سوريا - اقتصاد
شركات مساهمة سورية تكسر قواعد الحوكمة وتقع في "غواية الأقارب" !
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٣ يوليو ٢٠٢٦، ٠٦:١٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في أروقة الشركات المساهمة العامة، حيث تفترض القوانين أن المال مملوك لجمهور المساهمين، وأن القرار يجب أن يقوده ميزان الجدارة والاستحقاق، تتسلل شيئاً فشيئاً أعراف غير مكتوبة تهدد بنيان تلك الكيانات. فمسألة "توظيف الأقارب" ليست مجرد تفصيل إداري عابر، بل هي بؤرة ساخنة يتقاطع فيها حق الملكية الفردية مع المصلحة العامة للشركة. وعندما تتقدم روابط الدم والقرابة على معايير الكفاءة والتخصص، يتحول تضارب المصالح من مجرد خطر نظري إلى واقع ملموس ينعكس على الأداء المالي، ويضعف استقلالية الرقابة، ويختبر جدية القوانين الناظمة للأسواق المالية.
الولاءات بديلاً عن الكفاءة
لا يمثل توظيف الأقارب في الشركات المساهمة، بحد ذاته، مخالفة قانونية صارخة، إلا أن المحك الحقيقي يكمن في خط رفيع يفصل بين حق الاختيار، وبين هيمنة صلة القرابة على آليات التعيين والتقييم والترقية.
انحراف
يؤكد الخبير الاقتصادي والمختص بالحوكمة الدكتور رازي محي الدين لـ " العين السورية"، أن هذا الانحراف البسيط في البداية، يقوض مبدأ تكافؤ الفرص تماماً، ويخلق بيئة تفضل الولاء الشخصي على التميز المهني.
هذا التغليب للقرابة على الكفاءة لا يتوقف أثره عند حدود الظلم الوظيفي، بل يتعداه ليفرز منظومة من المخاطر التشغيلية والمالية الفادحة؛ فتتراجع جودة القرارات الإدارية، وتتزايد الأخطاء التشغيلية، وتضعف خطوط الدفاع في منظومة الرقابة الداخلية، لتفتح الباب واسعاً أمام احتمالات الهدر وتراجع ثقة المستثمرين الباحثين عن بيئة آمنة لأموالهم.
حين يراقب القريب قريبه
تتجلى الخطورة الأكبر لهذه الظاهرة، عندما تمتد شبكة القرابة لتخترق مفاصل الحماية الأساسية للشركات، وتحديداً لجان التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر. فاستقلالية هذه اللجان تمثل حجر الأساس في أي كيان مؤسسي سليم؛ غير أن وجود أقارب للإدارة داخلها يعصف بحيادها ويفقد تقاريرها المرفوعة للجمعيات العمومية مصداقيتها الكاملة.
وفي ظل غياب سياسات واضحة تفصل بصرامة بين أصحاب القرار ومن يراقبهم، يصبح من العسير على الموظف العادي الإبلاغ عن تجاوز أو إخفاء لقرض متعثر، لتمسي شبكة العلاقات العائلية غطاءً محكماً يحمي المخالفات ويضعف قدرة المؤسسة على التصحيح الذاتي.
الرقابة في مواجهة التحدي
من موقعها الإشرافي والتنظيمي على الشركات المساهمة العامة، لا تقف هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية مكتوفة الأيدي أمام هذه التحديات. وهنا يوضح رئيس مجلس مفوضي الهيئة، الدكتور عبد الرزاق القاسم، لـ " العين السورية"، أن الهيئة تعتبر وجود الأقارب في الهياكل الإدارية باباً رئيسياً من أبواب تضارب المصالح، وتلزم الشركات بالإفصاح الشفاف عنه في تقارير الحوكمة السنوية.
ورغم أن الهيئة لا تتدخل بشكل مباشر في السياسات الداخلية للشركات، إلا أنها تراقب وتفتش دورياً، وتمتلك بموجب القانون رقم 22 لعام 2005 صلاحيات واسعة لفرض العقوبات الرادعة في حال ثبت أن هذا التوظيف ألحق ضرراً بحقوق المساهمين وخاصة الصغار منهم.
سياسات عشوائية
وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة عن واقع لافت؛ فمن أصل الشركات المساهمة العامة التي نشرت تقارير حوكمتها مؤخراً، وُجدت سبع شركات فقط تمتلك سياسات مكتوبة ومعتمدة من مجالس إداراتها تنظم عمليات التوظيف وتضبط مسألة الأقارب، بينما تخلو بقية الشركات من مثل هذه الضوابط المنهجية. وهو ما دفع الهيئة نحو مسار تطوري مستمر لتحديث نموذج تقرير الحوكمة (المعتمد حالياً برقم 1/2)، مع وجود دراسات جادة لإلزام جميع الشركات لاحقاً بتبني حد أدنى من السياسات المكتوبة للتوظيف والإفصاح المعمق عن
المحسوبية تلتهم الابتكار والاستقرار
يمتد أثر هذه الظاهرة ليشوه بيئة العمل والاقتصاد الكلي على حد سواء. ويحذر الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي، من أن هيمنة شبكات الأقارب على مراكز القرار، لا تقتصر إساءتها على الجانب الأخلاقي فحسب، بل تمثل عائقاً هيكلياً أمام الابتكار والنمو. فعندما تُدار المؤسسة بمنطق حماية المصالح الشخصية والحفاظ على الوضع القائم، يتم تهميش الآراء الجريئة والأفكار الإبداعية القادمة من خارج "الدائرة الضيقة"، وتغيّب الموضوعية في تقييم الأداء.
قرابة وتواطؤ مالي
الأكثر خطورة هو الترابط الوثيق بين روابط القرابة ومخاطر "التواطؤ المالي"؛ حيث تُسنح الفرص والعقود لجهات مرتبطة بالأقارب بأسعار غير تنافسية، وتتحول شبكات العلاقات إلى مظلة لإخفاء المخالفات المالية، مما يهدد الاستقرار المالي للشركة ويضر بمصالح المساهمين. وعلى المدى الطويل، تخلق هذه الممارسات بيئة طاردة للكفاءات الوطنية الشابة التي تهجر السوق بحثاً عن العدالة، لتفقد الشركات قدرتها التنافسية وتتراجع جاذبيتها الاستثمارية بشكل متسارع.
تفكيك تضارب المصالح
إن معالجة هذا الملف الحساس لا تتطلب قرارات تعسفية بالمنع المطلق، بل تستوجب إدارة واعية وحكيمة لتضارب المصالح. ويبدو جلياً أن تفكيك هذه العقدة يمر عبر مسار متكامل يبدأ بتعزيز وتفعيل قوانين حوكمة الشركات المساهمة العامة، وإلزام مجالس الإدارة باعتماد معايير كفاءة موضوعية وقابلة للقياس في التوظيف والترقية.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة لنشر تقارير دورية شفافة عن عقود الموردين وتعاملات الأطراف ذات العلاقة، وتوفير حماية حقيقية للمبلغين عن الفساد. وحدها هذه الخطوات الكفيلة بإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق، وحماية أموال المودعين والمساهمين، واستعادة الثقة الكاملة بنبض القطاع المؤسسي السوري.


