف الاقتصادية الحالية أثرت بصورة مباشرة على الأسر والأطفال، حيث باتت عائلات كثيرة عاجزة عن تأمين الاحتياجات الأساسية أو متابعة تعليم أبنائها.
العمل الخيري في إطار محدود
وتوضح مفعلاني أن عدد الجمعيات المرخصة في المحافظة يبلغ 119 جمعية و35 مؤسسة تعمل في مجالات متعددة، أبرزها توزيع السلل الغذائية، إلى جانب دورات تدريبية شبه مجانية تشمل الإسعافات الأولية وإعداد المدربين والدروس التعليمية لطلاب التاسع والبكالوريا والحساب الذهني، فضلاً عن خدمات صحية تقدمها بعض الجمعيات كالمعاينات المجانية وتأمين أدوية لمرضى السرطان.
لكنها تؤكد أن العمل الخيري الحالي غير كافٍ إطلاقاً مقارنة بحجم الاحتياج، مضيفة أن أبرز التحديات التي تواجه الجمعيات تتمثل في نقص الخبرات وضعف التشبيك والكفاءات الإدارية، وهو ما تعمل المديرية على معالجته عبر التدريب وربط الجمعيات بالمنظمات الدولية واستقطاب ممولين لمشاريع جديدة.
بين الإغاثي والتمكيني
أما معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل، راتب الحايك، فيرى أن الحل لا يمكن أن يبقى محصوراً بالسلال الغذائية والمساعدات الطارئة، بل يجب أن يتجه نحو "اقتصاد تمكيني" ينقل العائلات من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.

ويشير في حديثه لـ"العين السورية" إلى أن مشاريع صغيرة مثل صناعة المخللات والمنظفات أو مهن الحلاقة يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً للأسر الفقيرة، مؤكداً أن الوزارة تضع ضمن خطتها الاستراتيجية دعم مشاريع سبل العيش وتمكين الأسر اقتصادياً، رغم أن التطبيق ما يزال محدوداً حتى الآن.
ويضيف الحايك أن المديرية تعمل على تنظيم العلاقة بين الجمعيات والقطاع الخاص وتقديم التسهيلات لرجال الأعمال الراغبين بالمساهمة، معتبراً أن الشراكة بين المجتمع المحلي والجمعيات والدولة ضرورة لتحسين الواقع المعيشي.
مبادرات خجولة
ورغم حجم الحاجة، يلاحظ كثيرون تراجع المبادرات الفردية والعمل الأهلي مقارنة بالسنوات الماضية. ويكشف الحايك أن أحد رجال الأعمال فقط نفذ هذا العام مبادرة كبيرة استهدفت الأرامل والأسر الأشد فقراً، عبر توزيع نحو 32 ألف سلة غذائية بالتعاون مع الجمعيات.
ورغم ذلك، يبقى سؤال الشارع حاضراً بإلحاح: أين دور رجال الأعمال والميسورين من هذا الواقع المتفاقم؟
فبحسب ما يراه الأهالي، لا تزال مساهمات أصحاب رؤوس الأموال محدودة ومتقطعة، وغالباً ما تأتي ضمن مبادرات فردية لا ترتقي لحجم الأزمة المتسعة. ويؤكد كثيرون أن المطلوب اليوم ليس مجرد دعم موسمي، بل مشاركة فعلية في مشاريع إنتاج وفرص عمل تضمن استمرارية الدعم، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات المؤقتة.
وقائع صعبة
في المقابل، تبدو شكاوى الأهالي أكثر قسوة من الأرقام نفسها.
فالعم حسين بجبوج من درعا البلد يقول لـ"العين السورية": إن ما يحدث اليوم فوق طاقة البشر، فالفقير ازداد فقراً، وحتى الطبقة المتوسطة انتهت تقريباً. مضيفاً: الناس اليوم لا تحتاج كلمات تعاطف، بل من يقف معها فعلاً. هناك عائلات لم تعد قادرة على تأمين الخبز والدواء معاً، وأب بات يشعر بالعجز لأنه غير قادر على شراء أبسط احتياجات أطفاله.
أما سناء الحاج علي (أم رضا)، وهي أم تعيل أسرتها منذ سنوات، فتقول: إن الناس وصلت إلى مرحلة تخجل فيها من الحديث عن وجعها لأن الجميع موجوع.
وتضيف: الأرملة اليوم لا تفكر بالحياة، بل بكيفية حماية أولادها من الجوع والحرمان. هناك أمهات أصبحن يحسبن الوجبات بالقطعة، ويختصرن الطعام حتى يكفي آخر الشهر. حتى المرض أصبح رفاهية، لأن العلاج فوق قدرة أغلب الناس.
ومن بلدة تل شهاب، يقول إبراهيم خالد عيشات (65 عاماً): إن ما يحدث كسر ظهور الناس. زمان كان الفقير يجد سنداً من جاره أو قريبه، أما اليوم فالكل غارق بهمه. هناك عائلات تعيش بالكامل على الدين، وشباب متعلمون بلا عمل ولا أفق.
ويتابع بأسى: الناس تعبت نفسياً قبل التعب المادي، والأب صار يخاف من طلبات أولاده لأنه لم يعد قادراً على تلبية أبسط الأشياء، وهذا أقسى شعور يمكن أن يعيشه الإنسان.
ومن حي الكاشف، يصف ثابت محمد مسالمة الواقع بأنه اختناق معيشي حقيقي، قائلاً: هناك بيوت أصبح أكبر همها كيف تكمل الأسبوع، لا الشهر. الموظف إذا دفع مواصلات وفواتير لا يبقى معه ثمن الخبز. ويضيف: حتى الناس التي كانت تساعد غيرها أصبحت اليوم تبحث عمن يساعدها. الطبقة الوسطى اختفت تقريباً، وبعض العائلات بدأت تبيع مقتنيات منازلها لتتمكن من الاستمرار.
ويضيف بلهجته العامية: "إن درعا مو مثل قبل، فلولا لطف الله ودعم المغتربين كانت درعا اليوم تحت خط الفقر، لأن التحويلات صارت صمام أمان لكثير من العائلات، رغم إنها كمان ما عادت تكفي قدام الغلا والوضع الصعب."
يعني كل مغترب عم يحاول قد ما بيقدر يخفف عن أهله ويوقف معهم على قد ما في استطاعته، بس حجم الحاجة صار أكبر بكثير من أي دعم فردي.
أما المعلمة صالحة جوابرة، وهي أم لستة أولاد ثلاثة منهم في الجامعات، فتصف حياتها بأنها معركة يومية مع العجز: راتبي لم يعد يكفي أساسيات البيت، وأولادي يحتاجون مواصلات ومحاضرات وإيجارات ومصاريف يومية. أحياناً أشعر أن التعليم أصبح عبئاً أكبر من قدرة أي عائلة.
وتتابع بصوت يختلط فيه التعب بالقهر:
زوجي مريض ولا يستطيع العمل، والديون تراكمت علينا بشكل مرعب. أجلس أحياناً آخر الليل أفكر كيف سأؤمن مصروف الغد، وكيف سأكمل الشهر دون أن أطلب ديناً جديداً.
ثم تختم حديثها بجملة تختصر وجع كثير من السوريين: الله يكون بالعون… ما فينا نحكي غير هيك.
الموظف وافد على قوائم الفقر
وفي حديث يلخص حجم الانهيار الاجتماعي والمعيشي الذي ضرب المدينة، يقول أحد أهالي حي شمال الخط بدرعا، رافضاً الكشف عن اسمه: إن الفقر لم يعد يقتصر على العاطلين عن العمل أو العائلات المعدمة، بل تمدد ليبتلع الموظف والمعلم والعامل وحتى أصحاب المهن الذين كانوا يوماً يعيشون بحد مقبول من الاستقرار.
ويضيف بحسرة: اليوم صار الجميع في الطابور نفسه… الموظف، والأستاذ، والعامل، ورب الأسرة، وحتى من كان يعتبر ميسور الحال. الكل واقف في طابور الخوف من آخر الشهر، وطابور الديون، وطابور العجز أمام طلبات العائلة.
ويتابع: زمان كانت الناس تستر على بعضها وكان الجار يسند جاره، أما اليوم فالجميع غارق. صار الواحد يخجل يزور قريباً له لأنه يعرف أن صاحب البيت قد لا يملك ما يكفي عائلته. الناس لم تعد تخاف من الفقر فقط، بل من الإهانة التي يتركها العجز في النفوس.
ويشير إلى أن كثيراً من العائلات باتت تعيش على تقليص الطعام والاستدانة وتأجيل العلاج وحرمان الأطفال من أبسط احتياجاتهم، مضيفاً: الحياة نفسها أصبحت عبئاً ثقيلاً على الناس وليس فقط المعيشة.
محكومون بالأمل
في درعا اليوم، لا يبدو السؤال الحقيقي: كم سلة غذائية زُعَت؟ ولا: من قدم المساعدة؟ بل: كم عائلة استطاعت أن تستعيد قدرتها على الوقوف مجدداً وسط هذا الانهيار المعيشي القاسي؟
وبين الجمعيات والميسورين والمؤسسات الرسمية، يبقى الأمل معلقاً على فكرة واحدة: أن يتحول الخير من مساعدة مؤقتة تبقي الناس على قيد الاحتمال، إلى مشروع حياة يعيد لهم كرامتهم وقدرتهم على العيش.
وفي مدينة أنهكها انتظار الفرج، لم يعد السؤال: من يحتاج المساعدة؟
بل: كم إنساناً ما يزال قادراً على الصمود؟
وكم بيتاً ما يزال يحتفظ بكرامته قبل أن يسقط في العتمة الكاملة؟
هنا، لم تعد المعاناة استثناءً، بل تحولت إلى القاعدة.
مدينة كاملة تتآكل بصمت، فيما يلتهم الغلاء ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال، وتتلاشى الرواتب قبل منتصف الشهر، وتتحول الأحلام البسيطة — كتعليم الأبناء، أو شراء دواء، أو تأمين وجبة كريمة — إلى رفاهية بعيدة المنال.
الأكثر تضرراً
مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل، المهندسة دانيا مفعلاني، تؤكد أن الواقع المعيشي في درعا صعب للغاية، مشيرة إلى أن الفئات الأكثر تضرراً اليوم هي الأرامل وذوو الإعاقة وكبار السن والفئات الهشة، في ظل اتساع دائرة الفقر وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

وتقول في حديثها لـ"العين السورية": إن الظروف الاقتصادية الحالية أثرت بصورة مباشرة على الأسر والأطفال، حيث باتت عائلات كثيرة عاجزة عن تأمين الاحتياجات الأساسية أو متابعة تعليم أبنائها.
العمل الخيري في إطار محدود
وتوضح مفعلاني أن عدد الجمعيات المرخصة في المحافظة يبلغ 119 جمعية و35 مؤسسة تعمل في مجالات متعددة، أبرزها توزيع السلل الغذائية، إلى جانب دورات تدريبية شبه مجانية تشمل الإسعافات الأولية وإعداد المدربين والدروس التعليمية لطلاب التاسع والبكالوريا والحساب الذهني، فضلاً عن خدمات صحية تقدمها بعض الجمعيات كالمعاينات المجانية وتأمين أدوية لمرضى السرطان.
لكنها تؤكد أن العمل الخيري الحالي غير كافٍ إطلاقاً مقارنة بحجم الاحتياج، مضيفة أن أبرز التحديات التي تواجه الجمعيات تتمثل في نقص الخبرات وضعف التشبيك والكفاءات الإدارية، وهو ما تعمل المديرية على معالجته عبر التدريب وربط الجمعيات بالمنظمات الدولية واستقطاب ممولين لمشاريع جديدة.
بين الإغاثي والتمكيني
أما معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل، راتب الحايك، فيرى أن الحل لا يمكن أن يبقى محصوراً بالسلال الغذائية والمساعدات الطارئة، بل يجب أن يتجه نحو "اقتصاد تمكيني" ينقل العائلات من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.

ويشير في حديثه لـ"العين السورية" إلى أن مشاريع صغيرة مثل صناعة المخللات والمنظفات أو مهن الحلاقة يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً للأسر الفقيرة، مؤكداً أن الوزارة تضع ضمن خطتها الاستراتيجية دعم مشاريع سبل العيش وتمكين الأسر اقتصادياً، رغم أن التطبيق ما يزال محدوداً حتى الآن.
ويضيف الحايك أن المديرية تعمل على تنظيم العلاقة بين الجمعيات والقطاع الخاص وتقديم التسهيلات لرجال الأعمال الراغبين بالمساهمة، معتبراً أن الشراكة بين المجتمع المحلي والجمعيات والدولة ضرورة لتحسين الواقع المعيشي.
مبادرات خجولة
ورغم حجم الحاجة، يلاحظ كثيرون تراجع المبادرات الفردية والعمل الأهلي مقارنة بالسنوات الماضية. ويكشف الحايك أن أحد رجال الأعمال فقط نفذ هذا العام مبادرة كبيرة استهدفت الأرامل والأسر الأشد فقراً، عبر توزيع نحو 32 ألف سلة غذائية بالتعاون مع الجمعيات.
ورغم ذلك، يبقى سؤال الشارع حاضراً بإلحاح: أين دور رجال الأعمال والميسورين من هذا الواقع المتفاقم؟
فبحسب ما يراه الأهالي، لا تزال مساهمات أصحاب رؤوس الأموال محدودة ومتقطعة، وغالباً ما تأتي ضمن مبادرات فردية لا ترتقي لحجم الأزمة المتسعة. ويؤكد كثيرون أن المطلوب اليوم ليس مجرد دعم موسمي، بل مشاركة فعلية في مشاريع إنتاج وفرص عمل تضمن استمرارية الدعم، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات المؤقتة.
وقائع صعبة
في المقابل، تبدو شكاوى الأهالي أكثر قسوة من الأرقام نفسها.
فالعم حسين بجبوج من درعا البلد يقول لـ"العين السورية": إن ما يحدث اليوم فوق طاقة البشر، فالفقير ازداد فقراً، وحتى الطبقة المتوسطة انتهت تقريباً. مضيفاً: الناس اليوم لا تحتاج كلمات تعاطف، بل من يقف معها فعلاً. هناك عائلات لم تعد قادرة على تأمين الخبز والدواء معاً، وأب بات يشعر بالعجز لأنه غير قادر على شراء أبسط احتياجات أطفاله.
أما سناء الحاج علي (أم رضا)، وهي أم تعيل أسرتها منذ سنوات، فتقول: إن الناس وصلت إلى مرحلة تخجل فيها من الحديث عن وجعها لأن الجميع موجوع.
وتضيف: الأرملة اليوم لا تفكر بالحياة، بل بكيفية حماية أولادها من الجوع والحرمان. هناك أمهات أصبحن يحسبن الوجبات بالقطعة، ويختصرن الطعام حتى يكفي آخر الشهر. حتى المرض أصبح رفاهية، لأن العلاج فوق قدرة أغلب الناس.
ومن بلدة تل شهاب، يقول إبراهيم خالد عيشات (65 عاماً): إن ما يحدث كسر ظهور الناس. زمان كان الفقير يجد سنداً من جاره أو قريبه، أما اليوم فالكل غارق بهمه. هناك عائلات تعيش بالكامل على الدين، وشباب متعلمون بلا عمل ولا أفق.
ويتابع بأسى: الناس تعبت نفسياً قبل التعب المادي، والأب صار يخاف من طلبات أولاده لأنه لم يعد قادراً على تلبية أبسط الأشياء، وهذا أقسى شعور يمكن أن يعيشه الإنسان.
ومن حي الكاشف، يصف ثابت محمد مسالمة الواقع بأنه اختناق معيشي حقيقي، قائلاً: هناك بيوت أصبح أكبر همها كيف تكمل الأسبوع، لا الشهر. الموظف إذا دفع مواصلات وفواتير لا يبقى معه ثمن الخبز. ويضيف: حتى الناس التي كانت تساعد غيرها أصبحت اليوم تبحث عمن يساعدها. الطبقة الوسطى اختفت تقريباً، وبعض العائلات بدأت تبيع مقتنيات منازلها لتتمكن من الاستمرار.
ويضيف بلهجته العامية: "إن درعا مو مثل قبل، فلولا لطف الله ودعم المغتربين كانت درعا اليوم تحت خط الفقر، لأن التحويلات صارت صمام أمان لكثير من العائلات، رغم إنها كمان ما عادت تكفي قدام الغلا والوضع الصعب."
يعني كل مغترب عم يحاول قد ما بيقدر يخفف عن أهله ويوقف معهم على قد ما في استطاعته، بس حجم الحاجة صار أكبر بكثير من أي دعم فردي.
أما المعلمة صالحة جوابرة، وهي أم لستة أولاد ثلاثة منهم في الجامعات، فتصف حياتها بأنها معركة يومية مع العجز: راتبي لم يعد يكفي أساسيات البيت، وأولادي يحتاجون مواصلات ومحاضرات وإيجارات ومصاريف يومية. أحياناً أشعر أن التعليم أصبح عبئاً أكبر من قدرة أي عائلة.
وتتابع بصوت يختلط فيه التعب بالقهر:
زوجي مريض ولا يستطيع العمل، والديون تراكمت علينا بشكل مرعب. أجلس أحياناً آخر الليل أفكر كيف سأؤمن مصروف الغد، وكيف سأكمل الشهر دون أن أطلب ديناً جديداً.
ثم تختم حديثها بجملة تختصر وجع كثير من السوريين: الله يكون بالعون… ما فينا نحكي غير هيك.
الموظف وافد على قوائم الفقر
وفي حديث يلخص حجم الانهيار الاجتماعي والمعيشي الذي ضرب المدينة، يقول أحد أهالي حي شمال الخط بدرعا، رافضاً الكشف عن اسمه: إن الفقر لم يعد يقتصر على العاطلين عن العمل أو العائلات المعدمة، بل تمدد ليبتلع الموظف والمعلم والعامل وحتى أصحاب المهن الذين كانوا يوماً يعيشون بحد مقبول من الاستقرار.
ويضيف بحسرة: اليوم صار الجميع في الطابور نفسه… الموظف، والأستاذ، والعامل، ورب الأسرة، وحتى من كان يعتبر ميسور الحال. الكل واقف في طابور الخوف من آخر الشهر، وطابور الديون، وطابور العجز أمام طلبات العائلة.
ويتابع: زمان كانت الناس تستر على بعضها وكان الجار يسند جاره، أما اليوم فالجميع غارق. صار الواحد يخجل يزور قريباً له لأنه يعرف أن صاحب البيت قد لا يملك ما يكفي عائلته. الناس لم تعد تخاف من الفقر فقط، بل من الإهانة التي يتركها العجز في النفوس.
ويشير إلى أن كثيراً من العائلات باتت تعيش على تقليص الطعام والاستدانة وتأجيل العلاج وحرمان الأطفال من أبسط احتياجاتهم، مضيفاً: الحياة نفسها أصبحت عبئاً ثقيلاً على الناس وليس فقط المعيشة.
محكومون بالأمل
في درعا اليوم، لا يبدو السؤال الحقيقي: كم سلة غذائية زُعَت؟ ولا: من قدم المساعدة؟ بل: كم عائلة استطاعت أن تستعيد قدرتها على الوقوف مجدداً وسط هذا الانهيار المعيشي القاسي؟
وبين الجمعيات والميسورين والمؤسسات الرسمية، يبقى الأمل معلقاً على فكرة واحدة: أن يتحول الخير من مساعدة مؤقتة تبقي الناس على قيد الاحتمال، إلى مشروع حياة يعيد لهم كرامتهم وقدرتهم على العيش.
وفي مدينة أنهكها انتظار الفرج، لم يعد السؤال: من يحتاج المساعدة؟
بل: كم إنساناً ما يزال قادراً على الصمود؟
وكم بيتاً ما يزال يحتفظ بكرامته قبل أن يسقط في العتمة الكاملة؟


